حماتي حكايات بسمه

جوزي.
بدأت أراجع كل تفاصيل زواجي من عمر التي امتدت لثلاث سنوات.
تذكرت كيف كانت حماتي تصر دائماً على أن أتناول الطعام والمشروبات التي تصنعها هي بنفسها كلما زارتنا.
تذكرت كيف كانت تصر على أن يُجري عمر فحوصاته الدورية في مركز طبي خاص يملكه قريب لها في الصعيد، وترفض تماماً أي طبيب في القاهرة.
وتذكرت المشكلة الأكبر التي كانت تؤرقني طوال سنوات زواجنا تأخر الإنجاب.
طوال ثلاث سنوات، كان عمر يتهرب من إجراء الفحوصات الطبية الخاصة بالذكورة الإنجابية. كلما فتحت معه الموضوع، كان يغضب، أو تتعدل نبرته، أو تتدخل حماتي فجأة وبشكل هجومي لتقول
العيب فيكي أنتِ يا ندى! ابن طارق زي الفل، ومافيهوش الهوا! أنتِ اللي جسمك ضعيف ودمك محروق وتفكيرك نكد، وعشان كده ربنا مش رايد لك الحلم!
كنت أصدقها. ذهبت لعدة طبيبات نساء وتوليد، وكل التارير كانت تؤكد أنني سليمة تماماً ولا أعاني من أي عائق صحي يمنع الحمل. وعندما كنت أطلب من عمر أن يفحص نفسه لمجرد الاطمئنان، كانت تثور ثائرة حماتي وتقوم بفتنة بيننا تجعل عمر يهجرني بالأسابيع!
في ليلة من الليالي، وبعد أن نام عمر تحت تأثير مهدئ خفيف بسبب صداع نصفي، قررت أن أبحث.
تسللت إلى مكاتبه الخاصة، وأدرت المفتاح الخفي في أدراجه التي كان يغلقها دائماً بصرامة.
بحثت في الأوراق المالية، العقود، والشهادات… حتى وجدت في القاع، ملفاً بلاستيكياً أزرق مجهولاً، مكتوباً عليه اسم مركز تحاليل ومختبرات طاهر بالصعيد.
فتحت الملف بآيادٍ ترتجف.
كانت هناك تقارير طبية تاريخها يرجع ل 5 سنوات… أي قبل زواجي منه بسنتين كاملتين!
قرأت المصطلحات الهندسية والطبية باللغة الإنجليزية، استعنت بمترجم الهاتف لأفهم الكلمات الصادمة
عقم غير قابل للعلاج نتيجة عيب خلقي وشديد في القنوات المنوية
سقطت الورقة من يدي على السجاد.
جلسَت على ركبتي وأنا أضع يدي على فمي لأمنع صرخة مدوية كانت تشق صدري!
عمر عقيم… بعيب خلقي دائم ومعروف لديه ولأمه قبل أن يتقدم لخطبتي بسنتين كاملتين!
لم تكن تلك هي الصدمة الوحيدة في ذلك الملف الملعون.
أسفل التقرير الطبي، وجدت أوراقاً أخرى وروشتات مكتوبة بخط يد طبيب نفسي، ومعها مدونات واستشارات طقسية وخرافية كتبت بخط يد حماتي!
كانت حماتي تعرف أن ابنها الوحيد عقيم ولن ينشب له نسل. لكن بسبب عقليتها الصعيدية القديمة ومجتمعها الذي يوصم الرجل العقيم، رفضت التقبل، وقررت أن تعيش في كذبة وتلبسها لامرأة مظلومة تُدعى ندى!
اكتشفت من خلال الملاحظات والأوراق أن حماتي وعمر اتفقا قبل الزواج على الآتي
إيهام أي زوجة يختارها عمر بأن العيب منها هي.
استغلال طبيعتي الرقيقة والهادئة لتدمير نفسيتي ببطء، وإقناعي المستمر بأنني مريضة وواهمة وتعبانة، حتى أظل أدور في حلقة مفرغة من الشك الذاتي والأطباء النفسيين والنفسية المكسورة.
التردد على دجالين وأطباء معدومي الضمير ليعطوني أدوية وفيتامينات مجهولة الهوية كانت حماتي تضعها لي في العصير والطعام عندما أزورها، وهي أدوية تسبب اضطراباً في الهرمونات، وزيادة في ضربات القلب، وهبوطاً مفاجئاً في السكروهو ما كان يفسر حالات التعب الشديدة التي كانت تصيبني فقط بعد زيارتها!
الساعة التي كنت أتألم فيها في الصالة وأبكي من التعب، وكانت حماتي تجلس فيها مع عمر بالساعات، لم تكن مجرد ساعات حديث عائلي… بل كانت ساعات يخططان فيها للخطوة التالية من التسميم البطيء والإسكات النفسي، وكان عمر يجلس معها مستسلماً، خائفاً من أن أكتشف سره الذي يمس كبرياءه ورجولته المزيفة!
كانت حماتي تخاف إذا ذهبتُ إلى مستشفى حكومي كبير أو خضعت لفحص سموم وطوارئ شامل، أن يكتشف الأطباء المواد الكيميائية التي كانت تسري في دمي،
دموعي جفت في تلك اللحظة.
الصدمة كانت أكبر من البكاء.
تذكرت كيف كنت أخدمها بأهداب عيني، كيف كنت أتحمل إهاناتها وقولها بتتدلع وأنا أصارع الموت بسبب السموم والأدوية التي كانت تدسها لي في طعامي، وتضحك مع ابنها في الصالة بينما أنا أحتضر في الغرفة المجاروة!
الشيطانين
لم أواجههما فوراً.
تعلمت أن الغضب العارم يفسد القضايا العادلة، وأن الذئاب لا تُصاد إلا بالهدوء.
احتفظت بصور من كل التقارير والروشتات وأوراق الدجالين على هاتفي، وأرسلت نسختين منها لمحامٍ خبير في القضايا الجنائية وقضايا الأحوال الشخصية، ولدكتور سموم صديق لوالدي.
في اليوم التالي، طلبت من عمر أن ندعو حماتي للغداء في شقتنا، بحجة أنني تعافيت تماماً وأريد أن أعتذر لها عن أي تقصير وبدء صفحة جديدة.
طارت حماتي من الفرحة، وظنت أن خطتها نجحت وأنني عدت إلى حظيرة الخضوع والانكسار.
جاءت في السادسة مساءً، ترتدي ثيابها الفاخرة وتتصرّف بكبرياء كعادتها.
جلست على المائدة الإيطالية العريضة في صالتنا.
وضعتُ الطعام، ثم جلست معهما.
ساد الصمت لبرهة، حتى قالت حماتي بنبرة فيها تعالٍ وصافية
شايفة يا ندى؟ لما سمعتي كلامي وبطلتي دلع وخرجتي من السرير، صحتك ردت إزاي؟ الحريم بتوع اليومين دول بيحبوا يظيطوا في التعب عشان يركبوا الرجالة!
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، لم يريا مثلها مني طوال ثلاث سنوات.
رفعت نظري ونظرت لعين عمر مباشرة، ثم نقلت نظري لحماتي.
قلت بهدوء يفلق الصخر
صح يا حماتي… عندك حق. الحريم بتوع اليومين دول بيحبوا يظيطوا… بس المجرمين بتوع اليومين دول، بيحبوا يحطوا سم وأدوية هرمونات في العصير عشان يغطوا على عقم ابنهم!
الشوكة سقطت من يد عمر وتدحرجت على الأرض.
حماتي شحبت تماماً، وتجمدت اللقمة في فمها.
صرخ عمر برعب
ندى! أنتِ بتقولي إيه?!
سحبت الملف الأزرق الأصلي من حقيبتي، ورميته





