حكايات زهرة 2

في اللحظة دي بالظبط، وتلفون طارق اللي كان محطوط على التربيزة قعد يرن بهستيرية. طارق نفخ وبص في الشاشة، ملامحه اتقلبت تماماً، الخوف ظهر في عيونه في ثانية. رد بسرعة وصوته كان بيترعش: “أيوة يا مدحت.. في إيه؟ بتقول إيه؟!”
​فجأة طارق وقف على رجليه، الكوباية اتقلبت من إيده والمية اتدَلقت على الأكل وعلى لبسه الغالي، بس هو مكنش حاسس بالدنيا أصلاً. وشه بقى أبيض زي الورقة، وصوته طلع مخنوق وهو بيصرخ في التلفون:
​”يعني إيه الشحنة كلها اتحجزت في الميناء؟ ويعني إيه قضية تهرب وفساد مالي؟ المحلات والشركة هيتقفلوا بالبلك الأحمر؟! يا نهار أسود.. أنا كدة هفلس وهتوجع في سجن! اتصرف يا مدحت، شوف أي حد من الكبار، ادفع أي مبلغ!”
​الصوت في الصالة اقطع تماماً، أمي وقفت مذهولة، وأختي الكبيرة حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط من الصدمة. طارق كان بيسمع الطرف التاني في التلفون وهو بيتنفس بصعوبة، وفجأة قال: “يعني إيه مفيش فايدة؟ مين اللي ماسك القضية والملف ده؟ مين رئيس لجنة الفحص والرقابة اللي رافض أي كلام؟”
​طارق سكت ثواني بيسمع الاسم، وفجأة عينه اتسعت بطريقة مرعبة، التلفون وقع من إيده على الأرض واتكسر ميت حتة. لف ببطء شديد، وعيونه

جت في عين جوزي “مصطفى”.. وبصوت يكاد يكون مسموع وهدومه غرقانة مية، قال:
“أنت.. أنت الأستاذ مصطفى الشافعي؟ رئيس الإدارة المركزية للرقابة المالية والمتابعة اللي منقول جديد؟!”
الجمود حل على المكان، الكل مبقاش فاهم حاجة. أمي بتبص لطارق وبتبص لمصطفى وهي مش مستوعبة. أختي الكبيرة صرخت: “في إيه يا طارق؟ إيه اللي جاب مصطفى الغلبان ده لشغلك وشركتك المليونيرة؟!”
​طارق وقع على الكرسي وهو بيبكي بدموع حقيقية، كبريائه كله اتمسح في الأرض، وبص لأمي وقال بنبرة مكسورة:
​”مصطفى الغلبان اللي كنتوا بتتريقوا عليه.. هو الراجل اللي في إيده يمضي بخراب بيتي وسجني، أو ينجيني! هو رئيس اللجنة العليا اللي بقالنا شهر بنجري وراها وبنعرض ملايين عشان بس يرضى يقابلنا أو يمرر الورق، وهو رافض تماماً وقافل في وشنا كل الأبواب!”
​الكل لف بمصايب عيونهم ومصوبينها ناحية مصطفى، اللي قعد مكانه بكل هدوء، حط الشفشق على التربيزة، وبص لطارق بنظرة كلها حكمة وقار، مفيهاش أي شماتة، بس فيها قوة تزلزل الجبال.
​أنا نفسي كنت قاعدة مذهولة، وبصيت لمصطفى ودموعي نازلة بس المرة دي دموع فخر: “مصطفى.. الكلام ده بجد؟”
مصطفى طبطب على إيدي بحنية وقال بصوت يسمعه الكل:
​”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *