بعد ما دفعت

​الكلمة نزلت على حماتي زي الصاعقة. طول عمرها عايشة تتفشخر، ودلوقتي ضيوفها من ألمانيا بيبصولها بشفقة وزهد.
​وفجأة، الجراسين دخلوا بعربية التورتة. سهير اتنفست الصعداء وقالت في سرها: “الحمد لله، التورتة الـ3 أدوار هتشيل الليلة وتصلح الموقف”.
بس لما جوم يقطعوها، اكتشفوا إنها مش تورتة الشوكولاتة والوايت شوكلت والفاكهة اللي اختارتها… دي تورتة جزر عادية جدًا متغطية بكرامة شوكولاتة شعبية!
​إلهام أخدت شوكة وقالت بتريقة:
— يلا… أهو دي على الأقل تتاكل!
​بعض الضيوف تكتكوا بالضحك، وضحتكهم دي سهير عمرها ما هتنساها طول حياتها.
​موبايلي رن في نفس اللحظة اللي بابا كان بيحط فيها صينية اللحمة المشوية المتبلة على الترابيزة.
شفت اسم سهير.
​رديت بروقان:
— كل سنة وأنتِ طيبة يا طنط سهير!
​من الناحية التانية سمعت صريج وهستيريا:
— أنتِ عملتي إااايه يا مريم؟!!
​وده كله… وكان لسه أحمد هيوصل بيت أهلي في الفيوّم ويكتشف السبب الحقيقي اللي خلاني خلاص مش مستعدة أنقذه هو وأمه تاني!
الجزء الثالث والأخير
​ما كملتش دقيقة بعد صريخ سهير على التليفون وقفلّت السكة في وشها. حطيت الموبايل صامت، وقعدت أكل مع بابا وماما أحلى أكل. كانت ضحكاتنا طالعة من القلب، والهدوء اللي كنت محرومة منه بقالي سنين رجعلي في اللحظة دي.
​على الساعة عشرة بالليل، الباب خبط بقوة.
​فتحت، لقيته أحمد. وشه كان زي القماش المبلول، هدومه مبهدلة، وعينيه فيها كمية غضب وذهول مش طبيعية.
​دخل وهو بينفخ:
— أنتِ إزاي تعملي كده؟ أنتِ فضحتيني وفضحت أمي قدام قرايبنا اللي جايين من سفر! أمي جالها انهيار وعصبية والضغط رفع عليها!
​بابا قام وقف بكل هدوء وقال:
— اتفضل يا أحمد، ادخل الأول ووطي صوتك، إحنا في بيت أصول.
​أحمد بصلهم ومردش السلام حتى، وبصلي بغل:
— بـ34 ألف جنيه بعتِ جوزك وأمه؟ عشان حتة عزومة مش عايزة تحضريها؟
​ابتسمت ببرود وطلعت ورقة من شنطتي وحطيتها على الترابيزة قدامه.
​— دي مش عشان حتة عزومة يا أحمد. دي الورقة اللي كنت مستنية اللحظة المناسبة عشان أطلعها.
​أحمد بص للورقة… كانت عقد كاتباه أمه بخط إيدها من سنتين، لما طلبت مني أستلفلها من كفالتي عشان تجدد عفش شقتها، ومكتوب فيه إنها استلفت مني 80 ألف جنيه وتتعهد بردهم.
​كملت كلامي بثبات:
— بقالي سنتين ساكتة وبقول معلش عشان خاطرك، بقالي سنتين بشتري دماغي وبدفع من تحويشتي وعرقي عشان منظرة أمك الكدابة. تحويشتي اللي كنت هجيب بيها عربية، طيرت نصها عشان تتباهى قدام ناس جاية من ألمانيا. وأنت؟ بدل ما تقف وتقول لأمك “مراتي وأهلها على رأسي”، جيت تقولي “نبقى نطلع لأهلك الفيوّم بنص تورتاية”!
​أحمد اتلعثم ووشه جاب ألوان:
— بس… بس ده موضوع، وحفلة النهاردة موضوع تاني…
​— لأ يا أحمد، الموضوع واحد. أنت معتبرني أنا وأهلي مجرد “بنك” بيمول فشخرتكم، ولما يجي وقت التقدير، بنبقى “فلاحين وأرياف” ماينفعش نقعد على ترابيزة الملوك بتوعكم.
​ماما وقفت وقالت بصوت هادي بس يقطع:
— يا أحمد، إحنا الفلاحين دول اللي بيوتنا مفتوحة للكل، وعمرنا ما قللنا من حد. بس بنت أصول وماينفعش تتهان في بيتك ولا تحت ضلك.
​أحمد بصلي وهو بيحاول يستوعب الكارثة:
— أنتِ عايزة إيه دلوقت يا مريم؟
​— عايزة حقي. الـ80 ألف جنيه بتوع العقد دول يتردوا خلال شهر، وإلا العقد هيروح للمحامي. ورقتك توصلني على بيت أهلي، لأن الشخص اللي يبيع مراتي وأهلها عشان “منظرة فارغة”… ماينفعش أأمنه على بقية حياتي.
​أحمد اتصدم:
— تطلبي الطلاق عشان موقف زي ده؟!
​— عشان موقف كشفلي إنك مالكش كلمة، وأنك مستعد تضحي بكرامتي وكرامة أهلي في أي لحظة.
​خرج أحمد من البيت يجر أذيال الخيبة، وهو عارف إن أمه مش بس اتفضحت قدام قرايبها وعاشت ليلة عمرها ما هتنساها، لأ… دي كمان هتضطر تدفع الدين اللي عليها لما تبيع نص دهبها عشان تغطي الفضيحة.
​بعد شهر واحد، كان كل جنيه رجعلي في حسابي، وورقة طلاقي وصلتلي. واليوم، اشتريت عربيتي الجديدة اللي كنت بحلم بيها، وقضيت أحلى نهاية أسبوع في الفيوّم وسط أهلي… وسط الناس اللي بجد يعرفوا يعني إيه كرامة وأصول.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *