حكايات رولا

وصلت البيت قبلهم بحوالي ساعة ونص. الشقة كانت هادية، المطبخ نظيف، وكل حاجة في مكانها كأن مفيش عاصفة بتتحضر.
​دخلت غرفة النوم، فتحت الخزنة الصغيرة اللي في الدولاب، وطلعت الملف الأزرق اللي كنت مخبياه تحت أوراق الفواتير والعقود بقالي ٨ شهور. ملف كاملاً فيه نتائج التحاليل، الفحوصات، والتلقيح الصناعي اللي عملته بالسر في مركز في المعادي.. الملف اللي بياكد إن طارق هو اللي عنده مشكلة تمنعه من الإنجاب بشكل طبيعي، مش أنا زي ما كان بيلمّح أهله وزي ما كان هو بيسبهم يفكروا عشان يحمي كبريائه!
​بقالي ٨ شهور ساكتة، ومتحملة نظرات أمه ونغز الكلام في كل عزومة، ومتحملة إنه سايبني قدام أهله “الست اللي مابتخلفش”، كل ده عشان أحمي مشاعره وأحافط على بيتي.
​سمعت صوت المفتاح بيلف في الباب.
​دخل طارق، ووراه جنى. وشهم كان باين عليه الغضب والذهول.. طارق كان متوقع يلاقيني بعيط في الأوضة، أو منهارة وبطلب السماح.
​أول ما شافني واقفة في الصالة والملف في إيدي، قال بحدّة ونبرة مليانة غرور:
“كويس إنك لسه هنا.. أنا قلت ركبتي راسك ومشيتي. جنى جهزي نفسك عشان تعتذري لها، وأنتي يا سارة كفاية دراما وحركات أطفال، حطي الإنسيال في إيدك وتعالي اتكلمي معايا زي الكبار.”
​جنى وقفت ورانا ومربعة إيديها، مستنية العرض.
​بصيت لطارق بهدوء تّام، الهدوء اللي بيسبق أي انفجار.
​”أنا مش هستنى اعتذار من جنى يا طارق.. ولا عمري هلبس الإنسيال ده تاني.”
​طارق كشر حواجبه: “يعني إيه؟”
​مسكت الملف ورميته على الترابيزة قدامه:
“ده الملف الطبي بتاعك وبتاعي بقاله ٨ شهور في بيتنا.. الملف اللي بيثبت إن العيب منك أنت مش مني، الملف اللي بسببه كنت بتبلعني السكوت قدام أهلك وأنت شايفهم بينغزوني بالكلام إني ما بخلّفش.. كنت ساكتة وحامية كبرياءك وحامية بيتك على حساب كرامتي وصحتي والنفسية!”
​طارق وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه. بص للملف وبعدين بصلي وهو مش قادر ينطق.. جنى وقفت مذهولة، عينها تنقلت بين أبوها وبين الملف.
​كملت وقربت منه خطوة:
“كنت فاكرة إني لما أحميك وأستر عليك وأتحمل عشانك، هتكون السند ليا لما بنتك تتبلى عليا.. بس أنت اخترت تبيعني في ثانية قدام أهلك عشان تكسب رضاها وتداري على كدبها، وزقتني برة حياتك بشرطك الرخيص: ‘اعتذري يا إما امشي’.”
​طارق حاول يتكلم بصوت متهدج: “سارة.. أنتِ.. أنتِ بتجيبي الكلام ده منين؟ إيه الملف ده؟”
​”الملف ده هو الحقيقة اللي أنت هتعيش بيها من النهاردة.. الحقيقة اللي هتعرف أهلك كلهم بيها لما يسألوك سارة مشيت ليه.. وأنا مش هسيبك تتبلى عليا وتطلعني أنا الست الشريرة أو المفترية.”
​مسكت شنطتي اللي كانت جاهزة جنب الباب.
​طارق مسك إيدي بلهفة ورجاء أول مرة أشوفهم في عينه: “سارة استني.. نتكلم، أنا آسف.. والله ما كنت أقصد، جنى تعالي قولي لمراتي الحقيقة!”
​جنى كانت واقفة مشدوهة، ومش قادرة تنطق كلمة، خايفة من شكل أبوها وهو بينهار.
​شيلت إيدي من إيده بمنتهى القوة والهدوء:
“الفرصة فاتت يا طارق.. أنت اخترت الباب، وأنا اخترت كرامتي والحقيقة.. ورقتي توصلني على بيت أهلي.”
​فتحت باب الشقة، وخرجت.. وسبتهم في السكوت التقيل اللي كان مستنيهم.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *