حكايات زهرة 2

بجد يا منال.. أنا عمري ما حبيت أتكلم عن شغلي أو سلطتي وسط العيلة، وعمري ما حبيت أتباهى بمنصبي اللي ربنا كرمني بيه من كام شهر بعد ترقية كبيرة وتعيين سري في الرقابة. أنا دخلت البيت ده كإنسان، عايز ناس تشتريني لشخصي ولأخلاقي، مش لمنصبي وفلوسي. كنت دايماً بسكت على كلام حماتي وتقليلها مني، عشان كنت بقول دي ست كبيرة وأم مراتي وليها حق عليا، ولأني مش محتاج أثبت لحد أنا مين.”
​أمي رجليها مكنتش شايلاها، قعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيدها على قلبها، النبرة التريّاقية والضحكة الخبيثة اتمسحت تماماً من وشها. بصت لمصطفى بعيون مليانة رعب وكسوف، مش قادرة حتى تنطق بكلمة واحدة، تفتكر كل كلمة تهزيق، وكل لقطة قللت فيها منه، وتفتكر جملتها الأخيرة: “فقير القوم خادمهم”.
​طارق زحف بركبه حرفياً لحد ما وصل لجنب كرسي مصطفى، ومسك في إيده وقال بنبرة ذل:
“أبوس إيدك يا مصطفى بيه.. اعتبرني أخوك الصغير، الورق اللي عندك لو اتمضى بالإدانة أنا هضيع وأخت مرتك وأولادي هيتشردوا. أنا عارف إني غلطت وكنت متكبر، بس عشان خاطر حماتك وعشان خاطر منال.. ارفع عني التقارير دي!”
​مصطفى سحب إيده بكرامة وهدوء شديد، ووقف على حيله وبص لطارق وقال:
​”يا طارق بيه.. الفلوس اللي كنت بتتنطط بيها على الخلق، وبتعاير بيها الغلبان، طلعت مش بتاعتك، دي فلوس بلد وحق ناس غلابة أنت أكلته بالباطل والتهرب. مصطفى الشافعي مبيتحركش بأوامر من حد، ولا بيمضي على ورق حرام، ولا بيجامل على حساب ضميره ودينه وقسمه اللي أقسمه. القانون هياخد مجراه، ولو ليك حق هتاخده، لو عليك حق.. هتدفعه تالت ومتلت.”
​التفت مصطفى ليا، ومد إيده بكل حنان وقالي: “يلا بينا يا منال.. العزومة دي كدة خلصت بالنسبة لنا.”
​أمي وقفت وهي بترتعش، ودموعها نازلة، وحاولت تتكلم وتقول: “يا مصطفى يا ابني.. أنا..”
مصطفى قاطعها بابتسامة حزينة بس مليانة عزة نفس وقالها:
​”معذورة يا حماتي.. الفقر فعلاً بيوجع، بس فقر النفس والأخلاق هو اللي بيوجع بجد ويموت صاحبه وهو عايش. الفلوس بتروح وتيجي في ثانية، واليوم طارق كان فوق وبكرة تحت، بس الراجل بيفضل راجل بأصله ودينه. تصبحوا على خير.”
​أخدني مصطفى من إيدي وخرجنا من باب البيت، وأنا راسي مرفوعة للسما، حاسة إني متجوزة ملك، راجل هز العيلة كلها بأدبه قبل منصبه. ومن يومها، أمي مبقتش تقوى تحط عيونها في عيونه، وطارق دفع تمن طمعه وجشعه، وعرفوا كلهم إن القيمة مش في الجيب.. القيمة في النفس والأصل النضيف.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *