عصيان العشق

عصيان العشق مايا خالد
الدنيا كانت بتمطر بغزارة، وصوت الرصاص لسه بيرن في ودن عاصم وهو بيراقب سليم في المراية، مرمي في المقعد الخلفي وماسك كتفه اللي بينزف، ووشه هربان منه الضي من الوجع.
عاصم كان بيضغط على الدريكسيون بغل وهو بيقول: “اتحمل يا سليم.. خلاص هانت، مفيش مستشفيات الليلة، الحكومة والكلاب اللي بره مالين الشوارع.”
العربية وقفت بفرملة قوية قدام بيت قديم في حارة هادية بعيدة عن العين. عاصم نزل، سَنَد سليم اللي كان خلاص بيفقد الوعي، وراح خبط على الباب بإيده اللي لسه عليها آثار العركة.
فتحت ليلى الباب.. كانت لابسة لبس بيت بسيط، وفي إيدها كتاب. أول ما شافت أخوها سليم متغرق في دمه، وشافت الراجل اللي شايله (اللي باين من هيبته ونظرته إنه مش شخص عادي)، شهقت وصدمتها لجمتها.
ليلى بصدمة: “سليم؟! أخويا جرى له إيه؟!”
عاصم بنبرة خشنة: “وسعي من الطريق يا آنسة.. مش وقت كلام.”
دخل عاصم البيت من غير استئذان، ونيم سليم على كنبة الصالة. ليلى رغم خوفها، غريزة التمريض عندها اشتغلت؛ جريت جابت شنطة الإسعافات وجت تقعد جنب أخوها وهي بتترعش.
عاصم وقف في ركن الأوضة، حاطط إيده في جيوب معطفه الطويل وبيراقبها. استغرب إزاي البنت دي رغم إنها مرعوبة، بس إيدها ثابتة وهي بتنضف الجرح وبكل مهارة بتتعامل مع النزيف. ملامحها كانت بريئة بس فيها قوة غريبة.
فجأة ليلى رفعت راسها وبصت له بعينين مليانة دموع وعصبية:
“أنت السبب.. صح؟ سليم ملوش في المشاكل ولا السل.اح. أنت اللي جيت وجبت معاك الموت لبيتنا!”
عاصم سكت.. أول مرة حد يتجرأ يبص في عينه ويقوله “أنت السبب” بالصراحة دي. الكل بيترعب من اسمه، بس البنت دي كانت شايفة “عاصم” المجرم، مش “الزعيم” اللي الناس بتعمله ألف حساب.
عاصم طلع البلكونة عشان يكلم رجاله يآمنوا المنطقة، بس لقى نفسه بيبص على تفاصيل البيت. صور ليلى وسليم وهما صغيرين، ريحة البيت اللي مليانة دفا، هدوء مبيشوفوش في حياته المليانة صراعات.
لما رجع، لقى سليم نام من مفعول المسكن. ليلى كانت واقفة بتغسل إيدها، عاصم قرب منها وسألها بجمود: مايا خالد
عاصم: “ليه مكلمتيش البوليس أول ما شفتيني؟”
ليلى (من غير ما تبصله): “عشان سليم بيحميك بروحه، وعشان عارفة إنك لو اتمسكت، أخويا حياته هتدمر. اتفضل امشي يا سيد عاصم.. مهمتك خلصت.”
عاصم طلع رزمة فلوس وحطها على الترابيزة وقال: “دي عشان مصاريف علاجه.”
ليلى بصت للفلوس ببرود وقالت كلمة واحدة هزت كيانه:
“شيل فلوسك.. إحنا بنداوي الجروح، مابنقبضش ثمن الدم.”
خرج عاصم من البيت، بس منساش نظرتها. ركب عربيته وفضل باصص على شباك أوضتها وهو بيولع سيجارته، وحاسس إن حياته اللي جاية مش هتكون زي اللي فاتت أبداً.
عدت ليلة طويلة، عاصم مغمضش فيها عين، فضل راكن عربيته بعيد شوية عن البيت يراقب الشارع، ولأول مرة في حياته مكنش بيراقب عشان خايف من غدر، كان بيراقب عشان يتأكد إن “ليلى” نايمة في أمان.
مع أول ضوء للصبح، سليم بدأ يفوق. فتح عينه لقى ليلى قاعدة جنبه على الكرسي، نايمة وهي سانده راسها على طرف الكنبة. حاول يتحرك فأنّ بوجع، ليلى صحيت مفزوعة:
ليلى: “خليك مكانك يا سليم، الجرح لسه طري.”
سليم بتعب: “عاصم بيه فين؟ حصل له حاجة؟”
ليلى بضيق: “مشى.. ريح نفسك أنت وبطل تفكر في الراجل ده، هو ده اللي أخدت بسببه الرصاصة؟”
سليم سكت وبص في الأرض، هو عارف إن ليلى مش هتعرف تفهم طبيعة العهد اللي بينه وبين عاصم.
بعد يومين، الباب خبط. ليلى فتحت ولقيت واحد من رجالة عاصم لابس بدلة سودة وشكله “يخوف”، ومعاه أكياس كتير.
الراجل: “دي أمانة من عاصم بيه.. أكل وعلاجات مستوردة لسليم.”
ليلى بحدة: “قول للبيه بتاعك إن خيره سابق، وإحنا مش محتاجين حاجة.”
وقبل ما تقفل الباب، لقت إيد قوية بتمنعها. كان عاصم نفسه، واقف بهيبته، لابس قميص أسود مريح ومش حاطط النظارة الشمسية.
عاصم: “المرة دي مش جاي بصفتي (البيه)، جاي أطمن على سليم.. مسموح لي أدخل؟”
ليلى بصت له بنظرة كلها تحدي، بس سليم نادى من جوه: “ادخل يا عاصم بيه، البيت بيتك.”
عاصم دخل وقعد جنب سليم، فضلوا يتكلموا في الشغل بلغة مش مفهومة لليلى، وهي كانت واقفة في المطبخ بتعمل قهوة، بس ودنها معاهم. لفت نظرها إن عاصم، رغم جبروته، كان بيتكلم مع سليم باحترام مش زي ما تخيلت.
لما ليلى دخلت تقدم القهوة، عاصم سكت وبص لها. مكنتش نظرة رغبة، كانت نظرة “استغراب”، كأنه بيحاول يفك شفرة البنت اللي رفضت فلوسه.
عاصم: “سليم قالي إنك ممرضة في مستشفى حكومي.. ليه؟ بمرتبك ده تقدري تشتغلي في أحسن مستشفى خاص.”
ليلى وهي بتحط القهوة قدامه: “عشان الغلابة هناك محتاجين اللي يراعيهم، مش اللي يلم منهم فلوس.. مش كل حاجة بتتقاس باللي في الجيب يا سيد عاصم. مايا خالد
عاصم ابتسم ابتسامة خفيفة، أول مرة سليم يشوفها في حياته: “كلامك فيه منطق.. بس المنطق ده مبيعيشش في الدنيا اللي بره.”
ليلى: “عشان اللي زيك هما اللي ملو الدنيا دي قسوة.”
عاصم قام وقف، وبص لسليم وقاله: “قدامك أسبوع ترتاح، وبعدها هبعتلك العربية.” ولما جه يخرج، وقف قدام ليلى وقرب منها خطوة، وقال بصوت واطي: “أول مرة حد يقولي (أنت) في وشي.. خليكي كدة، يمكن الدنيا محتاجة شوية ناس زيك.”
عاصم نزل ركب عربيته، بس قبل ما يدور المحرك، لقى موبايله بيرن. كان واحد من كبار العصابة “الزيني”.
الزيني: “سمعت إنك مختفي عند سواقك يا كنج.. بدأت تحن ولا إيه؟ البنت اللي هناك دي شكلها شطرتك.”
عاصم ملامحه اتغيرت مية وتمانين درجة، وعيونه رجعت فيها نظرة الدم اللي بتخوف: “لو اسم البنت دي جه على لسانك تاني يا زيني، هحفر قبرك بإيدي.. أنت فاهم؟”
قفل السكة وهو بيتنفس بسرعة. في اللحظة دي عاصم عرف إنه وقع في مشكلة أكبر من الرصاص؛ هو مش بس حبها، هو بقى مطالب يحميها من “نفسه” ومن “عالم القذارة” اللي هو ملكه.
الزيني مكنش بيلعب، كان عارف إن “نقطة ضعف” عاصم هي الحاجة الوحيدة اللي هتكسره. وبعد تهديد عاصم، الزيني قرر يبدأ الحرب من غير ولا رصاصة، بس بلعب قذر.
عاصم مكنش قادر يبعد، وبقى كل يوم يختلق حجة عشان يعدي على البيت؛ مرة يسلم على سليم، ومرة يوصل ورق “مهم” لسليم يراجعه. الحقيقة إنه كان بيروح عشان بس يشوف ليلى وهي بتتحرك في البيت، أو يسمع صوتها وهي بتجادل معاه بلسانها السليط اللي مبيهمهوش حد.
في يوم، ليلى كانت راجعة من شيفت الليل في المستشفى، والشارع كان هادي بزيادة. فجأة، عربية سودة وقفت جنبها، ونزل منها تلات رجالة بملامح مريبة.
واحد منهم: “أهلاً يا ست ليلى.. الزيني بيه بيمسي عليكي، وبيقولك عاصم بيه مش هيقدر يحميكي للأبد.”
ليلى اتنفضت من مكانها، بس قبل ما حد يلمسها، صوت فرملة عربية هز الحارة كلها. عاصم نزل زي الإعصار، وفي إيده سلا..حه. بمجرد ما شافوه، الرجالة جريوا على عربيتهم وهربوا، لأنهم عارفين إن مواجهة عاصم وهو “مغلول” معناها الموت.
عاصم جري على ليلى، كان بينهج وعيونه فيها خوف حقيقي لأول مرة.
عاصم بصوت مرعوش: “أنتِ كويسة؟ لمسوكي؟”
ليلى بدموع وصدمة: “مين دول؟ وعايزين مني إيه؟ ليه حياتك بتهددني حتى وأنا ماليش ذنب؟”
عاصم مقدرش ينطق، سحبها من إيدها ودخلها البيت، وسليم طلع مفزوع على صوتهم. عاصم بص لسليم وقال بلهجة مفيهاش نقاش: “البيت ده ميتسابش ثانية واحدة.. ومن بكرة، ليلى مش هتتحرك غير ومعاها حراسة.”
ليلى انفجرت فيه: “حراسة إيه؟ أنا مش عايزة أعيش في سجنك! أنت ليه مش قادر تفهم إن وجودك في حياتنا هو الخطر نفسه؟ ابعد عننا يا عاصم.. ابعد وسيبنا نعيش غلابة بس مستورين!”
عاصم قرب منها لدرجة إنها حست بأنفاسه، وقال بنبرة واطية وموجوعة:
“مش قادر.. جربت أبعد ولقيت نفسي برجع ليكي زي المسحور. ليلى، أنا عمري ما عرفت يعني إيه حد يخاف عليا، أو حد يبص لي كإنسان.. أنتِ غيرتي فيا حاجات كنت فاكر إنها ماتت من زمان.”
سليم كان واقف بعيد، وشايف الزعيم اللي كان بيحني رقاب الرجالة، واقف “مكسور” قدام أخته. سليم عرف إن دي بداية النهاية لعاصم اللي كان يعرفه.
عاصم قرر يعمل أخطر خطوة في حياته. جمع كبار العصابة في اجتماع سري، ودخل عليهم والشرار بيطلع من عينه. حط سلا.زحه على التربيزة وقال ببرود مرعب:
“من النهاردة، مفيش تجارة سلا.ح، ومفيش شغل مع الزيني. أنا بصفي الحسابات، واللي مش عجبه، الباب يفوت جمل.. بس اللي هيفكر يلمس شعرة من عيلة سليم، يترحم على نفسه.”
الهمهمات زادت، والعيون بدأت تلمع بالخيانة. عاصم كان عارف إنه بكده بيعلن الحرب على “إمبراطوريته” نفسها عشان خاطر بنت متعرفش عنه غير إنه “مجرم”.
بالليل، عاصم بعت لليلى رسالة واحدة: “أنا بخلص كل حاجة عشان أقدر أبص في عينك وأنا نضيف.. استنيني.”
ليلى فضلت قاعدة قدام الشباك، ماسكة الرسالة وقلبها بيدق بين الخوف عليه وبين الأمل إن الراجل ده فعلاً يتغير. لكن في الوقت ده، الزيني كان بيجمع رجالته وبيرسم خطة عشان ينهي أسطورة “الكنج” في ليلة ملهاش صاحب.
الزيني اختار اللعب على المكشوف، وقرر يضرب عاصم في أغلى ما يملك قبل ما عاصم يلحق يصفي حساباته.
في الليلة اللي عاصم كان بيجهز فيها أوراقه عشان يسلم “الإمبراطورية” للي بعده، ليلى كانت في المستشفى بتخلص ورديتها المتأخرة. فجأة، النور قطع في الممر اللي هي فيه، وقبل ما تنطق، كانت في إيدين سحبتها وكتمت نفسها.
عاصم كان في مكتبه لما جاله اتصال فيديو من رقم مجهول. فتح الموبايل، وشاف ليلى مربوطة على كرسي في مخزن مهجور، والزيني واقف وراها وبيمشي طرف مطواته على وشها.
الزيني بضحكة مستفزة: “شوفت يا كنج؟ الحب بيخلي الأسد قطة. كنت فاكر إنك تقدر تخرج من عالمنا بكلمتين؟”
عاصم وعروق رقبته هتنطق من الغل: “لو لمست شعرة منها يا زيني، هخلي موتك حكاية تتحكي لسنين.. ليلى ملهاش دعوة!”
الزيني: “ليلى هي تمن خروجك.. تيجي لوحدك، ومعاك ملفات الحسابات كلها، وتسلمني الساحة، وممكن.. أقول ممكن، أسيبك تعيش معاها يومين في ضل الحيط.”
عاصم مكلمش حد من رجالته، كان عارف إن فيهم خونة. بص لسلا.حه اللي مبيفارقوش، وبص لصورة سليم وليلى اللي كانت في جيبه، وقرر يروح “انتحاري”.
وصل عاصم للمخزن المهجور في وقت قياسي. دخل ببرود غريب، حاطط إيده في جيوبه، وعيونه بتدور في المكان زي الصقر. الزيني كان محاوط نفسه بعشرين راجل مسلحين.
الزيني: “أهلاً بالبطل.. فين الملفات؟”
عاصم: “سيب البنت الأول، الملفات في العربية بره، ومحدش هيعرف مكانها غيري.”
ليلى كانت بتبص لعاصم بعيون مرعوبة، بس فيها نظرة ندم، كأنها بتقوله “أنا اللي جبتلك كل ده”. عاصم غمز لها بعينه غزة صغيرة، كأنه بيطمنها.
وفجأة، الدنيا اتقلبت. عاصم مكنش جاي لوحده “بالكامل”، سليم رغم جرحه كان متخبي في مكان قريب ومعاه قناصة من الرجالة اللي لسه ليهم ولاء لعاصم.
بمجرد ما عاصم رمى قنبلة دخان كانت في جيبه، الرصاص بدأ يشتعل من كل حتة. عاصم رمى نفسه ناحية ليلى، غطاها بجسمه وهو بيضرب نار في كل اتجاه.
عاصم وهو بيحاول يفك ليلى: “متخافيش.. أنا جنبك، مكنش ينفع أسيبك.”
ليلى بصراخ: “عاصم، وراك!”
عاصم لف بسرعة، بس رصاصة من الزيني كانت أسرع، وسكنت في جنبه. عاصم مقعش، كمل وضرب الزيني في رجله وفي إيده اللي ماسكة السلا.ح، ووقع الزيني على الأرض بيصرخ.
عاصم مسك الزيني من رقبته وهو بينزف، ووجه المسد..س لراسه: “أنا كنت ناوي أسيبك تعيش وتشوفني وأنا بنضف.. بس أنت اخترت تموت قذر.”
صوت طلقة واحدة أنهى حكاية الزيني للأبد.
سليم ورجالة عاصم سيطروا على المكان. ليلى جريت على عاصم اللي ساند على الحيطة ووشه بدأ يصفر. حطت إيدها على جرحه وهي بتبكي بانهيار:
ليلى: “أنت مجنون.. ليه عملت كدة؟ ليه جيت؟”
عاصم بابتسامة وجع: “عشان في حد يستاهل أعيش عشانه.. وأموت عشانه كمان يا ليلى.”
