جوزي بقلم رودي خالد

جوزها ساب إيدها وهي معلقة فوق الهاوية وبعد ما وقعت بثواني قالت كلمة خلّته ينهار من الصدمة!
كان يوم عادي جدًا في بدايته
الزوجين قرروا يخرجوا يتمشّوا في منطقة جبلية بعيدة عن الزحمة، مكان مشهور بالمناظر الطبيعية الخلابة والطرق المرتفعة اللي بتطل على نهر ضخم بيجري بين الجبال.
بقالهم تقريبًا ساعة ماشيين على طريق ضيق.
على يمينهم جدار صخري مرتفع، وعلى شمالهم هاوية عميقة جدًا، وفي قاعها نهر صوته كان واضح رغم المسافة.
الهوا كان بارد، وكل شوية نسمة قوية تعدّي عليهم، والسما بدأت تتغطى بسحب رمادية.
لكن الغريب إن الزوجين تقريبًا ماكانوش بيتكلموا.
كان فيه توتر بينهم من فترة.
مشاكل كتير بدأت تظهر في حياتهم، ومعظمها كان بسبب الفلوس والممتلكات.
الزوج كان شايف إن بما إنهم متجوزين، فلازم كل حاجة تبقى تحت سيطرته.
أما زوجته، فكانت شايفة إن لكل واحد حقه، وإن الجواز مش معناه إن حد يتحكم في التاني.
وعلى مدار شهور، حصلت بينهم مشادات كتير بسبب الموضوع ده.
لكن في اليوم ده
قرروا ينسوا الخلافات ويخرجوا يتمشّوا سوا.
أو على الأقل
ده اللي كانت الزوجة فاكراله.
بعد حوالي ساعة من المشي، وقفت الزوجة فجأة.
قدامها كان المنظر ساحر.
النهر تحتهم كان بيلمع مع ضوء النهار، والضباب بيتحرك بين الصخور، والجبال البعيدة كانت شبه لوحة مرسومة.
ابتسمت وقالت
استنى هنا عايزة أصور المنظر.
طلعت موبايلها وبدأت تصور.
وبعدين قربت خطوة من الحافة.
جوزها كان واقف وراها.
ساكت.
بيراقبها.
قالت وهي بتبص في شاشة الموبايل
المنظر تحفة تعالى شوف.
قربت أكتر عشان تدخل الجبال والنهر في الصورة.
وفجأة
رجلها زحلقت!
الحجر الصغير اللي تحت قدمها اتحرك.
جسمها مال ناحية الهاوية.
صرخت، وحاولت تستعيد توازنها، لكن مافيش وقت.
في لحظة واحدة
جوزها اندفع ناحيتها.
ومسك إيدها.
تعلقت فيه بكل قوتها.
نص جسمها كان خارج الحافة.
وتحتها
كان فيه فراغ مخيف.
كانت بتتنفس بسرعة، ودموع الخوف بدأت تنزل من عينيها.
أرجوك ماتسبنيش!
جوزها كان ماسك إيدها.
وفي البداية
كانت فاكرة إنه فعلًا بينقذها.
بصت له وهي بتبكي وقالت
حبيبي إنت أنقذتني.
لكنه ما ردش.
فضل ساكت.
وبدل ما يسحبها لفوق
بدأ يبص حواليه.
بص للطريق.
بص للهاوية.
وبعدين بص لها.
في اللحظة دي، رجعت كل المشاكل اللي بينهم لدماغه.
الخلافات على البيت.
الحسابات البنكية.
الممتلكات.
الأوراق اللي كانت رافضة تمضي عليها.
كل مرة طلب منها تنقل جزء من ممتلكاتها باسمه وكانت ترفض.
كان دايمًا يقول لنفسه
لو كل حاجة بقت باسمي، حياتي هتكون أسهل.
وفجأة
لقى نفسه في موقف محدش ممكن يتخيله.
زوجته معلقة بإيده.
مفيش حد حواليهم.
مفيش كاميرات.
مفيش شهود.
ولو حصلت كارثة
هيبان الموضوع مجرد حادث.
ست زحلقت من فوق جبل وماتت.
بس.
ولا حد هيعرف الحقيقة.
مراته بدأت تحاول تطلع.
ارفعني أرجوك!
كان نفسها بيتقطع.
إيدي مش قادرة أنا مش قادرة أتمسك أكتر!
لكنه ظل ساكت.
قالت وهي بتبص له بخوف
أنا واثقة فيك
الجملة دي بدل ما تحرك قلبه
خلته يتردد للحظة.
لكنه في النهاية
اتخذ قراره.
بدأت أصابعه تفك واحدة وراء التانية من إيدها.
الست بصت له.
في البداية ما فهمتش.
وبعدين عينيها اتسعت.
إنت بتعمل إيه؟
ما ردش.
إنت سايب إيدي؟
حاولت تمسك فيه أكتر.
لكن قبضته بدأت تضعف عمدًا.
أرجوك!
ثم قالت بصوت مليان خوف
أنا مراتك!
