الطفل المعجزه بقلم محمد نور

— «أرجوكم… أعطوني دقيقة واحدة فقط! دقيقة واحدة!»
كان في نبرة صوته ونظرة عينيه شيءٌ غريب، ثباتٌ عجيب أجبر الغرفة بأكملها على التوقف والتسمر؛ ثباتٌ ينبع من شخص قرأ هذا الفصل بالتحديد عشرات المرات تحت ضوء أعمدة الشوارع.
مرت عشر ثوانٍ… ثم عشرون… ثم أربعون ثانية من الصمت الخانق الذي حبس أنفاس الجميع.
وفجأة… سعل الرضيع بقوة، وتدفق الماء والسائل من فمه، ثم انطلق في بكاء حاد شق صمت الغرفة!
انفجرت الغرفة بالحركة دفعة واحدة؛ اندفع الأطباء بذهول، وعادت الأجهزة للتصفيق والعمل، ونشط النبض على الشاشات من جديد. أما **سليمان الفارس**، فقد انهار تمامًا، وانزلق بظهره على الجدار حتى جلس على الأرضية الباردة، واضعًا وجهه بين كفيه والدموع تتفجر من عينيه من شدة الصدمة والفرح.
وضع **كريم** الرضيع برفق على طاولة الفحص، ثم تراجع بخطوات هادئة إلى الخلف، وأمسك بحقيبة ظهره المتهالكة بجوار الباب. كان على وشك الخروج والضياع مجددًا في أزقة المدينة قبل أن يرفع **سليمان** رأسه بصعوبة ويصيح بصوت خنقته العبرات:
— «انتظر… أرجوك!»
قبل عامين كاملين من ذلك الصباح الفاصل، كانت متطوعة في عيادة مجانية تُدعى **فاطمة** قد تركت صندوقًا من الكتب المتبرع بها خارج المبنى لتتخلص منه. عثر **كريم** على ذلك الصندوق في الساعة السادسة والنصف صباحًا وسط البرد، وأخذ منه كتابًا واحدًا فقط يتعلق بأساسيات تشريح جسم الإنسان.
وكان هناك مسعف متقاعد يُدعى **عم حسني** يُقيم جلسات تدريبية تطوعية ومبسطة للإسعافات الأولية في دار الرعاية مرة كل شهر. أرى المجموعة الصغيرة كيف يعمل مجرى الهواء لدى الإنسان، وشرح لهم بالتفصيل الوضعية الذهبية التي تتغلب على انسداد مجرى التنفس لدى الرضع.
كما كانت هناك مشرفات في الدار تُدعى **خديجة** تتيح لـ **كريم** البقاء أربعين دقيقة إضافية بعد موعد الإغلاق في الصباحات القارسة. لم تسجل ذلك قط في دفتر الحضور حتى لا تتعرض للمساءلة، بل كانت تكتفي بعدم إغلاق الباب الرئيسي، وتتركه يقرأ في الدفء حتى ينتهي.
وجد **سليمان الفارس** الصبي **كريم** واقفًا في الممر الخارجي، يترقب بملامح يكسوها الوجوم وقلة الحيلة. اقترب منه الرجل الثري، وجثا على ركبتيه أمامه على أرضية المستشفى، وسأله عن المكان الذي يعيش فيه وأين أهله، فأخبره الصبي بالحقيقة كاملة دون تزييف أو استجداء.