بعد شهر، الدنيا كانت هادية. عاصم كان قاعد في جنينة بيت صغير بعيد عن المدينة، دراعه متجبر ولسه في آثار تعب. ليلى خرجت له ومعاها كوباية شاي، قعدت جنبه وبصت للسما.
عاصم: “لسه شايفة إني مجرم؟”
ليلى بصت له بحنية: “شايفة راجل اختار الطريق الصعب عشان يرجع لبني آدميته.. بس لسه لسانك طويل ومحتاج تقويم.”
عاصم ضحك من قلبه، ولأول مرة، مكنش في صوت رصاص، ولا دم، ولا خيانة. كان فيه بس ريحة الورد، وصوت البنت اللي غيرت مسار زعيم عصابة بكلمة واحدة.
هدوء الحياة الجديدة مكنش معناه إن الماضي اتمسح بأسيتون، “عاصم الكنج” مكنش مجرد اسم، ده كان تاريخ من العداوات.
وهما قاعدين في الجنينة، لمح عاصم عربية سوداء غريبة مركونة في أول الشارع. عينيه اللي اتعودت على كشف الغدر لمعت، بس محبش يقلق ليلى.
عاصم: “ليلى، ادخلي اعملي لنا قهوة، القعدة بره بدأت تبرد.”
ليلى بشك: “عاصم، مالك؟ وشك اتخطف ليه مرة واحدة؟”
عاصم بابتسامة هادية: “مفيش يا حبيبتي، بس الجرح بدأ يشد عليا شوية.”
أول ما ليلى دخلت، عاصم سحب مسد..سه اللي لسه محتفظ بيه “للطوارئ” وخرج من الباب الخلفي بكل خفة. لف من ورا العربية، وحط فوهة المسد..س على دماغ السواق.
عاصم بفحيح أفعى: “انزل من العربية يا روح أمك.. وقولي الزيني بعت مين من تربته يخلص طاره؟”
السواق نزل وهو رافع إيده، بس المفاجأة إن اللي نزل من الكنبة اللي ورا كان راجل عجوز، شعره أبيض وشكله وقور جداً، لابس بدلة غالية وساعة ألماظ. عاصم نزل المس..دس بذهول:
عاصم: “سيادة اللواء؟! أنت إيه اللي جابك هنا؟”
اللواء (بابتسامة باردة): “عاش من شافك يا عاصم. كنت فاكر إنك لما تقتل الزيني وتختفي في الريف، الملفات اللي بينا هتتقفل؟”
عاصم عرف إن ده مش عدو، ده “البعبع” اللي كان بيحمي عاصم من ورا الستار مقابل خدمات “قذرة”.
عاصم: “أنا اعتزلت يا سيادة اللواء. سبت الجمل بما حمل، والملفات اللي عندي اتحرقت.”
اللواء قرب منه وهمس: “اللي زيك مبيعتزلش.. أنت مخزن أسرار دولة. الزيني كان غبي وخلصنا منه، بس فيه صفقة (يورانيوم) داخلة البلد، ومحدش يعرف سكة المينا والمهربين غيرك. ليلة واحدة يا عاصم، ترجع فيها (الكنج)، وبعدها أوعدك ملمحش وشك تاني.”
في اللحظة دي، ليلى خرجت وشافتهم. شافت عاصم وهو واقف مع الراجل الغريب، وشافت نظرة “الزعيم” اللي رجعت لعينيه.
ليلى بوجع: “كنت عارفة.. اللي شرب من كاس الدم، مبيعرفش يرتوي بالماية النضيفة.”
عاصم بص لها بكسرة، وبص للواء وقال بجمود: “لو رفضت؟”
اللواء: “يبجى البيت الجميل ده هيتحول لرماد في خمس دقايق.. والآنسة اللي واقفة دي، مكانها محجوز في زنزانة ملهاش باب. فكر يا بطل.”
عاصم كان قدام خيارين مرّين: يا يرجع للوحل عشان يحمي ليلى، يا يهرب ويخاطر بحياتها.
بص لليلى وقال بصوت عالي عشان تسمعه: “أنا هروح يا ليلى.. بس المرة دي مش عشان الفلوس، ولا عشان السلطة. هروح عشان أقفل الباب ده بإيدي وما يفتحش تاني أبداً.”
نزل عاصم مع اللواء، وليلى وقفت مكانها بتبكي، بس المرة دي مكنتش بتبكي عليه، كانت بتبكي “عشانه”.
سليم ظهر من وراها وحط إيده على كتفها: “متخافيش يا ليلى.. عاصم مش رايح يضرب نار، عاصم رايح يقطع رقبة الماضي عشان يقدر يعيش معاكي الحاضر.”عاصم ركب العربية مع اللواء، وطول الطريق كان ساكت تماماً، عينه على الطريق وقلبه مع البنت اللي سابها وراه بتبكي. اللواء كان بيبص له بنظرة انتصار، وكأنه كسر كبرياء الأسد اللي حاول يتمرد.
وصلوا لمنطقة الميناء المهجورة، الأجواء كانت كئيبة وريحة الملح والصدأ مالية المكان. اللواء شاور لعاصم على سفينة شحن ضخمة: “الرجالة مستنيين إشارة منك يا عاصم. هتدخل، تخلص الصفقة، وتجيب العينات.. وأوراق خروجك النهائي هتكون في إيدك بكرة الصبح.”
عاصم نزل من العربية، بس قبل ما يمشي، بص للواء وقال ببرود: “أنا هخلص المهمة، بس مش عشان أوراقك.. عشان أنا اللي هكتب نهاية القصة دي بطريقتي.”
دخل عاصم المخازن، وبمجرد ما دخل، رجعت له شخصية “الكنج”؛ المشية، النظرة، الهيبة اللي بتخلي الحجر يخاف. المهربين أول ما شافوه، وقفوا كلهم انتباه.
المهرب الكبير: “عاش من شافك يا كنج! كنا فاكرينك اعتزلت عشان خاطر عيون ممرضة.”
عاصم بابتسامة مرعبة: “الأسد بياخد إجازة بس مبيسيبش الغابة.. وريني الشغل.”
وهو بيعاين الشغل، عاصم اكتشف الكارثة؛ الصفقة مكنتش مجرد يورانيوم، دي كانت عبوات متفجرة جاهزة، واللواء مكنش عايز يحمي البلد، ده كان عايز يبيعها لأعلى سعر ويخلص من عاصم عشان ميبقاش فيه شاهد.
في اللحظة دي، عاصم طلع موبايله الصغير اللي كان مخبيه، وبعت رسالة واحدة لسليم: “دلوقتي.”
فجأة، النور قطع في الميناء كله، وصوت انفجارات هزت المكان. سليم كان مجهز “رجالة الظل” اللي لسه ولائهم لعاصم، وبدأوا يضربوا نار على المهربين. عاصم في وسط الفوضى، مسك شنطة العينات، بس مخرجش بره.. هو كان مجهز فخ للواء نفسه.
خرج عاصم وهو بينهج، واللواء واقف مستنيه بلهفة: “جبتها يا عاصم؟”
عاصم: “جبتها.. بس جبت معاها هدية تانية.”
فجأة، الميناء اتحاصر بعربيات شرطة حقيقية، مش تبع اللواء. اللواء وشه جاب ألوان: “أنت عملت إيه يا مجنون؟ أنت كدة بتسلم نفسك معاهم!”
عاصم بضحكة وجع: “أنا سلمت التسجيلات اللي دارت بيني وبينك من ساعة ما ركبت معاك العربية لنيابة أمن الدولة. أنا هتحبس يا لواء، بس أنت هتعفن في السجن قبلي.”
بعد ساعات من التحقيقات، عاصم كان قاعد في مكتب رسمي، والكلبشات في إيده. الباب اتفتح ودخلت ليلى. سليم كان واقف بره وعينه في الأرض.
ليلى قربت منه، ملمستش إيده المكلبشة، بس بصت في عينه: “ليه عملت كدة؟ كنت ممكن تهرب.”
عاصم: “لو هربت، كنت هفضل هربان من نفسي طول العمر. كان لازم أنضف مكاني قبل ما أدخل بيتك يا ليلى. أنا هقضي كام سنة، بس هخرج وأنا إنسان بجد، مش مجرم مستخبي.”
ليلى مسحت دموعها وابتسمت وسط الوجع: “أنا هستناك.. والبيت اللي سيبته، هيفضل مفتوح، والورد اللي زرعته هيفضل صاحي لحد ما ترجع تسقيه.”
النهاية:
عاصم قضى عقوبته، وخرج بعد 3 سنين “حسن سير وسلوك” وبتوصية من جهات عليا لخدمته في كشف الخيانة. يوم خروجه، لقى عربية بسيطة واقفة قدام السجن، سليم ورا الدريكسيون، وليلى واقفة بره، لابسة فستان أبيض بسيط وشايلة في إيدها وردة.
عاصم مشي ناحيتها، ولأول مرة في حياته، محطش إيده في جيبه يدور على سل.اح، حط إيده في إيد ليلى وقال: “دلوقتي بس.. حياتي بدأت.”
بعد ما عاصم مسك إيد ليلى وبدأت حياتهم “النضيفة” فعلاً، اشترى حتة أرض صغيرة بعيدة عن زحمة القاهرة وصداعها، وعمل فيها مشتل ورد ومزرعة خيول صغيرة. سليم فضل معاه، بس المرة دي مكنش “سواق” ولا “حارس”، كان شريكه وأخوه.
الحياة كانت هادية وجميلة، وليلى رجعت لشغلها في التمريض، وعاصم كان هو اللي بيوصلها كل يوم ويرجع ياخدها، والناس في المنطقة مكنوش يعرفوا عنه غير إنه “الحاج عاصم” الراجل الوقور اللي بيحب الورد.
المشهد الأخير: الاختبار الأخير
في يوم، عاصم كان قاعد في المشتل، ودخل عليه شاب صغير، وشه فيه ندبة قديمة، وعينه مليانة غل. الشاب وقف قدام عاصم وحط “مطواة” على التربيزة.
الشاب: “أنت عاصم الكنج؟”
عاصم (بمنتهى الهدوء): “كنت.. دلوقتي أنا عاصم بتاع الورد. تشرب شاي يا ابني؟”
الشاب بصراخ: “أنت قتلت أبويا في عركة الميناء من 4 سنين! أنا جاي أخد طاري.”
عاصم قام وقف، وبص للشاب نظرة خلت ركب الشاب تخبط في بعضها، هيبة “الكنج” لسه موجودة، بس المرة دي كانت مخلوطة بحكمة. عاصم مسك المطواة من على التربيزة، مش عشان يضرب بيها، لا.. قفلها وحطها في جيب الشاب.
عاصم: “أبوك مات وهو بيبيع بلده.. وأنا قضيت عمري في الضلمة وضيعت سنين من عمري في السجن عشان أفهم إن الطار مبيجبش غير دم، والدم مبيجيبش غير وجع قلب. لو قتلتني دلوقتي، ليلى هتتكسر، وسليم هيقتلك، وهتفضل الدايرة تلف لحد ما نخلص على بعضنا.”
عاصم لف ضهره للشاب واداله وردة بيضاء: “خد دي وروح لمامتك.. وقول لها إن عاصم الكنج مات، واللي عايش دلوقتي راجل بيحاول يكفر عن ذنوبه.”
الشاب اتهز من جوه، دموعه نزلت، وخد الوردة ومشي وهو مش مصدق إن “الأسطورة” اللي كان بيسمع عنها بالدموية دي، طلعت بالرحمة دي.
النهاية السعيدة
بالليل، ليلى كانت قاعدة مع عاصم في البلكونة، حكت له إنها النهاردة ساعدت في ولادة طفل جديد في المستشفى وسموه “عاصم” على اسمه.
عاصم ضحك وضمها ليه وهو بيبص للقمر:
“عارفة يا ليلى.. طول عمري كنت فاكر إن القوة في السلا.ح وفي إن الناس تخاف مني. بس اكتشفت إن القوة الحقيقية هي إني قدرت أخليكي تحبيني، وإني قدرت أنام بالليل وأنا مش خايف من بكرة.”
ليلى سندت راسها على كتفه وقالت: “أنت بطل قصتي يا عاصم، مش عشان كنت (كنج)، عشان كنت راجل كفاية إنك تتغير عشاني.
تمت