لكنه ظل ساكت.
وفي آخر لحظة
وقبل ما إيدها تنفلت تمامًا
بصت له نظرة طويلة.
وبصوت ضعيف جدًا، قالت
أنا حامل
اتجمد مكانه.
كأن الزمن توقف.
حامل؟
الكلمة فضلت تتردد في دماغه.
لكن كان الأوان فات.
إيدها انفلتت.
وسقطت.
جسمها اختفى من قدامه في ثواني.
اندفع ناحية الحافة، ومد إيده كأنه فجأة عايز يرجع الزمن.
لكن ماكانش فيه أي حاجة يقدر يعملها.
وبعد لحظات
سمع صوت ارتطام جسم بالمياه.
رشّة قوية.
وبعدين
صمت.
وقف عند الحافة، مش قادر يتحرك.
وشه شحب.
بدأ يستوعب اللي عمله.
هو ماكانش بس تسبب في موت مراته
كان فيه طفل.
طفله.
طفل كان ممكن يعيش ويكبر ويكون جزء من حياته.
طفل ماعرفش عنه غير بعد ما أصبح كل شيء تقريبًا مستحيل.
مرّت دقايق وهو واقف مكانه.
كان متوقع إنها تكون غرقت.
كان متوقع إن كل شيء انتهى.
لكن فجأة
شاف حاجة تتحرك في النهر.
في البداية افتكر إنه مجرد غصن شجرة.
ركز أكتر.
كانت هي!
زوجته كانت لسه عايشة.
التيار جرفها لمسافة كبيرة، لكنها اصطدمت بمجموعة صخور قريبة من ضفة النهر.
مدت إيدها بكل قوتها
ومسكت في صخرة.
كانت بتصرخ من الألم، وجسمها كله كان بيرتعش.
حاولت تتنفس.
وحاولت تتمسك.
مرة
واتنين
وفي كل مرة كانت إيديها بتتزحلق.
لكنها ما استسلمتش.
فضلت متعلقة بالصخرة وهي بتبكي.
وبعد فترة، سمع أحد المتنزهين صوت استغاثتها.
اتصل بالإنقاذ.
وصل فريق الإنقاذ بسرعة.
نزلوا ناحية النهر، وبعد عملية صعبة قدروا يوصلوا لها.
كانت مصابة ومرهقة، لكنها كانت واعية.
وأول سؤال سألته فرق الإنقاذ كان
مين اللي كان معاكي؟
بصت للجهة اللي فوق.
وشافت جوزها واقف بعيد.
وبصوت ضعيف قالت
جوزي.
وصلت الشرطة للمكان.
في البداية، حاول الزوج يمثل إنه مصدوم.
قال
أنا حاولت أنقذها رجلها زحلقت فجأة!
لكن كلامه ماكانش متماسك.
وبدأت الشرطة تجمع الأدلة.
تم فحص المكان.
واتسجلت أقوال الشهود.
والأهم
إن الزوجة كانت واعية وقادرة تحكي اللي حصل.
قالت لهم بالتفصيل
إنها زحلقت فعلًا في البداية.
وإن جوزها مسك إيدها.
وإنها كانت فاكرة إنه هينقذها.
لكن بعد كده
هو اللي فك إيده عمدًا.
ومع التحقيق، بدأت تظهر مشاكلهم القديمة المتعلقة بالممتلكات والمال.
وبقى واضح إن فيه خلافات كبيرة بينهم قبل الحادث.
الزوج حاول ينكر.
لكن شهادتها، والأدلة الموجودة في المكان، والتفاصيل اللي ظهرت أثناء التحقيق
كلها قلبت روايته ضده.
وفي نفس اليوم
تم القبض عليه.
أما الزوجة
فنُقلت للمستشفى عشان تتلقى العلاج وتخضع للفحوصات اللازمة.
وبعد ما استقرت حالتها، عرفت إن حملها ماكانش مجرد وهم أو خوف في لحظة سقوط.
كانت فعلًا حامل.
والخبر كان صادمًا بالنسبة لها هي كمان.
لأنها كانت لسه بتحاول تستوعب إن الشخص اللي كانت بتعتبره أقرب إنسان ليها
كان مستعد يسيبها تموت.
وكل ده
عشان الفلوس والممتلكات.
أما جوزها، ففضل يواجه الحقيقة الأصعب.
كان فاكر إن التخلص من زوجته هيديله كل اللي عايزه.
لكن في لحظة واحدة
خسر زوجته، وخسر طفله، وخسر حريته.
والأصعب من كل ده
إنه كان يقدر ينقذها.
كان ماسك إيدها بالفعل.
لكن هو بنفسه
اختار يسيبها.
ولولا إنها تمسكت بالصخور في النهر في آخر لحظة
ماكانش حد هيعرف الحقيقة أبدًا.
لكن فيه تفصيلة أخيرة في التحقيق قلبت القضية كلها لأن الشرطة اكتشفت إن الزوج كان مخطط للحادث قبل الرحلة أصلًا.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *