السجان ل مايا خالد

السجان والطريدة بقلم مايا خالد
الضلمة كانت لسه مالية الممر، والسكوت اللي بيسبق العاصفة مغطي كل حاجة. هو دخل الزنزانة والابتسامة على وشه، شايل لها الأكل اللي طلبته كأنه بيقدم قربان لآلهة. بص لمكانها، ملقاش غير السرير فاضي، والشباك الحديدي اللي كان فاكر إنه مستحيل يتكسر، مخلوع من مكانه بهدوء مرعب.
على السرير، لقى ورقة صغيرة مكتوب فيها جملة واحدة بس: “شكراً إنك خليت المهمة سهلة، كنت أحسن وسيلة مواصلات جربتها في حياتي.”
في اللحظة دي، ملامحه اتغيرت تماماً. الضعف اللي كان بيحس بيه قدام عينيها اتحول لبرود تلج. قعد على طرف السرير، مسك الورقة وطبقها ببطء شديد وهو بيضحك ضحكة مكتومة، ضحكة واحد لسه مكتشف إنه كان بيلاعب أستاذة في النصب.
قام وقف، قلع لبس الحارس اللي كان خانقه، وبص لنفسه في المراية المكسورة. مكنش فيه غضب، كان فيه تركيز غريب. طلع تليفونه، وطلب رقم مكلموش من سنين، وقال بلهجة مفيهاش ذرة رحمة: “جهزوها.. الرحلة بدأت. هي فاكرة إنها خرجت للحرية، بس الحقيقة إنها وسعت مساحة الزنزانة مش أكتر.”
في اللحظة دي، الحارس مات، والصياد اتولد. وبقت هي مش مجرد هاربة، دي بقت “الجائزة” اللي هيقضي حياته كلها عشان يرجعها، بس المرة دي، مش هيحطها في سجن، هيخليها تتمنى لو كانت فضلت ورا الحديد.طلعت تجري في الشوارع الجانبية، النفس طالع نازل بصعوبة بس الفرحة كانت مسيطرة عليها. لأول مرة من شهور تشم روائح مش مختلط بريحة الحيطان الرطبة. كانت واثقة إنها زرعت جواه كمية حب وذنب تخليه يقعد أيام يعيط على أطلالها، أو على الأقل يتردد قبل ما يبلغ عنها. كانت فاكرة إنها كسرته.
بس هي مكنتش تعرف إن الشخص اللي “صنعت منه” حبيب، كان أصلاً “قاتل” متخفي في لبس موظف حكومي.
بليل، كانت قاعدة في شقة قديمة مأجراها باسم مستعار، مجهزة شنطتها عشان تهرب برا البلد الصبح. فجأة، سمعت صوت “تكة” خفيفة في قفل الباب. مش خلع، ولا كسر.. ده صوت مفتاح أصلي.
قلبها وقع في رجليها. الباب اتفتح بهدوء، ودخل هو. مكنش لابس لبس الحراسة، كان لابس بدلة سودة شيك جداً، وريحته “برفيوم” غالي، ملامحه كانت هادية لدرجة تخوف. قعد على الكرسي اللي قدامها بكل برود، وطلع سيجار ولعه، وبص لها وابتسم:
“اتأخرتي في لم الشنطة ليه؟ أنا قلت هلاقيكي عند الحدود دلوقتي.”
هي حاولت ترجع لورا، صوتها كان بيترعش: “أنت عرفت مكاني إزاي؟”
نفخ دخان السيجار لفوق وقال لها: “يا حبيبتي، أنا اللي كنت بختار لك الأماكن اللي “تكتشفي” إن فيها ثغرات للهروب. أنا اللي سبت لك المفتاح في جيب الجاكيت وأنا عامل نفسي نايم. كنت عايز أشوف ذكاءك هيوصلك لفين.. ووصلك ليا.”
قرب منها وهمس في ودنها: “اللعبة اللي كنتي بتلعبيها، أنا اللي مألفها. بس الفرق إنك كنتي بتلعبي عشان تهربي، وأنا كنت بلعب عشان أتأكد إنك لما تخرجي، متلاقيش حد في الدنيا دي كلها يلمك غيري.”
طلعت من جيبها مطوة صغيرة كانت مخبياها، بس هو مسك إيدها في ثانية، وضغط عليها لدرجة إنها سمعت صوت عضمها، وقال لها بصوت واطي ومرعب:
“دلوقتي بقى، الصياد رجع.. والطريدة شكلها تعب من الجري. تحبي نبدأ رحلة الرجوع بالرضا، ولا أخليكي تشوفي الوش اللي كنت مخبيه ورا باب الزنزانة؟”
بصت في عينيه، والثبات اللي كان فيها بدأ يتهز لأول مرة. المطوة وقعت من إيدها على الأرض، وصوت رنتها في السكوت كان زي صوت إعلان الهزيمة. بس فجأة، ضحكت. ضحكة غريبة، عالية، ومستفزة، خلت إيده اللي ضاغطة على معصمها تترخى من الدهشة.
قربت وشها من وشه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وقالت ببرود مرعب: “أنت فاكر إنك لما تطلع “الماستر مايندر” وتفهمني إنك كنت سايبني أهرب، كدة كسرتني؟ يا مسكين.. أنا كنت عارفة إنك مراقبني، وعارفة إن المفتاح كان محطوط قصد، وعارفة إن البدلة الشيك دي كانت مستنية في دولابك من سنين.”
ملامحه اتصلبت، والابتسامة اللي كانت على وشه اختفت. كملت هي بلهجة واثقة: “أنا مكنتش بهرب منك يا “سيادة الصياد”، أنا كنت بسحبك لمكاني.. بعيد عن الكاميرات، وبعيد عن السجن اللي بيحميك قبل ما بيحبسني. هناك كنت أنت الحارس بقوة القانون، لكن هنا.. إحنا اتنين مجرمين قصاد بعض، واللعب على المكشوف.”
في اللحظة دي، النور قطع في الشقة كلها.
هو اتحرك بسرعة كأنه وحش في الضلمة، بس لقى الكرسي فاضي. سمع صوتها من وراه، من زاوية تانية خالص: “البرفيوم الغالي بتاعك ده هو اللي هيقتلك، ريحتك بتسبق خطوتك بمترين.”
فجأة، حس بحاجة باردة وسخنة في نفس الوقت بتخترق جنبه. صرخة مكتومة طلعت منه وهو بيسند على الحيطة. هي كانت مجهزة “فخ” تاني خالص، مطوة تانية مكنتش ظاهرة، وخطوة كانت حاسباها بالمللي.
وقفت وراه وهمست في ودنه وهو بينزف: “أنا مش طريدة يا حبيبي، أنا الطعم. والفرق بيني وبينك، إنك حبيت القوة اللي بتحسك بيها وأنا محبوسة، لكن أنا حبيت الضعف اللي شفته في عينيك وأنت فاكر إنك ملكتني. ودلوقتي.. مين فينا اللي محتاج حارس؟”
سحب تليفونه عشان يطلب مساعدة، بس هي كانت أسرع، خدت التليفون ورمته من الشباك. بصت له للمرة الأخيرة وقالت: “المرة الجاية لما تحب تلعب دور الصياد، اتأكد الأول إنك مش داخل غابة صاحبتها هي اللي زرعت شجرها.”
سابت الشقة والباب مفتوح، وهو واقع على الأرض بيحاول يوقف النزيف، والمرة دي، هي مسبتلوش ورقة.. سبتله حياته عشان يعيش وهو عارف إن “الضحية” كانت هي اللي ماسكة خيوط العرايس من أول يوم.
وهو واقع على الأرض، بيحاول يسد الجرح بإيده، كان سامع صوت خطوات “الكعب” بتاعها وهي بتبعد بانتظام مستفز على السلم. مكنش فيه في عينه ندم، كان فيه “جنون” بيلمع. طلع من جيبه جهاز صغير جداً، ضغط على زرار فيه، وفجأة صوت خطواتها وقف.
على السلم، هي حست بكهرباء شديدة ضربت في رقبتها، جسمها كله اتخشب ووقعت مكانها. افتكرت “السلسلة” اللي كان هداها لها في السجن وقالت إنها “تميمة حظ”. مكنتش تعرف إن فيها شريحة صدمات بتتحكم فيها عن بعد.
دخلت في نوبة تشنج بسيطة، ولما بدأت تفتح عينيها، لقت رجلين قصادها. رفعت راسها بالعافية، لقت الحارس واقف، ساند على الحيطة بيد، واليد تانية ماسك فيها الجهاز، وشغال بيمسح الدم اللي على جنبه بمنديل أبيض ببرود شديد.
نزل لمستواها، وشدها من شعرها براحة وهو بيبتسم: “عجبتني الحتة بتاعة البرفيوم والضلمة، بجد برافو. بس نسيتي أهم قاعدة في الصيد.. الصياد الشاطر دايماً بيبقى مأمن نفسه بـ (خطة ج)، عشان عارف إن الطريدة ممكن تعض لو اتزنقت.”
شالها بين إيديه وهي مش قادرة تتحرك، ورجع بيها جوه الشقة. رماها على الكنبة، وطلع “كلبشات” حقيقية، وربط إيدها في رجل الترابيزة التقيلة.
قعد قدامها، وبدأ يخيط جرحه بنفسه ومن غير بنج، وعينيه مش مفارقة عينيها. “أنا مش هوديكي السجن تاني، السجن ده للي بيغلطوا في حق الدولة.. لكن أنتي غلطتي في حقي أنا. وعقابي أنا طويل، ملوش قضبان، بس ملوش نهاية.”
هي بصت له والدموع في عينيها لأول مرة، بس مكنتش دموع خوف، كانت دموع “غل”. قالت له بصوت مبحوح: “اقتلني يا (عمر).. عشان لو قمت، مش هكتفي بجرح في جنبك، هنهي الحكاية بجد.”
ضحك بصوت عالي، ومسح وشها بيده اللي عليها آثار دمه وقال لها: “تؤتؤ.. الموت راحة، وأنا مش عايزك ترتاحي. أنا عايزك تشوفي (عمر) التاني، اللي أنتي اللي صنعتيه بذكاءك. أنتي مكنتيش بتهربي من السجن يا (ليلى).. أنتي كنتي بتنقلي السجن معاكي في كل حتة.”
قام وقف، قفل الباب بالمفتاح، ورمى المفتاح من الشباك. “دلوقتي إحنا الاتنين محبوسين هنا.. لا أنا هخرج أتعالج، ولا أنتي هتخرجي تهربي. اللي هيعيش فينا للصبح، هو اللي هيكسب الجولة دي.”
السكوت اللي ملى الشقة كان أتقل من الضلمة نفسها. (عمر) كان وشه بيبدأ يصفر من كتر النزيف، بس عينيه كانت لسه صاحية، متبتة فيها وهي مربوطة، كأنه بيشحن طاقته من نظرة الانكسار اللي فاكر إنه شافها في عينيها.
هي كانت ساكتة تماماً، مستسلمة لوضعها وهي مربوطة في رجل الترابيزة. قعدت تراقب حركاته البطيئة وهو بيحاول يربط الجرح بقميصه، لحد ما همست بصوت هادي لدرجة إنه مريب: “عارف يا عمر.. المشكلة مش إنك صياد، المشكلة إنك مصدق إنك الوحيد اللي بيلعب.”
عمر ضحك بتعب وهو بيسند راسه على الكنبة: “وفري طاقتك يا ليلى، الجهاز اللي في رقبتك ده فيه شحنة تانية، لو فكرتي بس ترفعي إيدك، هخليكي تشوفي النور اللي مش هيطفي.”
ليلى مالت براسها وابتسمت ابتسامة خفيفة: “والجهاز ده شغال بايه؟ مش بالبلوتوث ومرتبط بتليفونك؟”
عمر كشر وبص لمكان التليفون اللي هي رمته من الشباك قبل شوية، وقال بثقة: “التليفون بعيد، بس الريموت في إيدي.”
ليلى ضحكت بجد المرة دي: “الريموت اللي في إيدك ده.. أنا اللي ركبتهولك.”
عمر اتنفض مكانه بس الجرح وجعه فصرخ: “بتقولي إيه؟”
ليلى بصت له بكل برود وقالت: “فاكر الأسبوع اللي فات لما قلت لك إني خايفة من الضلمة وخليتك تنام جنبي؟ فاكر لما طلبت منك تصلح لي “السلسلة” عشان كانت مقطوعة؟ أنا مكنتش بصلحها يا عمر.. أنا كنت ببدل التردد بتاعها. الريموت اللي في إيدك ده دلوقتي ملوش لازمة، لأن السلسلة مربوطة بجهاز تاني خالص.”
في اللحظة دي، سمعوا صوت “تزييق” خشب تحت رجليهم.
عمر بص حواليه بذعر، لقى ليلى بتسحب إيدها من الكلبشات “بسهولة”. كانت داهنة إيدها بمادة زيتية كانت مخبياها في كمها، الكلبش اتزحلق من إيدها كأنها مكنتش مربوطة أصلاً.
وقفت ليلى بكل طولها، وبدأت تفك السلسلة من رقبتها وترميها له على الأرض: “السلسلة دي كانت بتبعت إشارتك أنت، مش إشاراتي أنا. طول ما أنا لابساها، أصحابي برا عارفين إحنا فين بالظبط من “جي بي إس” الجهاز اللي أنت فاكر إنك بتراقبني بيه.”
الباب خبط خبطتين ورا بعض.. دي كانت “الإشارة”.
ليلى قربت من عمر اللي كان خلاص بيفقد الوعي من النزيف والصدمة، وطت عليه وهمست له: “أنا مكنتش بستخدم مشاعرك عشان أهرب من السجن بس، أنا كنت بستخدمك عشان أوصل للمكان اللي أنت مخبي فيه ملفات قضيتي.. الشقة دي. أنت اللي جبتني لآخر حتة كنت محتاجاها عشان أمحي تاريخي وأبدأ من جديد.”
الباب اتفتح، ودخل شخصين ملثمين. ليلى بصت لعمر وقالت له وهي خارجة: “أنا مش هسيبك تموت، أنا طلبت لك الإسعاف قبل ما أدخل الشقة أصلاً.. بس لما يفوقوك، قولهم إن الحارس وقع في شر أعماله، والصياد دخل المصيدة برجليه.”
وهي ماشية، لفت وشها له وقالت جملتها الأخيرة: “على فكرة.. البرفيوم بتاعك فعلاً كان حلو، بس خسارة فيك.”
ليلى خرجت من الشقة، والملثمين اللي معاها كانوا شايلين شنطة سوداء فيها كل الأوراق والملفات اللي كانت محبوسة عشانها. الدنيا كانت شتا، والمطر بدأ ينزل يغسل الشوارع، كأنه بيمسح آثار اللعبة دي من الوجود.
ركبت العربية، وبصت من الشباك على الشقة اللي كانت منورة بنور ضعيف. كانت متوقعة تحس بانتصار، بس حست بـ “فراغ”. هي كسبت الجولة، بس عمر لسه عايش.. وعمر لما بيفوق، مبيسامحش.
بعد أسبوعين، ليلى كانت في بلد تانية خالص، قاعدة على البحر، بملامح متغيرة تماماً، واسم جديد، وحياة جديدة. فتحت اللابتوب بتاعها عشان تتابع أخبار القضية، لقت إيميل مبعوث لها من عنوان مجهول.
فتحت الإيميل، مكنش فيه غير فيديو.
داس شغل، لقت الكاميرا متوجهة لزنزانة عمر القديمة، اللي هي كانت محبوسة فيها. الزنزانة كانت فاضية، بس فيه حاجة مرسومة على الحيطة بالدم.. نفس الرسمة اللي هي كانت بترسمها وهي محبوسة عشان تسلي وقتها.
فجأة، ظهر صوت عمر في الفيديو، مكنش صوت تعبان ولا بيموت، كان صوت هادي جداً وواثق:
“عارفة يا ليلى.. الخطأ الوحيد اللي وقعتي فيه، إنك افتكرتي إن الشقة دي هي مخزني الوحيد. أنا حارس سجن يا حبيبتي، وعارف إن المساجين دايماً بيفكروا في “الخطة البديلة”. عشان كدة، الملفات اللي خدتيها.. أنا اللي كاتبها بإيدي، مية في المية تزوير، يعني لو حاولتي تستخدميها، إنتي اللي هتسلمي نفسك بنفسك.”
ليلى قلبها بدأ يدق بسرعة، كمل عمر وهو بيضحك:
“أنا دلوقتي برا، والإسعاف اللي طلبتيها لي كانت كرم منك، بس خلتني أخرج من غير ما حد يسألني كنت فين. أنا مش وراكي يا ليلى.. أنا جنبك. بصي وراكي.”
مايا خالد حصري قصص الحياة
ليلى اتنفضت من مكانها ولفّت، ملقيتش حد. بس لقت “سلسلة” تانية خالص محطوطة على التربيزة اللي وراها، ومعاها وردة دبلانة.
في اللحظة دي أدركت ليلى إنها مخرجتش من السجن.. السجن بس كبر وبقى مساحته “قارة”. هو سابها تهرب عشان يخليها تعيش في وهم الحرية، وهو بيتفرج عليها من بعيد، مستني اللحظة اللي تفتكر فيها إنها بطلت تبقى طريدة.. عشان ينقض عليها.
ليلى مسكت السلسلة وقطعتها، وبصت للسما وقالت لنفسها: “أهلاً بيك في لعبتي الجديدة يا عمر.. لو كنت فاكر إنك الصياد، فـ أنا اللي هخليك تدور على نفسك في الضباب.”
ليلى مكنتش خايفة، كانت “مستمتعة”. الوردة الدبلانة والسلسلة كانوا بالنسبة لها كارت دعوة لفصل جديد من اللعب. هي عارفة إن عمر مش هيقتلها، عمر عايز يمتلك “عقلها” قبل جسمها، وده كان نقطة ضعفه اللي هي هتدخل منها تاني.
قعدت مكانها بكل برود، مسكت الوردة الدبلانة وشميتها، وبصت للكاميرا اللي كانت متخفية في ركن الكافيه اللي هي قاعدة فيه، وقالت بصوت واطي كأنها بتهمس في ودنه: “لعبة حلوة يا عمر.. بس السلسلة المرة دي ذوقها قديم شوية.”
قامت مشيت، بس المرة دي مراحتش تخبي نفسها. راحت لأكتر مكان عمر ممكن يتوقعه.. راحت لمبنى “التحقيقات المركزية” اللي عمر كان تابع ليه.
دخلت بهيبتها، وبمنتهى الثبات طلبت مقابلة رئيس الجهاز. لما دخلت المكتب، حطت الشنطة السوداء اللي فيها الملفات “المزورة” على المكتب وقالت:
“أنا ليلى.. الهاربة اللي عمر كان بيحرسها. والملفات دي هي اللي عمر كان بيبتزني بيها عشان يهربني ويشغلني معاه في تجارة السلاح اللي بيديرها من ورا ضهركم.”
عمر كان بيراقبها من خلال كاميرا تليفونه، ووشه قلب ألوان. هو كان فاكر إنها هتخاف من التزوير، مكنش يتخيل إنها “هتحرق” نفسها وتدخل عش الدبابير برجلها عشان تجره معاها.
ليلى كملت كلامها للظابط: “عمر دلوقتي برا، ومعاه ملفات حقيقية بيدين ناس كبار، وهو اللي هددني لو مسمعتش كلامه هيقتلني. أنا بسلمهالكم وبسلم نفسي.. أنا ميهمنيش السجن، أنا يهمني إن “الوحش” اللي إنتو مربيينه يقع.”
في اللحظة دي، تليفون الظابط رن. كان عمر.
الظابط فتح السبيكر، وجاء صوت عمر وهو بيغلي: “ليلى بتكذب! الملفات دي هي اللي سرقتها..”
ليلى قطعت كلامه بضحكة رقيقة: “يا عمر.. أنت نسيت إني سجلت مكالمتنا في الشقة؟ نسيت إنك قلت لي بلسانك (أنا اللي مألف اللعبة دي)؟”
طبعاً مكنش فيه تسجيل، بس ليلى كانت بتلعب بـ “أعصاب” الصياد. عمر فقد ثباته للحظة، وبدأ يتكلم بعصبية، وده كان كفاية جداً للظابط إنه يشك في “حارس السجن المثالي”.
ليلى بصت للكاميرا اللي في سقف المكتب وهي عارفة إن عمر شايفها، وغمزت بعينها:
“الفرق بيني وبينك يا عمر، إنك كنت عايز تحبسني في زنزانة.. لكن أنا حبستك في (سيستم) الدولة كله. دلوقتي، لا أنت عارف تهرب، ولا عارف ترجع حارس. أنت بقيت (مطلوب) زيي بالظبط.”
ليلى اتقبض عليها فعلاً، وهي بتتحط في الكلبشات ورايحة للزنزانة، كانت ماشية كأنها ملكة رايحة لعرشها. هي عارفة إن عمر برا دلوقتي مطارد، ومطرود، ومكسور الجناح.
عمر كان واقف بعيد، في ضلمة شارع جانبي قدام مبنى التحقيقات، شايف العربية اللي فيها ليلى وهي بتتحرك. غضبه مكنش غضب واحد اتخدع، كان جنون واحد اتحرق بيت أحلامه قدام عينيه. ليلى محبستوش في السيستم بس، دي دمرت “الهوية” اللي كان بيستخبى وراها.
دلوقتي، اللعب بقواعد القانون انتهى.
جوه الزنزانة، ليلى كانت قاعدة مربعة رجليها، سانده راسها على الحيطة وغمضت عينيها بابتسامة نصر. هي عارفة إن السجن “أمان” ليها من عمر في الوقت الحالي. بس وهي بتدندن أغنية هادية، سمعت صوت “خبط” منتظم على مواسير المياه في الحيطة.
تك.. تك تك.. تك.
دي كانت “شفرة” هما الاتنين بس اللي يعرفوها، كان عمر بيعلمها لها في السجن عشان يتواصلوا من غير ما حد يحس.
فتحت عينيها بذهول. الصوت جاي من ورا الحيطة. عمر مكنش برا.. عمر كان “جوه”.
عمر مكنش مطارد بيجري، عمر استخدم علاقاته القديمة، والمداخل السرية اللي ميعرفهاش غيره، ودخل المبنى بصفة تانية خالص.
فجأة، الشباك الحديدي الصغير اللي في باب الزنزانة اتفتح، وظهرت عينين عمر. مكنش فيها غضب، كان فيها “هدوء مرعب”.
رمى لها ورقة صغيرة من الشباك، ومشي من غير ما ينطق ولا كلمة.
ليلى فتحت الورقة وهي إيدها بتترعش لأول مرة. كان مكتوب فيها:
“انتي دخلتي السجن عشان تستخبي مني؟ نسيتي إن ده بيتي؟ انتي هنا مش “نزيلة”.. انتي هنا (أمانة) في عهدتي. الظباط اللي برا فاكرين إنهم قبضوا عليكي، بس الحقيقة إنهم جابوكي لحد عندي عشان أقدر “أربيكي” من غير ما حد يزعجنا.”
في اللحظة دي، النور اللي في الممر كله اطفى، وسمعت صوت مفاتيح بتتحرك في قفل باب زنزانتها.
الباب اتفتح ببطء، وعمر دخل، وقفل الباب وراه بالمفتاح. قعد على الكرسي الوحيد في الزنزانة، وولع قداحة صغيرة نورت وشه بوهج أحمر.
”ليلى.. إحنا دلوقتي في المكان اللي بدأت فيه الحكاية. بس المرة دي، مفيش كاميرات، مفيش ملفات، ومفيش هروب. أنا لغيت اسمك من كشوفات السجن النهاردة الصبح.. بالنسبة للعالم، إنتي هربتي تاني وانتي في الطريق. وبالنسبة ليا.. إنتي لسه في أول يوم حبس.”
قرب منها والولاعة في إيده، وبص في عينيها وقال بصدق يخوف:
“انتي ذكية جداً لدرجة إنك خلتيني أحبك وأنا “حارس”، ودلوقتي هحبك وأنا “سجين” معاكي. السجن مش حيطان يا ليلى.. السجن هو إنك تبقي معايا في نفس الأوضة، وانتي عارفة إن مفيش حد في الكون ده يعرف إنك هنا.”
ليلى بلعت ريقها، وبدأت تحس إن “اللعبة” وسعت منها لدرجة إنها بقت هي “الرهينة” في زنزانة ملهاش باب في السجلات.
ليلى رجعت ضهرها لورا وسندت على الحيطة ببرود يحسد عليه، رغم إن قلبها كان بيدق زي طبول الحرب. بصت للولاعة اللي في إيد عمر وقالت بضحكة خافتة: “تصدق يا عمر؟ دي أول مرة أهنيك على حركة ذكية.. شلت اسمي من الكشوفات؟ يعني لو قتلتني دلوقتي، مفيش جثة، ومفيش جريمة، ومفيش “ليلى” أصلاً.”
عمر قرب الوهج من وشها وقال: “ومفيش خروج.. أنتي دلوقتي شبح، والأشباح بتفضل محبوسة في الأماكن اللي ماتت فيها.”
ليلى مدت إيدها ببطء شديد، ولمست إيد عمر اللي ماسكة الولاعة، وقربت وشها منه وقالت بصوت ناعم زي الحرير: “بس أنت نسيت حاجة واحدة بس يا عمر.. أنت قفلت الباب علينا إحنا (الاتنين). يعني لو أنا شبح، فأنت الحانوتي اللي حبس نفسه جوه التربة مع الجثة.”
عمر كشر وسألها: “قصدك إيه؟”
ليلى ضحكت وقالت: “قصدك إني مكنتش بلعب لوحدي برا.. فاكر الملثمين اللي دخلوا الشقة؟ دول مش مجرد “صحاب”، دول رجالة (سليم) المنشاوي.. فاكره؟ المنافس بتاعك اللي أنت سرقت منه شحنة السلاح السنة اللي فاتت.”
عمر ملامحه اتغيرت، والولاعة اتهزت في إيده. ليلى كملت بنبرة انتصار: “سليم عارف إنك هنا.. وعارف إنك شلت اسمي. أنا اتفقت معاه، لو مخرجتش من المبنى ده خلال ساعة، “التسجيل الحقيقي” اللي بيثبت إنك بعت شحنة السلاح لحسابه الشخصي هيوصل لمكتب الوزير. يعني أنت دلوقتي مش بس سجان، أنت بقيت (كارت محروق) لسليم، و(خاين) للجهاز بتاعك.”
عمر مسكها من رقبتها بغضب: “بتكدبي! سليم ميعرفش مكاني.”
في اللحظة دي، صوت “سرينة” إنذار الحريق ضربت في السجن كله. ليلى بصت له وعينيها بتلمع: “دي مش سرينة حريق يا عمر.. ده سليم بيقول لك إنه واقف برا ومستني (الأمانة) بتاعته تخرج. سليم ميهتمش بيا، بس يهتم بالملفات اللي معايا واللي هتوديك أنت وكل اللي بيحموoffset ورا الشمس.”
عمر كان قدامه خيارين: يا يقتلها دلوقتي ويضيع مستقبله وحياته للأبد، يا يفتح الباب ويهرب معاها ويبقى تحت رحمتها ورحمة سليم.
عمر زقها بعيد عنه وهو بينهج، وبص للباب اللي بدأ الدخان يدخل من تحته (دخان قنابل غاز مش حريق). ليلى وقفت، نفضت هدومها، ومدت إيدها له وقالت:
“يلا يا سجان.. الوقت بيخلص. يا نخرج سوا ونبدأ “لعبة تلاتية” أنا وأنت وسليم، يا تفضل هنا وتستنى القوات اللي جاية تقبض على (الحارس الخاين) اللي حبس نفسه مع سجينة “هربانة” في السجلات.”
عمر بص للمفتاح اللي في جيبه، وبص لعينيها اللي مفيهاش ذرة خوف. أدرك في اللحظة دي إن ليلى مش مجرد مرحلة في لعبته.. ليلى هي “اللعبة” نفسها، وهو مجرد حجر شطرنج هي بتحركه يمين وشمال عشان توصل للمات.
فتح الباب، وبص لها بكسرة ممزوجة بإعجاب مظلم وقال: “يوم ما هقتلك يا ليلى.. مش هسيب لنفسي فرصة أندم.”
ليلى مشيت قدامه في الممر المليان دخان وقالت له وهي بتضحك: “لما يجي اليوم ده.. ابقى البس البرفيوم الغالي بتاعك، عشان عايزة أموت وريحتي حلوة.”
نزلوا هما الاتنين في الممرات الجانبية للسجن، الدخان كان بيزيد وصوت السرينة بيصم الودان. عمر كان ماشي وراها، إيده على طبنجته، وعينيه بتلف في كل زاوية كأنه ذئب محاصر. ليلى كانت ماشية بخطوات واثقة، كأنها هي اللي صممت المبنى ده مش مجرد سجينة فيه.
وصلوا لباب الطوارئ اللي بيفتح على الجراج الخلفي. عمر وقف فجأة، مسك ليلى من دراعها ولفها ليه: “لو طلع سليم مش بره، أو لو طلعتي بتشتري وقت.. هفرغ المسدس ده في دماغك قبل ما أول عسكري يوصل لنا.”
ليلى بصت له ببرود وفتحت الباب.
الجراج كان فاضي.. وسكون مرعب. مفيش عربيات سليم، مفيش ملثمين، مفيش أي حد.
عمر ضحك ضحكة صفرا وهو بيرفع سلاحه على راسها: “أهو ده اللي كنت مستنيه.. الكدب آخره متر يا ليلى. فين سليم؟ فين الرجالة؟”
ليلى فضلت واقفة مكانها، متهزتش. بصت في ساعتها وقالت بهدوء: “سليم مش جاي يا عمر.. سليم أصلاً مات من سنتين في حادثة أنت اللي مرتبها، فاكر؟”
عمر برقت عينيه بذهول: “أومال مين اللي…”
”اللي بره دول مش رجالته،” قطعت كلامه وهي بتشاور على عربية سودة مفيئة بدأت تظهر من بعيد وكشافاتها بتعمي العين. “دي قوات التدخل السريع اللي أنا بلغتهم من تليفونك قبل ما أرميه من الشباك في الشقة. أنا مبرمجتش التليفون يبعت لوكاشن لصحاب سليم.. أنا برمجته يبعت بلاغ (اختطاف ضابط وتواجد إرهابي) لمقر العمليات، والرسالة متبعتتش غير لما النور قطع في السجن، بتوقيت أنا اللي ضبطته.”
عمر اتصدم، إيده بدأت ترتعش بالسلاح: “أنتي سلمتينا إحنا الاتنين؟”
ليلى قربت من فوهة المسدس لحد ما لمست جبهتها وقالت بشراسة: “أنا سلمتك أنت. أنا مسكتك متلبس في زنزانة ملهاش سجل، ومعاك سلاح ميري، وبتحاول تهرب “سجينة” ميتة في الورق. أنا الضحية اللي كنت بتحاول تخفي جثتها يا عمر. وبما إن مفيش حد بره يعرف إن اسمي اتشال من الكشوفات غيرك.. فشهادتك ملهاش قيمة.”
صوت العربيات والكلاب البوليسية بدأ يقرب جداً. ليلى همست له: “أرمي السلاح يا عمر.. وأمثل إنك كنت بتنقذني من (عصابة) وهمية، أو اقتلني وواجه (الإعدام) بتهمة قتل ضحية وقتل القوات اللي جاية. اختار.. بس بسرعة.”
عمر بص حواليه، لقى نفسه في الفخ الأخير. ليلى مكنتش عايزة تهرب منه، ليلى كانت عايزة “تمحيه” بالمنظومة اللي هو كان بيعتز بيها.
رمى السلاح على الأرض وبص لها بنظرة فيها غل مخلط بذهول: “انتي شيطانة.. أنتي مكنتيش عايزة الحرية، أنتي كنتي عايزة تكسري عيني.”
ليلى لمست وشه بظوافرها بخفة وقالت له قبل ما القوات تقتحم المكان: “الحرية ملهاش طعم لوحدي يا عمر.. كان لازم أشوفك وأنت بتلبس الكلبش اللي لبستهولي.”
في لحظة الاقتحام، ليلى وقعت على الأرض وبدأت تصرخ وتعيط بتمثيل متقن: “الحقوني! كان عايز يقتلني! الحارس ده مجنون!”
العساكر هجموا على عمر، اللي وقف مستسلم تماماً، بيبص لليلى وهي بتترمي في حضن ضابط وبتمثل الانهيار، وهي من ورا ضهر الضابط، فتحت عين واحدة وبصت لعمر وابتسمت ابتسامة النصر الأخيرة.
عمر كان بيتشد من العساكر، الكلبشات بتعض في إيده، وعينيه منزلتش من على ليلى. مكنش بيقاوم، كان بيتفرج عليها وهي بتمثل دور “الضحية المنهارة” ببراعة تخلي أي حد يصدقها. الضباط كانوا بيتعاملوا معاه كأنه خاين، مجرم استغل وظيفته عشان يخطف سجينة.
ليلى وهي راكبة عربية الإسعاف، متغطية ببطانية وبترتعش “تمثيلاً”، لمحت عمر وهو بيترمى في بوكس الترحيلات. وقبل ما الباب يتقفل عليه، عمر صرخ بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين: “ليلى! مبروك عليكي الدور.. بس نسيتي إن الممثل الشاطر هو اللي بيعرف ينهي المسرحية قبل ما المسرح يقع عليه!”
ليلى محطتش الجملة في بالها، اعتبرتها مجرد تهديد من واحد خسر كل حاجة.
بعد شهر..
ليلى خرجت براءة، واتعوضت عن “فترة اختطافها”، وبقت بطلة في نظر الصحافة. كانت قاعدة في فيلا جديدة على أطراف المدينة، بتشرب قهوتها وبتبص على صور عمر في الجرائد وهو لابس البدلة الزرقاء ومنتظر المحاكمة.
فجأة، جرس الباب رن.
فتحت، ملقيتش حد، بس لقت طرد صغير ملفوف بورق هدايا شيك.
خدت الطرد ودخلت، فتحته بفضول.. لقت جواه “ريموت” صغير، وجنبه ورقة مكتوب فيها بخط عمر:
“فاكرة لما قلتي إن السلسلة اللي في رقبتك أنا اللي كنت بتحكم فيها؟ أنتي كنتي صح.. بس نسيتي تسألي نفسك: أنا كنت بتحكم في إيه تاني؟”
ليلى قلبها انقبض، بصت حواليها في الفيلا اللي الحكومة هي اللي خصصتها لها كـ “مكان آمن”. بدأت تسمع صوت “تكة” خفيفة جاية من الحيطان.. نفس الصوت اللي كانت بتسمعه في الزنزانة.
ضغطت على الزرار اللي في الريموت من غير ما تفكر، فظهر صوت عمر مسجل من سبيكرات الفيلا المخفية:
“ليلى.. الفيلا دي مش مكافأة ليكي. الفيلا دي هي (زنزانتي الكبيرة) اللي صممتها ليكي من سنين، قبل ما تدخلي السجن أصلاً. أنا كنت عارف إنك هتوصلي لهنا.. لأنك دايماً بتختاري الطريق اللي أنا بفرشهولك بالورد.”
فجأة، الأبواب الحديدية الخارجية قفلت آلياً، والشبابيك اتغطت بصفائح صلب. ليلى جرت على الباب، لقت الجهاز الإلكتروني معطل.
صوت عمر كمل ببرود:
“أنا دلوقتي في السجن، مكاني آمن، وعندي “أليبي” (حجة غياب) قوية قدام العالم كله. لكن أنتي.. أنتي دلوقتي في بيت ملوش وجود في السجلات، متراقب بالكاميرات في كل شبر، ومعاكي أكل يكفيكي سنة.. بس مفيش مفتاح.”
ليلى صرخت وهي بتضرب الباب: “عمر! افتح الباب! أنت مجنون!”
جاء صوت ضحكة عمر من السبيكر:
“أنتي قلتي إنك “استخدمتي مشاعري” عشان تهربي.. وأنا استخدمت “هروبك” عشان أحبسك صح. السجن اللي فات كان شغل، لكن السجن ده.. ده (بيتنا). استمتعي بالوحدة يا ليلى، المرة دي مفيش حارس هيحن ليكي، فيه بس (صياد) بيتفرج عليكي من ورا الشاشة وهو بياكل أكله الميري في هدوء.”
ليلى بصت للكاميرا اللي في ركن السقف، وأدركت إنها وقعت في الفخ الأبدي. هي هربت من السجن الصغير، عشان تدخل “القبر الشيك” اللي عمر صممه بدقة السنين.
عمر وهو في زنزانته، طلع شاشة صغيرة مخبيها تحت مرتبة السرير، وبص لليلى وهي بتنهار على الأرض في الفيلا، وابتسم وقال لنفسه:دلوقتي بس.. نقدر نبدأ قصتنا من غير إزعاج.
ليلى قعدت في نص الصالة، السكون اللي حواليها كان مرعب، وصوت دقات قلبها بقى هو “المنبه” الوحيد في المكان. بصت للكاميرا اللي في السقف ببرود غريب، مكنتش بتعيط ولا بتصرخ، كانت بتفكر.
