خلف الستارة البارت الثاني ل مايا خالد

بارت ٢
صوت رزع باب الشقة ورا أحمد كان كأنه ضربة قلم فوقتني. أنا ونهى سحبنا السرير بكل قوتنا وزقّيناه ورا باب الأوضة، وحطينا فوقيه الكومودينو عشان لو حد حاول يدخل، الباب ميتفتحش ولا مليم.
​كنا سامعين صوت أمي بره بتصرخ بفزع:
— “في إيه يا أحمد؟ واخد مسدسك ورايح فين يا ابني؟ استر يا رب!”
​قعدت في الأرض وضهرنا ساند على السرير، وجسمي كله بيتنفض. الكاميرات! الفكرة نفسها كانت بتنهش في دماغي.. يعني كل حركة، كل لبس، كل كلام اتكلمته أنا وأهل بيتي في سنين كان متسجل عنده؟ الكاميرات دي فين؟
​نهى همست وهي بتعيط وتلف حوالين نفسها:
— “هند.. الكاميرا فين؟ الكاميرا ممكن تكون باصة علينا دلوقتي!”
​بصيت لسقف الأوضة، للنجفة، للبراويز، للدمية الدب القديمة اللي على الرف.. فجأة عيني جت على مشترك الكهرباء اللي محطوط جنب السرير، كان فيه خرم صغير جداً مش مكان فيشة، ولمبة حمراء بتنور وتطفي ببطء شديد. جريت عليه، شديت الفيشة من الحيطة وخبطته بالشاكوش بتاع المطبخ اللي كان أحمد سابه في الأوضة لحد ما فرفته.
​في نفس اللحظة، سمعنا صوت صريخ جاي من الشارع.. صوت زعاق أحمد وأصوات تكسير جامدة جاية من العمارة اللي قصادنا. جريت على الشباك، فتحت موارب صغير وبصيت..
​الشارع كله كان ضلمة كحل، والنور مقطوع في عمارة كريم بالظبط. لمحنا خيال أحمد وهو بيكسر باب شقة كريم، وبعدها بثواني صوت ضرب نار! طاخ.. طاخ!
​نهى صرخت وأنا حطيت إيدي على بوقي عشان متفضحش.. الصوت كان عالي ومرعب. ثواني من السكوت التام.. سكوت قاتل، لحد ما ظهر خيال أحمد في بلكونة كريم وهو بينهج، وماسك كشاف التلفون، وبيقرب من السور وبيزعقلي:
— “هند!! هند اقفلي الشباك وم تفتحيش لأي حد! كريم مش في الشقة!”
​أنا صرخت من الشباك:
— “أمال ضرب النار ده كان إيه يا أحمد؟!”
أحمد صوته كان هربان منه:
— “الشقة فخ.. دي كانت قنبلة صوت وأجهزة إنذار اشتغلت أول ما كسرنا الباب.. كريم هربان من بدري، والشاشات اللي شوفناها دي كانت مسجلة لايف بس من جهاز لابتوب هو واخده معاه! هو مش في بيته يا هند.. كريم في مكان تاني وشايفكم من تلفونه!”
​الكلام وقع عليا زي المية الساقعة. الشريحة القديمة اللي في إيدي هزت.. التلفون نور.. مكالمة تانية من نفس الرقم!
​نهى صرخت: “مترديش! أبوس إيدك مترديش!”
بس إيدي كانت بتتحرك لوحدها من كتر الرعب.. فتحت الخط وحطيته على ودني..
​صوت نفس كريم كان سريع، كأنه بيجري، وفي صوت زحمة عربيات وكلاكسات حواليه:
— “أخوكي غبي يا هند.. فاكرني هستناه في الشقة؟ أنا سيبتله الهدية وخرجت.. أنا دلوقتي واقف تحت عمارة أصحابك.. ‘نهى’ منورة معانا في الكادر علكرة.. قولي لها مامتك لوحدها في البيت دلوقتي.. وأنا معايا نسخة من مفتاح شقتهم كمان!”
​نهى أول ما سمعت اسمها وصوت كريم وهو بيقول كدة، وقعت في الأرض من طولها وأغمى عليها.
​كريم كمل بنبرة فحيح زي التعبان:
— “قدامك عشر دقائق يا هند.. تخرجي من البيت لوحدك، وتيجيلي عند محطة القطر القديمة اللي ورا الكلية.. لو أحمد عرف، أو لمحتي عسكري شرطة.. شقة نهى هتتحرق بأمها اللي جواها.. أظن اللعبة بقت ممتعة أكتر دلوقتي.. مستنيكي يا هند.. متتأخريش.”
​الخط قطع.. وبصيت لنهى المرمية في الأرض، وبصيت للشباك.. ومبقاش قدامي غير اختيار واحد.
الوقت كان بيجري وكل ثانية بتعدي كأنها سنة. بصيت لنهى المغمى عليها في الأرض، وبصيت لتلفوني.. عشر دقائق! لو بلّغت أحمد، كريم هيعرف في ثانية لأنه مراقبنا، ومش هيردد لحظة إنه يؤذي مامت نهى. الغل والحقد اللي في صوته يخلوه يعمل أي حاجة.
​أخدت نفسي وصممت على اللي في دماغي. لبست عباية سريعة وطرحة، وسحبت الشاكوش الصغير اللي كسرت بيه المشترك وحطيته في جيبي.. مكنش قدامي سلاح غيره. زقيت السرير براحة وفتحت باب الأوضة، وخرجت للصالة مستخفية. أمي كانت واقفة في البلكونة بتطمن على أحمد وبتكلم الجيران، ودي كانت فرصتي. تسحبت لحد باب الشقة، فتحته وقفلت ورايا بالراحة من غير ما تعمل صوت.
