الطفل المعجزه بقلم محمد نور

الطفل والمعجزة – حكايات محمد نور
الجزء الأول
## استسلم الأطباء لليأس… ففعل ابن الشوارع ما يشبه المعجزة
تراجع الأطباء خطوة إلى الخلف، وقطع صمتَ الأجهزة المطبقَ صوتُ التصفير المنخفض الذي يعلن نهاية كل شيء. خيم على المكان سكونٌ ثقيل وموحش، ذلك النوع من الصمت الجاثم الذي لا يحل في مكانٍ إلا حين يتيقن الجميع—بلا أدنى شك—أنه لم يتبقَّ شيءٌ يُفعل، وأن الروح قد غادرت بلا رجعة.
كان رجلٌ يرتدي بذلة أنيقة يقف مستندًا بظهره إلى الجدار الحجري، واضعًا كفيه المرتجفتين على فمه ليعصر صرخة ذهول لم تخرج. أومأ كبير الأطباء بنظرة ذات مغزى نحو الباب وهو يخفض رأسه، بينما شخَصت عينا إحدى الممرضات نحو الأرض وهي تجذب السدادة المطرية، ممتنعة عن النظر في عيني الأب المكلوم.
توقف الرضيع عن التنفس منذ دقائق طويلة، وذهبت كل الصدمات الكهربائية وتدليك الصدر وسحب السوائل سُدى. وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات، بينما كان يتهيأ الطبيب لإعلان وقت الوفاة، دفع البابَ صبيٌ يرتدي قميصًا رماديًا ممزقًا عند الكتف واندفع إلى الداخل.
لم يتنبه له أحد في البداية؛ كان صبيًا في الحادية عشرة من عمره تقريبًا، نحيلًا وضئيل البنية بالنسبة لسنه، يرتدي حذاءً مغطى بطبقات من الطين الجاف، وتحيطه هالة من ذلك الهدوء الخافت الذي لا يكتسبه إلا من اعتاد أن يمر بين الناس دون أن يراه أحد.
تبع الصبي سيارة الإسعاف ركضًا على قدميه الحافيتين تقريبًا لمسافة ثلاث حارات سكنية، مستدلًا بصرخات والد الطفل الذي كان يركض كالمجنون في الشارع. اقتحم الغرفة وتجاوز الجميع نحو حوض الغسيل بسرعة خاطفة قبل أن يملك أحدٌ ردة فعل لإيقافه.
كان اسم الصبي **كريم**، صبيٌ بلا عنوان، يعيش بلا مأوى ثابت منذ ثمانية أشهر متواصلة؛ يتنقل بين دار رعاية اجتماعية تُغلق أبوابها في السادسة مساءً، ومساحة جافة ومظلمة أسفل جسر سمنتي عتيق.
لم يكن يحمل في حقيبة ظهره التهالكة سوى ثلاثة أشياء: جوارب بديلة، وصورة باهتة لوالدته الراحلة، وكتاب طب مبسط عن جسم الإنسان. كتابٌ قرأه عشرات المرات، وفتحه وأغلقه حتى انقضت أطرافه وتكسَّرت كعقده.
بدأ شغف **كريم** بالطب والجسد البشري منذ أن كان في السادسة من عمره، في ذلك اليوم العصيب عندما توقفت شقيقته الصغرى عن التنفس فجأة إثر صدمة حساسية حادة. حينها، اقتحم مسعفٌ البيت واستطاع إعادة الحياة إليها بفضل ثبات يديه وحركاته الدقيقة والمحسوبة.





