حماتي حكايات بسمه

حماتي كانت كل ما أكون مريضة تقول لجوزي سيبها دي بتتدلع وبعدها تفضل قاعدة معاه بالساعات في الصالة، لحد ما في يوم تعبت بشكل خلاني أكتشف إن الموضوع عمره ما كان مجرد عدم اهتمام.
أنا من أول جوازي وأنا بحاول أكسب حماتي، رغم إنها من أول يوم كانت بتعاملني كأني واحدة غريبة دخلت وخدت ابنها منها.
كنت كل ما أروح عندهم أساعدها في المطبخ، وأسألها لو محتاجة حاجة، وأحاول أسمع كلامها حتى لو كان بيضايقني.
لكن الغريب إنها كانت بتتغير تمامًا أول ما تعرف إني تعبانة.
مرة كنت عندهم وحرارتي عالية جدًا، وكنت بالعافية واقفة على رجلي.
جوزي قال لها
ماما، هي تعبانة أوي، خلينا نرجع بدري.
بصتلي من فوق لتحت وقالت
تعبانة إيه؟ دي بتتدلع عشان تخليه يهتم بيها.
اتصدمت.
جوزي سكت.
دخلت أوضتهم أرتاح شوية، لكن بعد دقائق سمعت ضحكهم في الصالة.
خرجت لقيته قاعد جنبها، وهي بتحكيله في كلام كتير.
فضلوا قاعدين أكتر من ساعتين.
وأنا في الأوضة لوحدي.
ولما رجعلي قال
معلش، ماما كانت محتاجة تتكلم معايا.
عديتها.
بعدها بشهر، حصل نفس الموقف.
كنت مرهقة ومصدعة، وطلبت منه يجيبلي دوا.
ردت حماتي من الصالة
سيبها يا ابني، دي بتحب تلفت نظرك بس.
المرة دي بصيت لجوزي مستنية يدافع عني.
لكنه قال
خلاص يا حبيبتي، استحملي شوية.
استحملت.
لأني كنت بحبه.
ولأني

كنت دايمًا بقول لنفسي إن أمه هتتغير مع الوقت.
لكنها ما اتغيرتش.
بالعكس.
كل مرة كنت أتعب فيها كانت بتكرر نفس الجملة.
بتتدلع.
وفي نفس الوقت، كانت تفضل قاعدة معاه لوحدهم بالساعات.
لحد ما بدأت أحس إن مرضي بالنسبة لها كان مجرد فرصة تخليه بعيد عني.
وفي يوم رجعت من الشغل تعبانة جدًا، ودخلت الأوضة وأنا حاسة إن جسمي كله بيترعش.
اتصلت بجوزي وقلت له
ممكن تيجي بسرعة؟ أنا مش قادرة أقف.
رد عليا
ماما عندي.
قلت
طيب تعالى بعد ما تخلص.
لكن حماتي سمعتني، وخدت الموبايل منه وقالت
إنتِ كل شوية بتعملي فيها تعبانة. سيبي ابني يقعد معايا شوية.
ساعتها قفلت المكالمة.
وقعدت لوحدي.
بس اللي حصل بعدها بساعات خلاني أخد قرار لأول مرة من يوم جوازنا إني ما أطلبش من جوزي أي حاجة.
لأني وأنا بحاول أوصل للمطبخ عشان أشرب مية، وقعت على الأرض.
ولما فتحت عيني، كنت في المستشفى.
جوزي كان واقف عند السرير ووشه أصفر.
أما حماتي
فكانت واقفة بعيد، ساكتة تمامًا.
الدكتور بص لجوزي وقال
إنت زوجها؟
قال
أيوه.
الدكتور بص له بحدة وقال
هي كانت ممكن تدخل في غيبوبة لو اتأخرتوا أكتر.
بصيت ناحية حماتي.
لأول مرة ما قالتش إني بتدلع.
لكن وأنا لسه بحاول أفهم اللي حصل، سمعتها بتهمس لجوزي جملة خلتني أنسى تعبي كله
لو كانت راحت المستشفى من بدري، كان زمانهم اكتشفوا الحقيقة.
الحقيقة اللي كانت حماتي خايفة إني أعرفها ماكانتش تخص مرضي أنا. كانت تخص جوزي.
في تلك اللحظة التي كانت أجهزة المستشفى تصدر فيها نغماتها المنتظمة والباردة، كان صوت همس حماتي يتردد في أذني كأنه طلقات نارية متتالية.
لو كانت راحت المستشفى من بدري، كان زمانهم اكتشفوا الحقيقة.
الحقيقة؟ أي حقيقة؟!
كنت مستلقية على السرير الجانبي في قسم الطوارئ، المحلول المعلق ينقط ببطء ليجري في عروقي الضعيفة، بينما جسدي كله يرتجف ليس فقط من شدة الجفاف والتعب، بل من الصدمة التي جمدت الدماء في أطرافي.
التفت زوجي عمر نحو أمه بسرعة ووجهه مشدود، شاحب كأنه جثة، وهمس لها بنبرة غاضبة ومذعورة
ماما! اسكتي خالص دلوقتي! مش وقت الكلام ده، ندى بدأت تفوق!
حاولت حماتي سعاد أن تستدرك موقفها، فسحبت خطوة للخلف وعدلت شالها المطرز على كتفيها، ونظرت إليّ بجمود وخلو تام من أي مشاعر إنسانية. لم يكن في عينيها ذرة قلق على امرأة كانت على وشك الدخول في غيبوبة هبوط حاد في السكر والدورة الدموية، بل كان فيهما حذر، وتوجس، وخوف من انكشاف أمر ما.
تقدم الطبيب نحو سريري، أخذ الملاحظات الطبية من الممرضة، ثم التفت إليّ بنبرة هادئة وحنونة
حمد الله على السلامة يا مدام ندى. أنتِ جالك هبوط حاد جداً في السكر ونسبة الجفاف عندك كانت مرتفعة لدرجة خطيرة. لولا إن الصدفة خلت جارتك تلمحك من الباب المفتوح وتطلب الإسعاف، كان ممكن الوضع يتطور لغيبوبة كاملة وتأثر على المخ.
نظرت للطبيب بتشوش، ثم التفتُ لعمر وسألته بصوت خافت ومبحوح
جارتي؟… مش أنت اللي جيت نقلتني المستشفى يا عمر؟
عمر ارتبك، بلع ريقه وصعدت حشرجة في حلقه
أصل… أصل أنا وماما لما المكالمة اتقفلت افتكرنا إنك زعلتي ونمتي… ولما الجارة اتصلت بيا وقالت إن الإسعاف تحت البيت، جيت جري على هنا…
قاطعتها حماتي بسرعة وهي تتقدم ببرود
ما خلاص يا ندى! الدكتور قال إنك كويسة أهو وهتقومي بالسلامة. أنتِ طبيعتك صحتك ضعيفة وبتدوبي في شبر مية، وده اللي بنقوله من زمان، ملوش لزمة التهويل والمظاهر دي قدام الغرباء!
نظرتُ لحماتي مستغرباً، لكن هذه المرة لم أعد أرى أمامي مجرد امرأة غيورة أو حماة قاسية القلب تحب الاستحواذ على ابنها… رأيت امرأة تخفي سراً مظلماً، سراً مستعدة لأجله أن تتركني أموت في الشقة بمفردي حتى لا أطأ بقدمي أعتاب مستشفى أو أضع جسدي تحت فحص طبي شامل!
خرجت من المستشفى بعد يومين.
كان عمر يتعامل معي بحذر شديد، يلبّي كل طلباتي بصمت، ويبتعد عن مواجهتي بظنون أو أسئلة. أما حماتي، فقد اختفت تماماً عن الشقة ولم تعد تتصل كما كانت تفعل يومياً.
لكن الجملة لم تفارق عقلي لحظة واحدة.
كان زمانهم اكتشفوا الحقيقة… الحقيقة ماكانتش تخص مرضي أنا، كانت تخص
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *