الطفل المعجزه بقلم محمد نور

نظر **سليمان** في عيني الصبي وقال بنبرة صادقة:
— «ماذا تريد أن تفعل بحياتك؟ وما الذي تحتاجه بالضبط لتحقيق ذلك؟»
لم يكن الاتفاق الذي تلا ذلك اليوم مجرد عمل خيري أو رد جميل مؤقت؛ بل كان استثمارًا استراتيجيًا في موهبة فذة وعقل ناطق بالشغف. فُتحت لـ **كريم** أبواب أفضل المدارس في غضون أسابيع، وعاش برفقة أسرة بديلة دافئة ومُحبة وفرها له **سليمان**.
حصل على مدرس خاص مرتين في الأسبوع لتعويض ما فاته، وبطاقة مفتوحة للمكتبة العامة، ومعطف شتوي دافئ. وبعد أربعة أعوام فقط، أصبح **كريم** المتفوق الأول في مادة العلوم على مستوى الدولة، وشارك وهو في الرابعة عشرة من عمره كأصغر محاضر في ندوة طبية إقليمية.
أما ابن **سليمان**، البالغ من العمر الآن خمس سنوات والذي صار يتنفس ويعيش بفضله، فقد أصبح ينادي **كريم** بلقب دافئ ومحبب معناه *”الذي بقي ولم يرحل”*.
وفي الليلة التي سبقت أول يوم لـ **كريم** في المرحلة الثانوية، جلس على طاولة المطبخ وأمسك بقلم ثلاث ورقات، وكتب ثلاث رسائل خاصة:
كتب إلى **فاطمة** متطوعة العيادة، وإلى **عم حسني** المسعف المتقاعد، وإلى **خديجة** مشرفة دار الرعاية.
أخبرهم جميعًا بالتفصيل عما أدت إليه أفعالهم الصغيرة، وكيف أن قراراتهم البسيطة التي اتخذوها في صمت قبل سنوات كانت هي السبب المباشر في إنقاذ حياة طفل وصنع معجزة داخل تلك الغرفة بالمستشفى.
ردت **فاطمة** برسالة بعد أيام قليلة، موضحة أنها بكت لعشرين دقيقة متواصلة بعد قراءة كلماته، وشعرت أن حياتها لم تذهب سدى. أما **عم حسني** فقد كتب رده بخط يده المرتعش على ورقة صفراء قديمة، موضحًا أنها المرة الأولى منذ أحد عشر عامًا التي يعلم فيها ماذا حدث بعد إحدى جلساته التدريبية، وأن كلماته ردت له روحه.
ولم تكتب **خديجة** ردًا ورقيًا، لكن مدير الدار اتصل بـ **كريم** ليخبره أنها قامت بوضع الرسالة داخل إطار خبيئة وعلقتها على الجدار بجوار الباب الرئيسي تمامًا… الباب نفسه الذي لا تزال تتركه مفتوحًا دون إغلاق في صباحات الشتاء الباردة، علّ كريمًا آخر يدخل منه.
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد





