الطفل المعجزه بقلم محمد نور

منذ ذلك اليوم، حُفر في عقله هدفٌ واحد: أن يفهم هذا الجسد البشري المعقد، كيف يعمل، وكيف يمكن إنقاذ هذه الآلة البديعة عندما تعطل. ولأنه لا يملك المال ولا المدرسة، كان يلتهم كل ما يقع تحت يديه: كتيبات التوعية الملقاة في المستشفيات، وكتبًا دراسية قديمة يُلقيها أصحابها في القمامة.

بدأ صباح ذلك اليوم وهو يجلس على حافة رصيف قرب إحدى الحدائق، يقتسم نصف قطعة بسكويت مع حمامة. وفجأة، لفت نظره رجلٌ يرتدي بذلة فاخرة يركض بذهول وفزع يخلع القلوب، يضم إلى صدره بين ذراعيه المرتجفتين لفافة صغيرة.

في تلك اللحظة، تحرك في داخل **كريم** شعورٌ مفاجئ بالخطر تجاوز أي خوف؛ تملكه دافع الطوارئ النقي، فنهض على الفور وركض خلفه. وبحلول الوقت الذي وصل فيه **كريم** لمدخل المستشفى، كان الأب قد دُفع بالفعل عبر أبواب الطوارئ الفولاذية.

انسلل **كريم** بخفة من خلف إحدى العائلات المذعورة، وتتبع أصوات الصراخ والاضطراب المتصاعدة عبر الممر. واقتحم الغرفة في اللحظة الحاسمة نفسها التي كان يرفع فيها كبير الأطباء يده ليعلن الوفاة رسميًا.

كان الرضيع، ذو الثمانية أشهر، قد وُجد فاقدًا للوعي في المنزل بعد أن استنشق سوائل أثناء وجوده في مقعده الهزاز. وبذل الفريق الطبي كل ما بوسعه لأربع دقائق متواصلة بمجرد وصوله، ولكن دون أدنى نبض أو استجابة.

أما الأب، صاحب البذلة الفاخرة، فكان **سليمان الفارس**، مؤسس إحدى أكبر شركات الاستثمار الخاصة في البلاد؛ رجلٌ يقود الملايين، ولم يواجه في حياته قط مشكلة أو عقبة لم يستطع ماله ونفوذه حلها… حتى تلك اللحظة التي وقف فيها عاجزًا تمامًا أمام الموت.

لكن **كريم**، ومن على بعد خطوات عند الباب، أدرك شيئًا لم ينتبه له الأطباء المجهدون—حركة خفيفة، ضئيلة ويكاد لا يراها أحد، في أطراف أصابع الرضيع.

لم يتوقف ليطلب الإذن، ولم يضيع ثانية واحدة في الشرح.

عبر الغرفة كالسهم، وحمل الرضيع من بين أيدي الأطباء الذهول، ثم وضعه مستلقيًا على ظهره تحت تدفق خفيف ومندفع من الماء البارد عند الحوض. أسند رأسه ورقبته ببراعة ودقة متناهية، مائلاً بجسده الصغير بدرجة معينة لتساعد الجاذبية الأرضية على فتح مجرى الهواء المسدود.

— «ماذا تفعل أيها المجنون؟! أخرجوا هذا الصبي فورًا!» سخط كبير الأطباء بصوت كالرعد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *