حكايات زهرة 2

عرفت الإجابة من عينيه.
قعدت قدامه وقلت:
ــ كل اللي كان شاغلني الفترة اللي فاتت إني حاسة إن في سر كبير، وإنك بتبعد عني.
قال بسرعة:
ــ عمري ما بعدت عنك بإرادتي.
ــ أمال إيه؟
ــ كنت مكسور.
سكت.
ولأول مرة حسيت إن الراجل اللي قدامي مش جوزي اللي متعودة عليه.
ده كان واحد شايل جبل فوق دماغه.
وبعد لحظات، افتكرت الحاجة اللي كنت جاية أسأل عليها، فقلتله:
ــ طب واللي شوفته من يومين؟
رفع عينه لي.
وقال بهدوء:
ــ واللي شوفتيه من يومين ده موضوع تاني.
استغربت.
ــ يعني إيه؟
تنهد وقال:
ــ في اليوم اللي حصلت فيه المشكلة الكبيرة مع أصحاب المستحقات، حصلت مشادة واتقطعت هدومي واتوسخت، وأنا كنت قريب من بيت مريم. دخلت عندها أغير وأهدى وأكمل الكلام مع الناس اللي كانت بتحاول تساعدني. وأنا مستعجل نسيت الحاجة دي عندها.
سكت شوية، وبعدين قال:
ــ مفيش أي حاجة تانية يا هدى. أنا كنت في أسوأ أيام حياتي، وكل اللي كان في دماغي إني أنقذ الشركة وأبعد عنك المصيبة.
بصيت لمريم.
كانت بتعيط.
وقالت:
ــ والله يا هدى دي الحقيقة.
فضلت ساكتة.
كنت طول الوقت فاكرة إن اللي اكتشفته هيكون نهاية بيتي.
لكن الحقيقة كانت أصعب.
جوزي كان ممكن يدخل السجن، وأنا آخر واحدة عرفت.
قمت من مكاني وقلت:
ــ هنروح.
رامي بصلي:
ــ فين؟
ــ على المحامي.
ــ هدى…
قاطعت كلامه:
ــ مش هسيبك تواجه ده لوحدك.
ــ بس أنا ممكن أدخل السجن.
ــ عارفة.
ــ وممكن الموضوع يطول.
ــ عارفة.
ــ وممكن تخسري سنين من عمرك.
بصيتله وقلت:
ــ دي سنيني أنا، مش سنينك إنت.
مريم مسحت دموعها وقالت:
ــ ربنا يقويكي.
بصلها رامي وقال:
ــ أنا آسف إني حطيتك في النص.
قالتله:
ــ أنا أخت مراتك، ولو كنت أقدر أساعدك في حاجة مش هتأخر.
خرجنا من عند مريم، وأنا طول الطريق ساكتة.
رامي كان فاكر إني هنهار أو أطلب منه يبعدني عن الموضوع.
لكن اللي حصل كان العكس.
بدأنا نتابع القضية خطوة بخطوة.
كل يوم كان فيه ورق جديد.
كل يوم كان فيه محاولة للحل.
وأنا لأول مرة أعرف تفاصيل الشغل اللي كان جوزي بيخبيها عني، وأفهم قد إيه الأزمة كانت أكبر مما كنت متخيلة.
حاول المحامي يلاقي مخرج قانوني، وحاولنا نوصل لاتفاق، لكن بعض الإجراءات كانت اتاخدت بالفعل.
وفي يوم الجلسة، كنت قاعدة جنبه.
إيده كانت باردة.
قلتله:
ــ متخافش.
ابتسم ابتسامة صغيرة:
ــ إنتِ اللي المفروض تخافي.
قلت:
ــ أنا خوفت يوم دخلت شقة مريم.
بصلي.
كملت:
ــ بس مش من اللي كنت متخيلاه.
سألني:
ــ ندمانة إنك عرفتي؟
هزيت راسي.
ــ ندمانة إنك خبيت عليا.
دخلنا الجلسة.
وعدت الدقايق كأنها ساعات.
وبعد فترة قصيرة، صدر الحكم.
رامي اتاخد للحبس.
وأنا حسيت إن الدنيا كلها سكتت.
بصلي وهو بيتحرك بعيد، وقال:
ــ هدى… متستنيش.
دموعي نزلت.
قربت منه قد ما قدرت وقلت:
ــ القرار ده مش قرارك لوحدك.
ــ أنا مش عايز أضيع عمرك.
ــ وإنت مش هتقرر عمري.
ــ هتتعبي.
ــ أتعب وأنا جنبك أحسن ما أعيش طول عمري وأنا عارفة إني سيبتك وقت احتجتني.
اتاخد بعيد عني.
فضلت واقفة مكاني، لحد ما اختفى من قدامي.
رجعت البيت لوحدي.
بس البيت المرة دي كان مختلف.
كل حاجة فيه كانت زي ما هي، لكن أنا اتغيرت.
وبعد أيام، روحت أزوره.
أول ما دخل وقعد قدامي، بصلي فترة طويلة، وكأنه مش مصدق إني جيت.
قال:
ــ إنتِ لسه هنا؟
ابتسمت رغم دموعي.
ــ أيوه.
ــ ليه؟
قلتله:
ــ عشان أنا مراتك.
نزل عينه وقال:
ــ أنا كنت فاكر إني لما أخبي عنك المصيبة هحميكي.
ــ لا.
رفع عينه.
قلت:
ــ إنت لما خبيت عني، خليتني أواجه الصدمة لوحدي. لكن دلوقتي أنا عارفة الحقيقة، وده خلاني أقدر أختار.
سكت.
مد إيده من الناحية التانية، وأنا حطيت إيدي قدامه.
قال بصوت مكسور:
ــ سامحيني.
قلت:
ــ مسامحاك إنك خفت عليا… لكن مش هسامحك تاني لو قررت حاجة تخص حياتي من غيري.
ابتسم وسط دموعه.
وقال:
ــ وعد.
خرجت من الزيارة وأنا عارفة إن الطريق قدامنا طويل.
هو لسه جوه السجن.
والقضية لسه لها إجراءات.
ومفيش نهاية سريعة للحكاية.
لكن كان عندي يقين واحد…
إن أصعب حاجة شفتها في شقة أختي ما كانتش خيانة زي ما عقلي صورلي في البداية.
كانت الحقيقة اللي جوزي خبّاها عني خوفًا عليا.
والحقيقة دي غيرت حياتنا كلها.
ومن يومها، كل ما أفتكر اليوم ده، أقول لنفسي:
أحيانًا الإنسان بيخبي الحقيقة عشان يحمي اللي بيحبه…
لكن الحب الحقيقي مش إنك تشيل المصيبة لوحدك.
الحب الحقيقي إنك تدي للي جنبك حقه يختار…
وأنا اخترت أستنى رامي، وهو لسه جوه السجن.
مش عارفة هياخد قد إيه عشان يرجعلي…
لكن المرة دي، هو عارف إن في حد بره مستنيه.
وأنا عارفة إن مهما طال الطريق…
مش هسيبه يواجهه لوحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *