ياسين الجارحي الفصل الثاني بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الفصل الثاني ياسين الجارحي بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
عدّى يومين، والوضع في قصر الجارحي كان بيزداد سوء. الطفلة صرخاتها ما كانتش بتهدى، ووشها بقى شاحب ومجهد من كتر البكاء ورفض الرضاعة. ياسين كان حاسس إن أعصابه بتتلف، المال والنفوذ اللي بيمتلكهم ما قدروش يشتروا راحة باله ولا يهدوا طفلة عمرها شهور.
​في الوقت ده، وصلت عربية سليم قدام بوابة القصر. نزل ونزلت معاه نور، كانت بتتأمل سور القصر الضخم بذهول ورغبة مبهمة في الخوف، بس قلبها كان بدق بسرعة غير طبيعية كل ما تقرب من الباب الرئيسي.
​دخل سليم واستقبله ياسين في صالون الضيوف، الملامح على وش ياسين كانت مرهقة جداً وعينيه أحمرت من قلة النوم.
​سليم بابتسامة محاولة لتهدئة الجو:
ـ “مساء الخير يا ياسين.. جيبتلك المربية اللي قلتلك عليها، وأنا أضمنها لك بنفسي، بنت أمينة جداً وأخلاقها عالية.”
​ياسين بص لنور بنظرة سريعة وخالية من أي اهتمام. كانت لابسة هدوم بسيطة جداً، ووشها خالي من أي مساحيق، وعينيها فيها شرود غريب.
​رد ياسين بنفاذ صبر ونبرة جافة:
ـ “سليم.. أنا مش فاضي لتجارب. دي خامس واحدة تدخل البيت ده في أقل من شهر، والبنت رافضة كل الستات وبتصرخ لما حد يقرب منها. أنا دماغي هينفجر.”
​قبل ما سليم يرد، خرج صوت صراخ الطفلة من الدور الثاني حاد وموجع جداً.
​نور أول ما سمعت الصوت، جسمها قشعر بالكامل. نبضات قلبها دعت بسرعة رهيبة، وحست بحاجة بتشدها لفوق، حاجة أقوى من عقلاها اللي مش فاكر أي حاجة. بدون ما تطلب اذن، ولأول مرة تظهر جُرأة غير متوقعة منها، تحركت خطواتها تلقائياً ناحية السلم الصاعد للأوضة.
​ياسين اتفاجئ بحركتها، وعقد حواجبه بغضب:
ـ “أنتي رايحة فين؟! استني عندك!”
​بس ما سمعتوش، كانت ماشية ورا صوت الصراخ كأنها مخدرة. ياسين مشي وراها بخطوات سريعة وزعق، وسليم لف وراهم بتوتر.
​فتحت باب الغرفة. المربية كانت واقفة بعجز والطفلة في المهد بتتلوى من العياط ووشها محمر جداً.
​ قربت من المهد بخطوات هادية، دموع مجهولة جمعت في عينيها. مدّت إيديها المرتعشة، وشالت الطفلة بالراحة بين إيديها ورفعتها لحضنها.
​في اللحظة دي بالذات… حصلت المعجزة.
​الطفلة بمجرد ما لمست صدرها وشمت ريحتها، الصراخ العالي تحول لبكاء خفيف… وبعد ثوانٍ معدودة، سكتت خالص!
​فتحت الطفلة عينيها الصغيرين وبصت في وشها، ودفنت رأسها الصغير في رقبتها، وأخدت نفس عميق ونامت في حضنها باستكانة وأمان تام، كأنها أخيرًا لقت المكان اللي كانت بتدور عليه.
​ياسين وقف عند باب الأوضة، متثمر في مكانه. عينيه اتوسعت بصدمة وذهول مش قادر يستوعبهم. الستات والمربيات المتخصصات فشلوا، والبنت اللي رفضت الدنيا كلها، سكتت ونامت في حضن البنت الغريبة دي في ثواني؟!
​قرب ياسين منها بخطوات بطيئة، ونظراته حادة ومشوهة بالدهشة، وقال بصوت واطي ومشدود:
ـ “أنتي عملتي لها إيه؟… سكتت إزاي كده؟!” رفعت عينيها في عين ياسين بثبات غريب، وصوتها طلع هادي ومطمن:
ـ “ما عملتش حاجة.. هي بس كانت خايفة ومحتاجة تحس بأمان.”
​إيدها كانت بتمسح على ظهر الطفلة بحنان خالص، وحركة إيديها كانت تلقائية جداً، كأن جسمها حافظ اللمسة دي من زمان رغم إن عقلها مش فاكر منها حرف واحد. الطفلة أخدت نفس عميق ونفسها اتنظم تماماً وهي كامشة في هدومها.
​ياسين كان واقف يبص لها بصدمة وذهول مش عارف يداريهم. الراجل اللي ما بتفوتوش تفصيلة، بقى عاجز يفهم اللي بيحصل قدامه. قرب خطوة كمان، ونظراته الحادة كانت بتتفحص وشها البسيط، عينيها التائهة، وملامحها الخالية من أي خبث.
​سليم قرب من ياسين وابتسم براحة:
ـ “قلتلك يا ياسين.. هي أمينة جداً وقلبها أبيض، وأنا مسميها (نور) عشان تيسر أمورها لحد ما نتوصل لأهلها.. والبنت حست بالراحة معاها.”
​ياسين بلع ريقه وصمته طال لثواني، كان حاسس بشعور متناقض ومريب.. الطفلة سكتت وأخيراً لقى اللي تهديها، بس في نفس الوقت كان في حاجة في ملامح الفتاة الغريبة دي بتخليه يستفز أو يحس بتوتر مش فاهم سببه.
​التفت ياسين لسليم وقال بنبرة جافة وهو بيحاول يسترد جموده المعتاد:
ـ “تمام يا سليم.. طالما البنت سكتت معاها، تبدأ شغل من النهاردة.”
​وبص لنور بعيون ثاقبة:
ـ “أنتِ هتقعدي هنا في القصر.. مش هتمشي، ومسئولة عن البنت 24 ساعة. أي حاجة تحتاجها الطفلة اطلبيها من الخدم.”
​هزت رأسها بالموافقة وهي عينها مش مفارقة وش الرضيعة:
ـ “حاضر يا بيه.”
​مرت الأيام، واستقرت في قصر الجارحي. الطفلة ما بقتش ترضع ولا تنام إلا في حضن نور، وكان ارتباط الطفلة بيها بيزيد يوم عن يوم بشكل يلفت نظر الكل. كانت بتتعامل مع الطفلة بلهفة وأمومة فطريين، تقعد الساعات تطبطب عليها، وتغني لها بصوت واطي وهي مش فاهمة هي ليه بتحبها بالدرجة دي، وليه قلبها بيوجعها لما تسمع عياطها.
​أما ياسين… فكان بيراقبها طول الوقت.
​من مكتبه في الدور الأرضي، كان بيتابع حركة نور في الجنينة وهو ماسك كاس القهوة، أو يقف على باب الأوضة بالليل يبص عليها وهي نايمة والطفلة في حضنها.
​كان جواه نار ما طفيتش؛ البحث عن “أم الطفلة” الحقيقية كان لسه شغال على قدم وساق، ورجاله قلبوا البلد عليها عشان ياخد حقه منها. وفي نفس الوقت، كان عنده فضول قاتل ناحية نور… البنت اللي مفيش على لسانها غير كلمة “مش فاكرة”، واللي سكنت قصر الجارحي وغيرت هدوءه.
​في ليلة من الليالي، كان القصر هادي جداً.
​ياسين كان راجع متأخر من شغله، وجسمه مجهد وعقله مشغول بالتفكير في القضية وفي الست اللي اختفت. قرر يطلع أوضة بنته يتطمن عليها.
​فتح الباب بالراحة وبص على السرير.
​كانت نور قاعدة على الكنبة جنب السرير، رأسها مائل ونايمة من التعب، والطفلة نايمة في حضنها ومبتسمة.
​ياسين قرب بخطوات بطيئة ومن غير صوت، ووقف قدامها.
​ضوء القمر كان نازل على وشها، مظهر ملامحها الناعمة والدقيقة. لأول مرة، ياسين يركز في تفاصيل وشها بجد… شفايفها، عينيها المقفولة بتعب، وشعرها اللي نازل على كتفها.
​وفجأة…
​صورة ضبابية مرت في عقل ياسين زي البرق!
​صورة ليلة الفندق القديمة.. ليلة السُكر اللي مش فاكر منها غير طيف ست، نفس الملامح الناعمة.. نفس انحناءة الوجه!
​ياسين اتجمد في مكانه، قلبه ضرب بقوة وشدة كأن طبول حربية اشتغلت في صدره. عينيه اتوسعت برعب وذهول، وبص للفتاة النايمة قدامه، وبعدين بص للطفلة اللي في حضنها.
​أنفاسه بقت متقطعة، وعقله بدأ يربط الخيوط في ثواني: الطفلة اللي رفضت كل المرضعات وسكتت في حضن دي بس؟ الورقة اللي اتكتبت؟ حادثة فقدان الذاكرة؟
​نزل ياسين لمستواها بالراحة، وصوته خرج مرعوب ومبحوح وهو بيهزها بشويش:
ـ “نور… اصحي!”
​فتحت عينيها بتعب وشرود، وبصت له باستغراب:
ـ “في حاجة يا ياسين بيه؟ الطفلة جرت لها حاجة؟”
​ياسين مسك دراعها بقوة وعينيه مثبتة في عينيها بنظرة مرعبة:
ـ “أنتي مين؟… قولي لي الحقيقة، أنتي مين?!”
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *