ليلة فرحي

قربت راس كريم تنزل ببطء تجاه الحافة السفلية للسرير، وعيناه كانتا تقتربان من خط الرؤية المظلم تحت الفرش. في تلك اللحظة الفاصلة، انبعث صوت رنين هاتف محمول من جيب كريم نفسه بصورة مفاجئة، ليقطّع سكون الغرفة المتوتر.
عدل كريم جلسته بسرعة، وأخرج هاتفه ليجيب بصوت منخفض ومتهدج:
— أيوة يا نجلاء… إيه؟ متأكدة؟
استمع كريم للطرف الآخر لثوانٍ معدودة، ثم تغير لون وجهه تماماً، وهتف بصوت مرتجف كاد أن يوقظ الممر الخارجي:
— يعني إيه ولاد أحمد مش في الاوضة؟! ومين الكداب اللي قالك إنهم نايمين لوحدهم؟!
اتسعت عيناي تحت السرير وأنا أكاد أجن. ولادي! ماذا تقصد نجلاء بوجود الأولاد خارج الغرفة المخصصة لهم؟
هتف شريف بذعر وهو يقف مكانه:
— إزاي مش موجودين؟ طب وأحمد الصغير فين؟
لم يكمل كريم كلامه، بل انطلق الركضان معاً خارج الغرفة هاربين باتجاه الجناح المجاور، وتركوني وحدي وسط هذا الكم الهائل من الأسرار والخيانات.
خرجت من تحت السرير ببطء شديد، ورجتاي كانتا تكادان لا تحملاني. أمسكت الظرف الأوف وايت الذي سقط أمامي، وسحبت هاتفي المحمول بسرعة،
واتصلت فوراً بالمحامية الخاصة بشركتي، وبدأت في تسجيل شهادتي الصوتية الكاملة، وتفاصيل ما سمعته حرفياً، موثقاً بالأسماء والتواريخ ومؤامرة التوقيع على الأوراق المزورة.
لكن المفاجأة الكبرى لم تنتهِ عند هذا الحد.
فتحت الظرف المكتوب عليه اسم “يارا”، ووجدت بداخله ورقتين:
الأولى: تقرير مختبر طبي يحمل اسم ابني الأكبر، ومؤرخ بتوقيت يثبت أنه تم تزويره بالكامل عبر تلاعب رقمي واضح، وعليه توقيع نجلاء المزيف.
الثانية: رسالة مكتوبة بخط يد نجلاء نفسها إلى شخص مجهول تلقب بـ “المشير”، تقول فيها بالحرف:
> “كل حاجة ماشية خطوة بخطوة… أحمد هيخلص من شركاته، ويارا هتطلع من الليلة دي مكسورة ومفضوحة، والعيال هيبقوا في كنفنا، ومحدش هيقدر يثبت إننا إحنا اللي ورثنا أبوهم وهو عايش.”
>
نظرت إلى الشاشة أمامي ووجدت أن الساعة تجاوزت منتصف الليل. الفرح يبدأ غداً صباحاً.
لو واجهتهم الآن، سيخفون الآثار، وينكرون كل شيء، وربما يهربون بالثروة والأوراق، وتظل يارا في خطر مدمر لا علم لها به.
ولو صمتّ، فسأكون قد سلّمت رقبتي ورقبة الإنسانة الوحيدة التي أحبتني بصدق لأشخاص لعينين باعوا روابط الدم من أجل المال.
أنهيت التسجيل الصوتي الطويل، وأرسلته بنسخة مشفرة إلى البريد الإلكتروني للمحامية، مع رسالة قصيرة واحدة:
“بكرة الصبح الساعة تسعة، الجلسة في قاعة الفندق الكبرى أمام الضيوف والشرطة… مش محاماة، دي محاكمة.”
مسحت دموع الصدمة من عيني، وارتديت بدلتي السوداء بهدوء مريب، وعدت إلى غرفتي كأن شيئاً لم يكن. انتظرت طلوع الفجر وأنا أراقب سقف الغرفة، أعلم تماماً أن الساعات
القادمة ستغير شكل عائلتي إلى الأبد، وأنني على موعد مع زلزال لن ينجو منه أحد.