قامت ببطء، مشيت في الفيلا، دخلت المطبخ، لقت كل حاجة متجهزة فعلاً.. أكل معلب، مية، وحتى نوع القهوة اللي بتحبها. عمر مكنش بيحرسها، عمر كان “بيعبد” تفاصيلها لدرجة المرض. مايا خالد
فتحت التلاجة، لقت قزازة مية، شربت منها بهدوء وهي بتبص للكاميرا وبتقول بصوت مسموع: “عارف يا عمر.. أنت فعلاً تلميذ شاطر، بس لسه بتغلط في نفس النقطة. أنت بتفترض إني هخاف من الوحدة، وبتنسى إن “الوحدة” هي اللي خلتني أصلاً ليلى اللي أنت خايف منها.”
في الزنزانة، عمر كان باصص للشاشة، الابتسامة اللي على وشه بدأت تختفي لما شاف هدوءها. كان مستني يشوفها وهي بتنهار، وهي بتترجاه يفتح لها، لكنها كانت بتتحرك في الفيلا كأنها صاحبة المكان، مش سجينة فيه.
ليلى دخلت المكتبة، وبدأت تشيل الكتب من على الأرفف، لحد ما لقت اللي بتدور عليه.. “لوحة التحكم” بتاعة التكييف المركزي. فكت الغطاء بضوافرها وبدأت تلعب في السلوك.
عمر همس لنفسه وهو باصص للشاشة: “بتعملي إيه يا ليلى؟ مفيش مخرج من هناك، السيستم معزول تماماً عن الإنترنت.”
ليلى بصت للكاميرا وضحكت: “أنا مش عايزة أخرج يا عمر.. أنا عايزة (أكلمك) بس بجد.”
فجأة، الشاشة اللي في إيد عمر بدأت تشوش، والصورة اقطعت. صوت ليلى جاء من السبيكر الصغير اللي في زنزانته، بس المرة دي الصوت كان فيه نبرة “تحدي” مخيفة:
”عمر.. أنت فاكر إنك حبستني؟ الفيلا دي متسجلة باسم شركة وهمية، والشركة دي تابعة لمستثمر أجنبي، والمستثمر ده يبقى (أنا). أنا اللي بنيت الفيلا دي من تلات سنين، وأنا اللي حطيت فيها السيستم ده عشان لو احتجت أختفي في يوم من الأيام. أنت فاكر إنك استدرجتني؟ لا يا حبيبي.. أنا اللي سبت لك (الخرائط) في مكتبك وأنا في السجن عشان تفتكر إنك لقيت ثغرة.”
عمر وقف على رجله في الزنزانة وهو مذهول: “بتقولي إيه؟”
ليلى كملت: “الفيلا دي دلوقتي (قنبلة موقوتة). أنا فعلت نظام (التدمير الذاتي) اللي بيشتغل لو السيستم اتحكم فيه من برا من غير الكود بتاعي. قدامك بالظبط 10 دقائق، والفيلا دي بكل اللي فيها، وبالسيرفرات اللي رابطة تليفونك بيها، هتنفجر. ولما تنفجر، الإشارة هتتبعت فوراً لأقرب نقطة شرطة، بموقع التليفون اللي في إيدك دلوقتي في الزنزانة.”
عمر بدأ يعرق، بص للتليفون اللي في إيده كأنه ماسك جمرة نار: “أنتي بتكذبي.. أنتي مش هتموتي نفسك عشان توقعيني.”
ليلى ردت بضحكة صافية: “أنا مش في الفيلا يا عمر. أنا خرجت من (نفق) الهروب اللي تحت السرير قبل ما الأبواب تقفل بـ 30 ثانية. اللي أنت شايفه قدامك على الشاشة ده (فيديو مسجل) أنا سجلته الصبح أول ما دخلت. بص كدة على الساعة اللي ورايا في الفيديو.. هتلاقيها واقفة عند الساعة 10 الصبح.”
عمر بص للساعة في الفيديو بذهول.. لقاها فعلاً ثابتة.
ليلى كملت وهي بتبعد عن المكان: “أنا دلوقتي في طريقي للمطار.. والفيلا هتتحول لرماد، ومعاها كل أمل ليك إنك تخرج من السجن. اللعبة خلصت يا عمر.. والمرة دي، الصياد هو اللي اتحبس في “وهمه” الخاص.”
صوت الانفجار كان بعيد، بس عمر سمعه في قلبه قبل ما يسمعه في الحقيقة. العساكر جرو عليه لما شافوا الدخان طالع من زنزانته بسبب تليفونه اللي اتقيد فيه النار فجأة.
ليلى كانت في الطيارة، بتبص من الشباك على السحاب، قلعت السلسلة اللي في رقبتها ورمتها في كيس الزبالة، وغمضت عينيها وهي بتقول: “وداعاً يا عمر.. كنت أحلى لعبة لعبتها، بس للأسف.. مكنتش قد المستوى.”
الطيارة بدأت تعلى، وصوت المحركات بقى زي “نغمة” هادية بتطمن ليلى إنها سابت الأرض وما عليها وراها. لكن وهي بتميل راسها عشان تنام، حست بحاجة غريبة.. لمسة “ساقعة” على كتفها.
فتحت عينيها بسرعة، ملقيتش حد جنبها، الكرسي اللي جنبها كان فاضي. بس لقت حاجة وقعت من على كتفها على حجرها.. “منديل ورق” مطبق بعناية.
فتحت المنديل، وإيدها بدأت ترتعش بجد المرة دي. كان مكتوب جواه جملة واحدة بخط إيد هي عارفاه أكتر من اسمها: “الطيارات برضه فيها زنازين.. بس وسيعة شوية.”
ليلى بصت حواليها بذعر، الركاب كلهم كانوا نايمين أو باصين في شاشاتهم. قامت وقفت وجرت ناحية الحمام، دخلت وقفلت الباب ووشها شاحب. بصت في المراية، وحاولت تستوعب.. إزاي؟ هي شافت الانفجار، وعمر ورا القضبان، والفيلا انتهت.
وهي بتغسل وشها بمية باردة، سمعت صوت “خربشة” من ورا لوحة السقف في حمام الطيارة. وفجأة، نزل منها جهاز صغير، “سبيكر” لاسلكي، واشتغل بصوت واطي ومبحوح.. صوت عمر:
”فاكرة إني هسيبك تمشي يا ليلى؟ أنتي اللي علمتيني إن (الفيديو المسجل) حركة ذكية.. عشان كدة أنا كمان سجلت ليكي فيديو النهاردة الصبح وأنتي خارجة من النفق. سليم المنشاوي مكنش مات يا ليلى.. سليم المنشاوي هو اللي ساعدني أخرج من السجن مقابل الملفات اللي كانت معاكي. والطيارة اللي أنتي راكباها دي.. سليم هو اللي بيملك شركة الطيران بتاعتها.”
ليلى سندت على الحيطة وهي بتنهج، وصوت عمر كمل بضحكة هادية:
“أنا مش في الطيارة معاكي، متخافيش.. أنا لسه في مصر، بخلص أوراق (جنازتي) الرسمية عشان أبدأ حياتي كـ (شبح) بجد. بس الطيارة دي مش رايحة للبلد اللي أنتي حاجزة ليها.. الطيارة دي متوجهة دلوقتي لمطار خاص في جزيرة، مفيش فيها غير (فيلا) تانية خالص، أنا اللي صممتها، بس المرة دي.. مفيش فيها تكييف مركزي عشان تلعبي في سلوكه.”
ليلى بصت من شباك الحمام الصغير، لقت الطيارة فعلاً بتغير مسارها وبتبعد عن أضواء المدن وبتدخل في ضلمة المحيط.
عمر كمل جملته الأخيرة قبل ما الإشارة تتقطع:
“أنتي كسبتي جولة يا ليلى.. بس أنا اشتريت اللعبة كلها. نتقابل في الجزيرة.. يا (حرم) عمر المنشاوي.”
ليلى بصت للمراية، وبدل ما تنهار، ملامحها اتحولت لبرود حاد.. ابتسمت لنفسها وطلعت من “توكة” شعرها إبرة معدنية رفيعة كانت مخبياها للطوارئ، وبصت للسبيكر وقالت:
“كنت عارفة إنك هتعمل كدة.. عشان كدة أنا مخدتش الطيارة اللي سليم بعتها، أنا (بدلت) التذاكر مع الست اللي كانت واقفة ورايا في الطابور. أنا دلوقتي في طيارة تانية خالص يا عمر.. والطيارة اللي أنت بكلمها دي، مفيش فيها غير (الشنطة السوداء) اللي أنت كنت بتموت عشان تاخدها.. ومعاها (هدية) صغيرة هتنفجر أول ما الطيارة تلمس أرض الجزيرة.”
في اللحظة دي، عمر وهو قاعد في مكتبه بيسمع اللاسلكي، وشه جاب ألوان. بص على الشاشة اللي بتتبع الطيارة، لقاها فعلاً بتنزل في الجزيرة.. وفجأة، الشاشة اسودت تماماً وصوت الانفجار سمع في اللاسلكي.
ليلى، اللي كانت في طيارة تانية فعلاً متجهة لـ “طوكيو”، قعدت في مكانها، وطلبت “كأس نبيذ”، وبصت للسحاب وقالت: “مات الملك.. عاشت الملكة.”
الطيارة كانت مستقرة تماماً، وليلى مغمضة عينيها بتستمتع بأول لحظة هدوء حقيقي من سنين. أخدت نفس عميق، ولسه بتفتح عينيها عشان تشرب من الكأس اللي قدامها، لقت “المضيفة” واقفة قدامها وبتبتسم ابتسامة هادية جداً.
المضيفة وطت وهمست في ودنها: “أتمنى الرحلة تكون مريحة يا ليلى هانم.. مستر عمر بيقول لك إن طوكيو برد في الوقت ده، فـ ساب لك الحاجة دي عشان تدفي جناحاتك.”
ليلى تجمدت مكانه، الكأس وقع من إيدها وغرق السجادة. المضيفة حطت قدامها علبة صغيرة قطيفة، وانسحبت بكل هدوء.
فتحت ليلى العلبة وهي حاسة إن روحها بتتسحب.. لقت جواها “خاتم” قديم، الخاتم اللي هي سرقته من عمر في أول ليلة ليهم في السجن عشان تبيعه وتأمن هروبها، بس هي كانت فاكرة إنها ضيعته في وسط الزحام.
وجنب الخاتم ورقة صغيرة، فيها جملة واحدة مرسومة بـ “حبر أحمر”:
“أنا مش في الطيارة اللي انفجرت، ولا في الطيارة اللي أنتي فيها.. أنا (الطيار) يا ليلى.”
ليلى رفعت راسها بسرعة وبصت ناحية كبينة القيادة. في اللحظة دي، صوت “عمر” طلع في ميكروفون الطيارة كله، بس المرة دي مكنش بيوجه كلامه للركاب، كان بيوجهه ليها هي بس، وبنبرة فيها حنان مرعب:
”سيداتي وسادتي.. إحنا دلوقتي على ارتفاع 35 ألف قدم. الجو برا صافي، بس جوه الطيارة الحقيقة بدأت تبان. ليلى.. أنتي كسبتي لما قلتي إنك بدلتِ التذاكر، بس نسيتي إني (صاحب الشركة). أنا اللي خليت الموظفة تتبدل، وأنا اللي خليتك تفتكري إنك “خدعتيني” عشان تركبي الطيارة دي بالذات.. الطيارة اللي أنا اللي سايقها.”
الركاب بدأوا يتلفتوا حواليهم بقلق، لكن عمر كمل ببرود:مايا خالد
“دلوقتي، أنا هفصل نظام الطيار الآلي. والطيارة دي مش هتنزل في طوكيو، ولا في الجزيرة. الطيارة دي هتبدأ (تغوص) في المحيط.. إلا لو وافقتي على شرط واحد بس.”
ليلى وقفت في نص الممر، وشها كان أبيض زي التلج، والناس بدأت تصرخ لما الطيارة مالت فجأة وبدأت تنزل بسرعة مرعبة. عمر كمل من الميكروفون وصوته بيقطع بسبب الضغط:
”الشرط بسيط.. افتحي الشنطة اللي تحت كرسيكي. هتلاقي (جهاز تتبع) وحقنة. اضربي الحقنة في دراعك عشان تنامي، وأوعدك إن الطيارة هتنزل بسلام في أقرب مطار، والركاب دول كلهم هيعيشوا. أنتي اللي هتختاري يا ليلى.. تموتي (بطلة) وتنقذي 200 روح، ولا تموتي (مجرمة) وتخدينا كلنا معاكي للقاع؟”
ليلى بصت للناس اللي حواليها، للأطفال اللي بيصرخوا، وللست اللي بدلت معاها التذكرة وهي بتعيط. بصت للكاميرا اللي فوق باب الكبينة وقالت بصوت مكسور بس مليان كبرياء:
“أنت عايزني استسلم.. عايز تكسر “إرادتي” وتخليني أجيلك وانتي مأمنة إني مش هعض تاني.”
عمر رد بضحكة هادية: “أنا عايزك (ملكي).. بالرضا أو بالإجبار. 5 ثواني يا ليلى، والطيارة مش هتقدر ترجع لمسارها.”
ليلى نزلت تحت الكرسي، وطلعت الشنطة. فتحتها، لقت الحقنة فعلاً. بصت لها للحظة، وبعدين بصت للسقف وقالت: “ماشي يا عمر.. أنت كسبت الجولة دي. بس افتكر.. أنا “نومة” وهفوق منها، وأنت اللي هتضطر تعيش مع “شيطانة” صاحية في بيتك.”
ضربت الحقنة في دراعها، وعينيه بدأت تتقل. وقبل ما يغيب وعيها تماماً، حست بالطيارة بتعدل مسارها وبترجع للطيران الأفقي. وآخر حاجة شافتها قبل ما الدنيا تسود، كانت باب كبينة القيادة وهو بيتفتح، وعمر خارج منه بلبسه الرسمي، بيقرب منها، وبيميل عليها يهمس:
”أهلاً بيكي في سجنك الأبدي.. يا حبيبتي.”
فاقت ليلى على ريحة بخور عتيق، وصوت موج البحر بيخبط في صخر قريب. مكنتش في زنزانة، ولا في فيلا.. كانت في أوضة نوم ملكية، حيطانها كلها قزاز بيكشف محيط ملوش آخر. حاولت تقوم، لقت جسمها تقيل، والحقنة لسه مأثرة على أعصابها.
بصت لقت عمر قاعد على كرسي هزاز في ركن الأوضة، لابس أبيض في أبيض، وفي إيده كاس عصير، بيبص لها بهدوء غريب.
”نوم الهنا يا ليلى،” قالها بصوت ناعم، “الجزيرة دي مش موجودة على الخريطة، والخدم اللي هنا مبيعرفوش يتكلموا غير لغة إشارة أنا اللي مألفها. يعني حتى لو صرختي، صوتك هيروح للموج.”
ليلى ساندت ضهرها على السرير، وحاولت تستجمع قوتها: “أنت فاكر إنك كسبت يا عمر؟ أنت حبست جسمي، بس روحك أنت هي اللي بقت سجينة عندي. أنت مش قادر تقتلني، ومش قادر تسيبني.. أنت في أسوأ أنواع السجون اللي ممكن راجل يقع فيها.”
عمر قام وقف، وقرب منها لحد ما بقى وشّه في وشّها، وطلع من جيبه “مفتاح” دهب صغير، وحطه في إيدها. “المفتاح ده بيفتح كل أبواب القصر ده، وبيفتح المخزن اللي فيه أكل ولبس يكفيكي عمر كامل. أنتي حرة يا ليلى.. الجزيرة كلها ليكي. مفيش كلبشات، مفيش حراس، ومفيش كاميرات.”
ليلى استغربت: “والمقابل؟”
عمر ابتسم ابتسامة مكسورة: “المقابل إنك تعيشي وانتي عارفة إنك (خسرتي اللعبة). أنا مش هلمسك، ولا هكلمك، ولا هقعد معاكي على سفرة واحدة. أنا هعيش في الجناح اللي جنبك، وهشوفك كل يوم من بعيد وانتي بتبلي شعرك في البحر، وانتي بتكبري، وانتي بتعجزي.. وانتي عارفة إن بره الجزيرة دي، ليلى ماتت، وعمر مات، ومفيش غيرنا إحنا الاتنين.”
ليلى بصت للمفتاح اللي في إيدها، وبعدين بصت له: “عايز تحولني لـ (لوحة) في معرضك الخاص؟”
”عايز أشوفك وانتي بتستسلمي للهدوء،” رد عمر وهو بيمشي ناحية الباب، “عايز أشوف الذكاء اللي دمر حياتي وهو بيآكل في نفسه عشان ملوش حد يضحك عليه. السجن الحقيقي يا ليلى مش حيطان.. السجن الحقيقي هو (الفراغ).”
خرج عمر وقفل الباب وراه، بس مغيرش القفل. ليلى قامت، راحت ناحية الشباك القزاز، وبصت للمحيط. لقت يخت صغير واقف بعيد، ملوش قبطان، مربوط في صخرة.
ضحكت ليلى ضحكة خفيفة، ومسحت دموع كانت هتنزل من عينيها. مدت إيدها في “ياقة” قميص النوم اللي هو اختاره لها، وطلعت “شريحة” صغيرة جداً كانت مخبياها تحت جلدها في عملية قديمة.
قالت بصوت واطي: “أنت لسه بتغلط يا عمر.. بتنسى إني دايماً عندي (خطة د). أنت حبستني في جزيرة، بس نسيت إن اليخت اللي أنت رابطه ده، أنا اللي كنت باعثة إحداثياته لـ (الإنتربول) كـ مكان لتجارة أعضاء بشرية وهمية قبل ما أركب الطيارة.”مايا خالد
في أقل من ساعة، صوت هليكوبتر بدأ يظهر في السما. عمر جرى على البلكونة بذهول، شاف قوات دولية بتنزل بالحبال على الجزيرة.
بص لليلى اللي كانت واقفة في البلكونة اللي جنبه، ورافعاله المفتاح الدهب وهي بتضحك:
“أنا قلت لك يا عمر.. أنا مش طريدة، أنا (ديناميت). لو لمستني، هنفجر فينا إحنا الاتنين. دلوقتي، أنت هتتحبس بتهمة (إدارة جزيرة غير قانونية وخطف)، وأنا هخرج كـ (ناجية) للمرة الألف.”
عمر بص للسما، وبعدين بص لها، وضحك بصدق لأول مرة: “تعرفي.. أنا فعلاً حبيتك. لأنك الوحيدة اللي خلتيني أحس إني (عايش) وأنا بخسر.”
اتقبض عليهم هما الاتنين، وفي مركب الترحيلات، وهما قاعدين قصاد بعض والكلبشات في إيديهم، ليلى ميلت عليه وهمست: “الجولة الجاية فين؟ في المحكمة ولا في سجن المزرعة؟”
عمر غمز لها وقال: “اللي يوصل الأول.. هو اللي يوزع الورق.”
المركب كانت بتتهز بيهم فوق الموج، والضابط اللي واقف عليهم كان بيبص لهم باستغراب؛ إزاي اتنين مكلبشين ورايحين للمجهول وبيبتسموا لبعض كأنهم في “رحلة شهر عسل”؟
ليلى ميلت راسها على كتف عمر، وفي اللحظة اللي الضابط لفت فيها وشه عشان يرد على اللاسلكي، ليلى حست بحاجة بتتحط في إيدها من ناحية عمر.. “دبوس مكتب” صغير كان مخبيه تحت لسانه طول الوقت.
عمر همس لها ببرود: “الدبوس ده يفتح الكلبشات في ٤ ثواني.. بس مش هنفتحه دلوقتي.”
ليلى استغربت وهمست: “أومال إمتى؟”
عمر بص للسما اللي بدأت تغيم، وقال: “المركب دي مش رايحة للمينا.. المركب دي تابعة لـ (منظمة) أنا بشتغل معاها من ورا ضهر الجهاز ومن ورا سليم المنشاوي. القوات اللي نزلت الجزيرة دي مش (الإنتربول) يا ليلى.. دول (رجالي) أنا، بس لابسين لبس رسمي عشان يخدعوكِ ويخلوكي تطمني إنك كسبتي.”
ليلى اتنفضت، بس عمر ضغط على إيدها بالكلبش: “اثبتي.. أنتي المرة دي اللي وقعتي في الفخ. أنتي كنتِ فاكرة إنك بتسلميني، بس الحقيقة إنك كنتِ بتأكدي ليهم إني قدرت (أصطادك) فعلاً. المكافأة اللي هاخدها على راسك النهاردة هتخليني أمحي تاريخي وتاريخك، ونبدأ بجد.”
ليلى ضحكت بس المرة دي الضحكة كانت فيها وجع: “يعني كل ده كان تمثيل؟”
عمر قرب من ودنها وقال: “أنا وتلميذتي في مركب واحدة.. والمنظمة دي مبتسيبش حد عايش عارف أسرارها. الدبوس ده معاكِ، والكلبشات اللي في إيدي أنا (مفتوحة) أصلاً بس أنا ساندها.”
فجأة، صوت ضرب نار بدأ يظهر من مقدمة المركب. صريخ العساكر “الوهميين” كان مالي المكان. عمر وقف فجأة، زق الضابط اللي قدامه في المية، ومسك إيد ليلى: “قدامنا دقيقتين قبل ما المركب دي تنفجر باللي فيها عشان يمسحوا أي دليل. يا تنطي معايا دلوقتي وتثقي فيا لآخر مرة.. يا تستني (عدالة) المنظمة.”
ليلى بصت في عينيه، لقت فيهم “عمر” القديم.. الحارس اللي حبته رغم قسوته.
فتحت كلبشها بالدبوس في ثانية، ومسكت إيده بقوة: “لو غطسنا المرة دي.. مفيش طلوع تاني يا عمر.”
عمر ابتسم: “إحنا أصلاً ميتين من يوم ما اتقابلنا في السجن.”
نطوا هما الاتنين في وسط الضلمة والموج العالي، وبعد ثواني، المركب اتحولت لكتلة نار نورت السما لثواني قبل ما يغرق كل شيء في السكوت.
بعد سنة.. في مقهى صغير بفرنسا.
ست جميلة قاعدة بتقرأ رواية، وراجل لابس نظارة شمس بيقعد قدامها ويحط “وردة دبلانة” وسلسلة قديمة على التربيزة.
هي مترفعتش راسها، بس قالت وهي بتبتسم: “اتأخرت ليه؟”
رد عليها وهو بيولع سيجار: “الـ (حارس) خد وقت عقبال ما لقى (السجينة) بتاعته في الزحمة.”
قفلت الرواية، وكانت صفحتها الأخيرة بيضاء، مفيش فيها غير جملة واحدة مكتوبة بخط الإيد:
“الحرية هي أن تجد الشخص الذي يستحق أن تسلمه مفتاح زنزانتك وأنت مبتسم.”
تمت الحكاية. بقلم مايا خالد