​نزلت السلم جري، ضربات قلبي كانت مسموعة في ودني من كتر الرعب. الشارع تحت كان زحمة والجيران متجمعين عند عمارة كريم، استغليت الهيصة وخرجت من وراهم وجريت على الطريق الرئيسي.. أخدت تاكسي وقولتله بأعلى صوت من الخوف: “على محطة القطر القديمة اللي ورا الكلية.. بسرعة أبوس إيدك!”
​السكة كانت كابوس، وكل شوية أبص في التلفون.. فاضل دقيقتين. التاكسي وصل للمنطقة المهجورة دي، نزلت وجريت وسط الضلمة. المحطة القديمة كانت عبارة عن قضبان مصدية، ومخازن قديمة مهدودة ومفيش صريخ ابن يومين هناك.. بس صوت الكلاب والريح.
​وقفت في النص وبدأت أصرخ بصوت مبحوح:
— “أنا جيت اهو يا كريم! جيت لوحدي! سيب أهل نهى في حالهم واظهر!”
​فجأة، النور بتاع كشاف قوي قاد في وشي وعمى عيني. حطيت إيدي على وشي وأنا بترعش.. ومن ورا النور، ظهر خياله وهو لابس جاكيت أسود وماسك التلفون في إيده وبيضحك بانتصار:
— “شاطرة يا هند.. جيتي في وقتك بالظبط. شوفتي بقى إنك مقدرش تعيشي من غيري؟ أهو إنتي جيتيلي برجليكي.”
​قرب مني خطوتين، وأنا برجع لورا:
— “أنت مريض.. أنت عايز مني إيه؟”
​كريم ملامحه فجأة اتقلبت لجنون وهوس:
— “عايزك! بقالي سنتين براقبك، من يوم ما شوفتك في الكلية وأنتي مش بتفارقي خيالي. السلسلة دي أنا اللي سرقتها من شنطتك عشان يفضل معايا حاجة منك.. ويوم ما كلمتيني، عرفت إن القدر هو اللي باعتك ليا. كنتي فاكرة نفسك بتلعبي؟ لا يا هند.. إحنا مكتوبين لبعض.”
​قرب أكتر ومد إيده عشان يلمس وشي.. في اللحظة دي، الرعب جوايا اتقلب لطاقة غضب رهيبة. حطيت إيدي في جيبي، وسحبت الشاكوش وبكل قوتي وغلّي ضربته بيه على إيده اللي ممدودة!
​— “آآآآه!”
​كريم صرخ صرخة هزت المكان، والتلفون بتاعه وقع في الأرض واتكسر ميت حتة، والكشاف وقع وضلم الدنيا تاني. هو وطى بيمسك إيده وهو بيشتم بهستيريا، وأنا سيبت الشاكوش وجريت بأقصى سرعة عندي وسط القضبان..
​بس وأنا بجري، اتكعبلت في حديد القضبان ووقعت في الأرض، ورجلي اتلوت وملحقتش أقوم.. لقيت كريم بيقرب مني وهو بيعرج، وعينيه بتطق شرار في الضلمة، وماسك في إيده التانية مطواة فتحها وصوت تكتها رعبني:
​— “والله ما هسيبك يا هند.. هتموتي معايا النهاردة!”
​قفل المسافة بيني وبينه، ورفع إيده بالمطواة وهو نازل عليا.. وفجأة.. صوت سرينة بوليس عالية جداً هزت المكان، وأنوار عربيات الشرطة كشفت المحطة كلها!
​— “إرمي السلاح اللي في إيدك وارفه إيدك لفوق!”
​صوت أحمد! أحمد ظهر من ورا العربيات ومعاه قوة من القسم.. كريم اتنفض وبص وراه بذهول، وقبل ما يتحرك، أحمد هجم عليه ونزله الأرض، والعساكر كتفوه وأخدوا منه المطواة.
​أحمد جري عليا وأنا في الأرض بعيط وبترعش، أخدني في حضنه وهو بيطمني:
— “خلاص يا هند.. خلاص يا حبيبتي، إنتي أمان.”
​أنا كنت بنهج وببكي: “أحمد؟ عرفت مكاني إزاي؟ والست مامت نهى؟!”
​أحمد طلع تلفونه ورماه قدامي: “نهى فاقت بعد ما مشيتي بدقيقة، وحكتلي على التهديد. ومامت نهى بخير، كريم مكنش معاه مفتاح ولا حاجة.. ده كان بيلعب بأعصابك عشان يجرجرك هنا. أما عرفت مكانك إزاي؟ أنا ظابط يا هند.. وأول ما نزلتي، تتبعت جهاز التلفون بتاعك وجيت وراكي فوراً.”
​بصيت لكريم وهو بيترمي في بوكس العربية، وكان بيبصلي من ورا الإزاز بنظرات لسه فيها نفس الهوس، وبيحرك شفايفه من غير صوت ويقول: “مش هسيبك.”
​العربية مشيت.. والملف اتقفل، وكريم أخد حكم بالسجن المشدد.. بس لحد النهاردة، وبعد ما غيرنا البيت والشرايح، أول ما تليفوني يرن برقم غريب.. جسمي كله بيكش، والضحكة بتجمد على شفايفي، وبفتكر إن في حاجات بتبدأ بلعبة.. بس بتنتهي بكابوس. يتبع بقلم مايا خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *