هوس لايف
مايا خالد

هوس اللايف بقلم مايا خالد
كانت قاعدة بملل، ومسكت موبايلها بزهق وفتحت لايف عشان تضيع وقت مع المتابعين. بدأت تضحك وتهزر معاهم وهي بتقول بعفوية:
يا جماعة فككم مني.. مستحيل أصلاً يجي يوم وألاقي حد مهووس بيا أو بيفكر فيا لدرجة الجنون، أنا حياتي عادية ومملة لدرجة تخلي أي حد يزهق!
ضحكت وهي بتبص في الكاميرا، وكانت منغمسة تماماً في قراءة التعليقات اللي نازلة زي الشلال.. إنتي قمر، والله بنحبك، ضحكتك تجنن.. كانت فرحانة بالتفاعل واللمة دي.
بس في الناحية التانية، وفي ركن ضلمة خالص، كان قاعد قدام شاشة كبيرة، مفيش أي صوت في غرفته غير صوت نفسها وهي بتضحك طالع من السماعات. عينيه كانت مركزة على تفاصيل وشها، لدرجة إنه كان بيعد المرات اللي بترفع فيها شعرها ورا ودنها.
لما قالت الجملة دي، هو مضحكش.. بالعكس، ميل راسه لورا ببطء، وطلعت منه ابتسامة غريبة، وهمس للشاشة بصوت واطي:
مملة! إنتي متعرفيش إن تفاصيلك المملة دي هي اللي مخلية عقلي مبيبطّلش تفكير فيكي.. إنتي مفيش حد شافك بجد غيري يا تايا.
مد إيده ولمس الشاشة عند طرف وشها، وكأنه بيتحسس ملامحها، في الوقت اللي هي كانت بتضحك فيه على نكتة كتبها واحد من المتابعين، وهي مش عارفة إن فيه عينين مابتغفلش عنها، ومستنية اللحظة اللي الـ لايف ده يخلص.. عشان يبدأ هو حقيقته.
فجأة، وسط زحمة الكومنتات اللي بتجري قدام عيون تايا، ظهر حساب من غير صورة، وباسم عبارة عن أرقام وبس، كتب جملة واحدة وقفت قلبها:
الخاتم اللي في إيدك اليمين.. بلاش تلمسيه كتير وأنتي متوترة، بيخليكي تباني ضعيفة.
تايا سكتت تماماً، ضحكتها اختفت وتجمدت ملامحها. بصت للخاتم اللي في إيدها، وفعلاً لقت نفسها كانت بتلعب فيه من غير ما تاخد بالها. حاولت تبلع ريقها وترسم ابتسامة باهتة وقالت بصوت مهزوز شوية:
أووه.. فيه حد هنا دقيق الملاحظة بزيادة! شكلك بتدرس لغة جسد يا مجهول؟
ضحكت ضحكة قصيرة عشان تداري توترها، بس قاسم ورا شاشته كان في عالم تاني. كان بيستنشق ريحة عطرها اللي هو تخيلها من كتر ما هو حافظ نوع البرفان اللي بتستخدمه. مسك المايك وسجل رسالة صوتية بس مبعتهاش، فضل يسمعها لنفسه وهو بيبص لعينيها الخايفة:
أنا مش بدرس لغة جسد.. أنا بدرسك أنتي. عارف إنك لما بتخافي بتبدأي ترمشي بسرعة، وعارف إنك دلوقتي بتفكري تقفلي اللايف وتدخلي تستخبي تحت بطانيتك.. بس حتى هناك، أنا موجود.
في اللحظة دي، النور في طرقة شقة تايا رعش وفصل.. وبعدين رجع تاني.
تايا شهقت وبصت وراها بسرعة، المتابعين في الكومنتات بدأوا يسألوها: في إيه؟ تايا أنتي كويسة؟ الكهرباء عندكم مالها؟
قربت من الموبايل وهي وشها شاحب، وهمست بصوت يكاد يُسمع:
يا جماعة.. أنا هقفل دلوقتي. حاسة إني تعبانة شوية.. تصبحوا على خير.
أول ما داست على زرار إنهاء البث، الشاشة اسودت. وفي نفس اللحظة، سمعت صوت تكة إشعار رسالة جديدة على موبايلها.. بس المرة دي مش على اللايف، دي رسالة خاصة على الواتساب من رقم غريب:
ليه قفلتي؟ لسه السهرة بدأت.. افتحي باب البلكونة، الجو بره أحلى بكتير من كتمة الأوضة دي.مايا خالد
تايا رمت الموبايل من إيدها كأنه جمرة نار، ونظراتها اتجهت ببطء ورعب ناحية ستارة البلكونة اللي بدأت تتحرك مع الهوا..
جسمها كله بدأ يرتعش، ورجليها مقتش شايلة وزنها. فضلت مكانها في نص الأوضة، عينيها مثبتة على الستارة اللي بتتحرك ببطء، وكأن فيه حد واقف وراها وبياخد نفسه.
سحبت موبايلها بإيدين بترجف عشان تتصل بأي حد، بس قبل ما تدوس على أي رقم، الموبايل نور تاني في إيدها.. رسالة جديدة:
بلاش تتصلي بحد يا تايا.. مش عاوزين ندخل غريب بيننا في أول ليلة لينا مع بعض، صح؟
تايا حست إن الأوكسجين في الأوضة بدأ يخلص، صرخت بصوت مكتوم:
إنت مين؟! وعاوز مني إيه؟!
الصوت مجاش من ورا الستارة، الصوت جه من “سبيكر” الموبايل بتاعها نفسه! قاسم كان مخترق الموبايل بالكامل، وصوته الهادي الرزين طلع فجأة يملى هدوء الأوضة:
أنا اللي بيحبك أكتر من أي حد في الكومنتات اللي كنتِ بتضحكي ليهم.. أنا اللي حافظ عدد خطواتك من باب البيت لحد السرير.. أنا قاسم يا تايا، والاسم ده لازم يفضل محفور في عقلك من النهاردة.
اتجمعت الدموع في عينيها وقالت وهي بتنهج من الرعب:
قاسم مين أنا معرفش حد بالاسم ده! اخرج من حياتي.. أنا هبلغ البوليس!
ضحكة خفيفة وباردة طلعت من الموبايل، وتبعها صوت تكة غريبة جاية من ركن الأوضة.. وفجأة، نور صغير أحمر نور في فتحة التكييف.
تايا شهقت وهي مدركة الحقيقة البشعة: فيه كاميرا مخفية في أوضتها!
قاسم قال بنبرة فيها حنان مزيف يخوف:
البوليس مش هيلحق يا حبيبتي.. وبعدين، أنتي مش شايفة إن شكلك وانتي خايفة أحلى بكتير من وأنتي بتتصنعي الضحك في اللايف؟ لفي وشك وبصي للكاميرا.. عاوز أشوف عينيكي وهي بتبصلي بجد.
من الرعب، تايا لفت ببطء ناحية فتحة التكييف، وكأنها بتنفذ أمره من غير وعي. وفي الناحية التانية، قاسم كان ساند ضهره على كرسيه، وعينيه بتلمع بهوس وهو شايفها بتبص لعدسة الكاميرا بتاعته مباشرة.. مسح على الشاشة كأنه بيمسح دموعها وقال:
شطورة.. دلوقتي، قومي افتحي الباب اللي وراكي.. أنا سيبتلك هدية بسيطة على العتبة.
بخطوات تقيلة وكأنها ماشية على شوك، بدأت تايا تتحرك ناحية الباب. قلبها كان بيدق في ودنها زي الطبل، وكل خلية في جسمها كانت بتقولها لا تفتحيش، بس الفضول القاتل والرعب اللي زرعه قاسم في قلبها كان أقوى.
مدت إيدها المرتعشة، مسكت المقبض، وفتحته ببطء شديد..
بصت في الأرض، لقت علبة قطيفة لونها أسود ملكي، وفوقيها وردة واحدة من فصيلة نادرة، لونها أحمر غامق جداً كأنه لون الدم.
سحبت العلبة بسرعة ودخلت قفلت الباب بالمفتاح، وسندت ضهرها عليه وهي بتنهج. فتحت العلبة بإيد بتترعش، وعينيها وسعت من الصدمة..
جوا العلبة كان فيه سلسلة رقيقة جداً، بس المشكلة مش في السلسلة، المشكلة في الدلاية اللي فيها.. كانت عبارة عن صورة صغيرة جداً ليها وهي نايمة في سريرها، متصورة من زاوية قريبة جداً، ومكتوب وراها بخط إيد دقيق:
أجمل لحظات حياتي هي اللي بقضيها وأنا براقب أحلامك.. نامي يا تايا، أنا لسه موجود.
الشهقة اتكتمت في زورها، السلسلة وقعت من إيدها وكأنها مكهربة. الصورة دي متصورة من جوه الأوضة! يعني قاسم مكنش بس بيراقب من كاميرات، ده كان هنا.. في المكان اللي هي بتعتبره أمانها الوحيد.
صوته رجع تاني من الموبايل، بس المرة دي كان صوته أقرب، وكأنه واقف وراها بالظبط:
معجبتكيش السلسلة؟ دي غالية عليا أوي.. قضيت ليالي وأنا بشوفك وأنتي لابساها في خيالي
تايا صرخت بهستيريا:
أنت فين؟! اخرج ووريني نفسك! أنت عاوز مني إيه يا مجنون؟!
فجأة، الموبايل سكت.. الكاميرا اللي في التكييف طفت.. والنور اللي في الأوضة كله انطفى. ساد ظلام دامس ملوش آخر، ومفضلش غير صوت الهوا اللي داخل من البلكونة اللي اتفتحت لوحدها بالراحة.
وسط الضلمة دي، سمعت صوت خطوات رجلين هادية، واثقة، وبتقرب منها في الصالة.. وصوت كبريت بيتشخط، ونور صغير ولع في ركن الأوضة، بين خياله وهو واقف بطوله، ملامحه كانت حادة وعينيه بتلمع ببريق غريب تحت ضوء الولعة الصغيرة.
قفل الولعة، وبقت الأوضة ضلمة تاني، بس صوته همس في ودنها وهو قريب جداً لدرجة إنها حست بأنفاسه:
أنا مش عاوز كتير يا تايا.. أنا بس عاوزك تعرفي إنك من النهاردة، بقيتي مِلكي.. ومستحيل تهربي من حد بيحبك لدرجة إنه يقـ.تلك عشان متبقيش لغيره.
تايا حست إن لسانها اتربط، وصوتها ضاع في حنجرتها. كانت عاوزة تصرخ، تلم الدنيا، تطلب نجدة.. بس عضلات جسمها كلها كانت متجمدة، كأن نظرات قاسم في الضلمة عبارة عن سلاسل رابطاها في مكانها.
الظلام كان تقيل، بس هي كانت حاسة بوجوده الضخم وهو بيتحرك حواليها زي الصياد اللي بيحاصر فريسته. سمعت صوت سحاب جاكيت بيتقفل، وبعدها حسيت بإيده الباردة بتلمس طرف وشها ببطء مرعب.
انتي بتترعشي ليه؟ همس قاسم بصوت ناعم ومستفز، مش إنتي اللي كنتِ بتقولي مستحيل حد يهتم بيكي؟ أديني جيت.. وأديني مهووس بيكي لدرجة إني عارف أنك مأكلتيش حاجة من الصبح غير سندوتش واحد، وعارف إنك كنتِ بتعيطي امبارح وأنتي بتتفرجي على فيلمك المفضل.
تايا أخيراً قدرت تطلع صوت مبحوح:
إنت دخلت هنا إزاي؟ اطلع بره.. أرجوك اطلع بره!
قاسم ضحك ضحكة مكتومة، وقرب من ودنها أكتر لدرجة إنها حست بدق قلبه:
أنا مابطلعش من مكاني يا تايا.. أنا هنا من زمان. السكوت اللي كنتِ بتسمعيه في الشقة؟ ده كان أنا وأنا بكتم نفسي عشان متسمعيش وجودي. الفراغ اللي كنتِ بتحسيه وراكي؟ ده كان خيالي.
فجأة، قاسم ولّع كشاف صغير في إيده، ووجهه ناحية الدولاب بتاعها. الباب كان موارب شوية، وبحركة سريعة فتحه بالكامل.. تايا شهقت وصبت عرق بارد لما شافت إن ظهر الدولاب كان مخلوع ومفتوح على فراغ في الحيطة، وكأنه باب سري لغرفة تانية أو ممر ضيق!
قاسم بصلها بعيون واسعة ومليانة جنون وقال:
كنت بشوفك وأنتي نايمة من هنا.. كنت بسمع أحلامك وأنتي بتهمسي بيها. أنتي عمرك ما كنتِ لوحدك يا تايا.. أبداً.
مد إيده وسحبها من دراعها بقوة بس من غير عنف مفرط، وكأنه بيحافظ على لعبة غالية عليه:
دلوقتي.. اللايف خلص بجد. والجمهور مشي.. مفيش غيري أنا وأنتي. تعالي أوريكي أنا كنت عايش فين طول الشهريين اللي فاتوا وأنتي مش حاسة.
تايا بدأت تقاوم وتخربش في إيده وهي بتصرخ:
سيبني! يا ناس! الحقونييي!
بس قاسم بلمحة بصر كان حاطط إيده التانية على بوقها، وضغط بجسمه عليها لدرجة إنها اتلصقت في الحيطة، وهمس بعيون مبرقة:
لو صرختي تاني.. هضطر أزعل منك. وأنتي مش عوزاني أزعل.. صح؟
دموع تايا نزلت بغزارة على إيد قاسم اللي كانت كاتمة صوتها، ونظراتها كانت كلها رجاء إنه يسيبها. لكن هو كان في عالم تاني خالص، كان بيبص لدموعها وكأنها لؤلؤ غالي، قرب وشه منها لدرجة إن أنفاسه بقت بتخبط في وشها وقال بنبرة هادية تخوف:
الدموع دي غالية عليا أوي.. بلاش تضيعيها على الفاضي، وفريها للي جاي.
شال إيده عن بوقها ببطء، وكأنه واثق إنها مش هتصرخ من كتر الرعب. سحبها من وسطها وقربها للممر الضيق اللي ورا الدولاب، وبصوت يشبه الفحيح قال:
ادخلي.. عاوزك تشوفي مملكتك.
تايا دخلت وهي بتترعش، والممر كان ضيق جداً ومضلم، بس في آخره كان فيه نور خافت. أول ما وصلت لنهاية الممر، لقت نفسها في أوضة صغيرة جداً، مخفية ورا جدار شقتها.. أوضة مكنتش تعرف بوجودها أصلا.
عينيها وسعت من الصدمة وهي بتبص على الحيطان.. كانت متغطية بـ مئات الصور ليها!
صور وهي بتضحك، صور وهي نايمة، صور وهي قاعدة في البلكونة، وصور تانية وهي بتعيط. وفي نص الأوضة كان فيه شاشات عرض كبيرة، متوصلة بكل ركن في شقة تايا.. حتى الحمام والمطبخ!
إنت.. إنت عملت كل ده إزاي؟ قالتها تايا وصوتها بيقطع من الصدمة.
قاسم وقف وراها وحط إيديه على كتافها وهو بيبص للشاشات بفخر:
الحب بيعمل المعجزات يا تايا. أنا مسبتكيش لحظة واحدة.. كنت معاكي وانتي بتشربي قهوتك الصبح، وكنت معاكي وانتي بتكلمي مامتك في التليفون.. أنا عارف عنك أكتر مما تعرفي عن نفسك.
فجأة، واحدة من الشاشات نورت وجابت صورة لايف لباب شقة تايا من بره. كان فيه واحد من الجيران واقف بيخبط بلقلق: تايا؟ أنتي كويسة؟ سمعنا صوت صرخة!
تايا حاولت تتحرك ناحية المخرج، بس قاسم مسكها من شعرها بخفة ورجعها لورا، وطلع من جيبه سكينة صغيرة وبدأ يلعب بيها قدام عينيها وهو بيبص للشاشة ببرود:
لو نطقتي بحرف، الجار ده مش هيرجع لبيته تاني.. تفتكري روحه تستاهل إنك تخاطري عشانها؟
سكتت تايا تماما، وجسمها كله بقى بينتفض. قاسم قرب من ودنها وهمس:
شطورة.. دلوقتي خليه يمشي بزووق، وإلا هضطر أخليه عبرة لكل اللي بيحاولوا يقربوا من حاجتي الخاصة.
مد إيده وفتح المايك اللي متوصل بسبيكر مخفي عند باب الشقة من بره، وشاور لـ تايا إنها تتكلم..
وقفت تايا قدام المايك وعينها على السكينة اللي في إيد قاسم، والسكينة كانت بتلمع تحت نور الشاشات الخافت. قاسم قرب السكينة من رقبتها ببطء، مش عشان يعورها، بس عشان يحسسها ببرودة المعدن ويفكرها إن أي غلطة بتمن.
الجار خبط تاني بصوت أعلى: يا آنسة تايا؟ حضرتك موجودة؟ لو فيه حاجة ردي علينا!
قاسم شاور لها بصباعه على بوقه بمعنى اششش، وبعدين أشر لها تتكلم.
تايا بلعت ريقها بصعوبة، وحاولت تظبط نبرة صوتها اللي كانت طالعة مهزوزة ومكتومة:
أنا.. أنا كويسة يا أستاذ حاتم.. معلش، كنت بتفرج على فيلم رعب وصوت التليفزيون كان عالي شوية.. أنا آسفة لو أزعجتكم.
الجار سكت ثانية، وكأنه مكنش مقتنع أوي، بس رد وقال: أكيد؟ صوتك طالع غريب يا بنتي، لو محتاجة مساعدة إحنا موجودين.
قاسم ضغط بالسكينة سنة زيادة على رقبتها، فغمضت عينها وقالت بسرعة:
لا لا بجد.. أنا تمام، وشكراً جداً لسؤالك.. تصبح على خير.
سمعت صوت خطوات الجار وهو بيبعد، ومع كل خطوة كانت بتحس إن الأمل في النجاة بيبعد هو كمان. أول ما الخطوات اختفت، قاسم ساب رقبتها ولفها ليه، وبص في عينيها بإعجاب مرعب:
برافو يا تايا.. طلعتي ممثلة شاطرة أوي. الحب اللي بينا لازم يفضل سر، محدش يفهمه غيرنا.
رمى السكينة على التربيزة وقعد على كرسي قدام الشاشات، وشاور لها تقعد على الأرض قدامه. تايا قعدت وهي منهارة، وبدأت تسأله بهستيريا:
إنت عاوز إيه؟ لو عاوز فلوس خدي اللي أنتي عاوزه.. لو عاوزني أسيب الشقة هسيبها وأختفي.. بس سيبني أمشي!
قاسم ميل راسه وبصلها باستغراب وكأنها بتقول نكتة: مايا خالد
فلوس؟ الفلوس دي وسيلة عشان أبقى قريب منك بس. أنا صرفت كتير عشان أشتري الشقة اللي ورا شقتك دي وأفتح الممر ده.. وصرفت أكتر عشان أزرع الكاميرات دي في كل حتة وانتي مش هنا.
قام وقف ومشي ناحية لوحة كبيرة متغطية بقماش أسود، وشد القماش فجأة.
تايا كتمت صرختها بإيدها.. اللوحة كانت عبارة عن شجرة عيلة بس لـ تايا لوحدها. صور ليها وهي طفلة، صور لشهادات ميلادها، صور لصحباتها في المدرسة، وحتى صور لناس كانت تعرفهم وقطعت علاقتها بيهم.
قاسم شاور على صورة لواحد كان زميلها في الشغل: فاكرة ده؟ اللي حاول يتقرب منك من سنة؟
تايا هزت راسها برعب، فكمل قاسم ببرود: ده مبقاش موجود دلوقتي.. أنا شيلته من طريقك عشان كان بيضايقك بنظراته.
هنا تايا فهمت إن الموضوع مش مجرد مراقبة.. الموضوع فيه دم. قاسم قرب منها وحط إيده على شعرها وقال بنبرة حنينة تقبض القلب:
دلوقتي يا حبيبتي.. إحنا هنعيش هنا مع بعض. مش محتاجة تطلعي اللايف تاني وتكلمي غرباء.. أنا جمهورك الوحيد.. وأنا حياتك كلها.
فجأة، نور الشاشة الرئيسية اتغير، وجاب صورة لايف تانية.. بس المرة دي كانت صورة لمامت تايا وهي نايمة في بيتها!
قاسم همس: تفتكري مامتك هتوحشك؟ ولا تحبي أجيبها تعيش معانا في الأوضة اللي جنبك؟
تايا حست بركبها سابت تماماً ووقعت على الأرض وهي بتبص لصورة مامتها على الشاشة. الرعب المرة دي مكنش عليها، كان على الست الوحيدة اللي باقية لها في الدنيا. صرخت بصوت مكتوم ومنهار: لأ.. أبوس إيدك لأ! مامتني ملهاش دعوة.. قاسم، أرجوك، أنا هعمل كل اللي إنت عاوزه، بس ابعد عنها!
قاسم نزل لمستواها على الأرض، وشال خصلة شعر من على وشها المبلول بالدموع، وابتسم ابتسامة هادية جداً، وكأنه أب بيطمن بنته:
طول ما أنتي شطورة وبتسمعي الكلام، مامتك هتفضل نايمة في سلام.. أنا مش وحش يا تايا، أنا بس بحميكي من العالم اللي بره، وبحمي نفسي من وجع بعادك.
قام وقف ومد إيده ليها عشان تقوم:
قومي.. جهزتلك مفاجأة تانية.
سحبها من إيدها وخرج بيها من الأوضة الصغيرة، بس المرة دي مخرجش لشقتها، دخل بيها في ممر تاني أوسع شوية، آخره كان فيه باب حديد تقيل. فتح الباب، وتايا لقت نفسها في جناح كامل، متصمم بدقة مرعبة.. نفس لون دهان أوضتها، نفس ريحة المعطر اللي بتحبه، وحتى لبسها اللي كان في دولاب شقتها، لقت نسخة منه متعلقة هنا!
ده بيتك الجديد يا تايا.. مفيش كاميرات هنا، أنا مش محتاجها خلاص، لأنك هتبقي قدام عيني طول الوقت.
تايا بصت حواليها بذهول، وحست إنها في سجن ذهبي. قاسم ساب إيدها ومشي ناحية مكتب صغير عليه جهاز لاسلكي، وقال وهو مديها ضهره:
أنا دلوقتي هروح أصفي كل متعلقاتك في الشقة اللي بره.. هقفل الغاز، وهفصل الكهرباء، وهسيب ورقة بخط إيدك – اللي أنا اتعلمت أقلده بإتقان – بتقولي فيها إنك سافرتي فجأة عشان محتاجة تكوني لوحدك.
لف وش بصلها وعينيه لمعت بذكاء حاد:
محدش هيدور عليكي يا تايا.. لأن بالنسبة للعالم، أنتي اخترتي تختفي. أما بالنسبة ليا.. فأنتي أخيراً بدأتي تعيشي.
خرج قاسم وقفل الباب الحديد وراه، وسمعت صوت تكة القفل الإلكتروني. تايا جريت على الباب، خبطت عليه بكل قوتها وهي بتصرخ، بس الصوت كان مكتوم تماماً.. الأوضة كانت معزولة عن العالم.
لفّت ببطء وهي بتبص في الأركان، وفجأة لقت حاجة وقعت تحت السرير.. مشيت براحة وسحبتها.
كانت مبرد أظافر معدني صغير.. يبان تافه، بس بالنسبة لواحد محبوسة، ده كان سلاح.
في اللحظة دي، سمعت صوت قاسم من سبيكر في السقف وهو بيقول بمرح:
عشر دقايق والعشا يكون جاهز.. هعملك المكرونة اللي بتحبيها، من غير بصل، زي ما بتطلبيها من المطعم بالظبط.
تايا مسكت المبرد وضغطت عليه بقوة لدرجة إن إيدها جرحت، وبصت للباب الحديد وعينيها اتحولت من الرعب لغضب مكتوم..
بصت تايا للمبرد المعدني في إيدها، كان رفيع وضعيف، بس في عينيها كان هو الأمل الوحيد. بدأت تدور في الأوضة بسرعة وهستيريا قبل ما الـ 10 دقايق يخلصوا. بصت على الباب الحديد، لقت إنه بيشتغل بكود سري ، يعني المبرد مش هينفع معاه.
فكرتةي يا تايا.. فكري
همست لنفسها وهي بتنهج.
عينيها وقعت على فتحة التهوية اللي في سقف الأوضة. كانت ضيقة، بس مسمار الغطاء بتاعها كان باين إنه مصدي شوية. جابت الكرسي وحطته فوق السرير، وطلعت وهي بتترعش، وبدأت تستخدم طرف المبرد عشان تفك المسمار.
إيدها كانت بتعرق والمبرد بيتزحلق، وصوت ضربات قلبها كان أسرع من عقارب الساعة. مع كل لفة مسمار، كانت بتسمع صوت خروشة من الممر بره، وكأن قاسم بيقرب. وأخيراً، المسمار الأول وقع.. وبعده التاني.
شالت الغطاء براحة، ولقت وراه ممر تهوية ضيق جداً، بس فيه حاجة غريبة.. كان فيه كابلات كتير ماشية جوه.
دي كابلات الشاشات والكاميرات!
من غير تفكير، بدأت تقطع في الكابلات بكل قوتها باستخدام المبرد، وهي بتدعي إنها تقطع السلك اللي واصل بموبايله أو بالشاشات اللي بيراقب منها مامتها. فجأة، حصلت قفلة كهرباء بسيطة وطلعت شرارة، والنور في الأوضة رعش.
في نفس اللحظة، سمعت صوت رزعة قوية بره، وصوت قاسم وهو بيزعق بغضب مكتوم:
تاااايا! أنتي عملتي إيه؟ الشاشات فصلت!
سمعت صوت خطواته السريعة وهي بتقرب من الباب الحديد. نزلت من فوق الكرسي بسرعة ورجعته مكانه، ورمت المبرد تحت السرير وارتمت على السرير وعملت نفسها مغمى عليها أو بتعيط.
الباب اتفتح بحدة، ودخل قاسم وهو وشه أحمر من الغضب، وماسك تابلت في إيده بيحاول يشغله:
بقولك عملتي إيه؟ السيستم كله وقع! إزاي الكاميرات فصلت في لحظة واحدة؟
قرب منها ومسكها من كتفها بعنف عشان يرفعها، بس تايا فضلت ساكنة تماماً ومغمضة عينيها. قاسم بدأ يقلق، نبرة صوته اتغيرت من الغضب للخوف:
تايا؟ تايا ردي عليا.. أنتي كويسة؟
وهو بيميل عليها عشان يشوف نفسها، تايا فتحت عينيها فجأة.. مكنتش خايفة المرة دي، كان فيه نظرة تحدي غريبة. وفي لمح البصر، مدت إيدها وسحبت مقص صغير كان هو ناسيه في جيبه وظهر وهو بيميل، وغرزته في كتفه بكل قوتها!
قاسم صرخ من الألم والتفاجؤ، ورجع لورا وهو ماسك كتفه اللي بدأ ينزف. تايا مستنتش ثانية، زقته بكل قوتها وطلعت تجري من الباب الحديد المفتوح للممر المظلم.
وهي بتجري، سمعت صوته من وراها، بس المرة دي صوته مكنش هادي.. كان صوت وحش مجروح:
ماشي يا تايا.. اللعب بقى على المكشوف! مش هتلحقي توصلي للباب، أنا مغير الأقفال كلها!
تايا وصلت للصالة بتاعة شقتها الأصلية من خلال الممر السري، لقت الشقة فعلاً ضلمة والشبابيك متقفلة بخشب من بره كأنها مهجورة. جريت على المطبخ، مش عشان تهرب، لكن عشان تدور على أغلى حاجة عند قاسم..
لقت اللاب توب الرئيسي بتاعه اللي متوصل بكل حاجة، وجنبه صورة لمامتها.
تايا مسكت إزازة جاز من المطبخ ودلقتها على اللاب توب وعلى الكابلات وهي بتصرخ:
لو قربت مني يا قاسم.. هحرق كل تعبك! هحرق الصور والكاميرات وكل الهوس اللي إنت عايش فيه!
قاسم وقف عند مدخل المطبخ، الدم مغطي قميصه، والنار ولعت في عينيه وهو شايف شقى عمره في المراقبة بيتهدد..
وقف قاسم مكانه، ملامحه كانت بتتحول من الصدمة للجنون الخالص. كتفه بينزف بس كأنه مش حاسس بالوجع، عينيه كانت مثبتة على اللاب توب اللي غرقان بالجاز.. تعب سنين، وصوره، وتسجيلاته اللي بيعتبرها أغلى ما يملك، كلها تحت إيدها دلوقتي.
نزلّي اللي في ايدك يا تايا.. قالها بنبرة صوت واطية ومرعبة، زي فحيح التعبان، إنتي مش عارفة إنتي بتلعبي بإيه. اللي بتحرقي فيه ده هو حياتنا مع بعض.. دي ذكرياتنا!
تايا كانت بتنهج، إيدها بترعش وهي ماسكة الولاعة اللي لقتها على الرخامة، صرخت فيه:
دي مش حياة! ده مرض! إنت دمرتني، وكنت عاوز تدمر أمي.. لو قربت خطوة واحدة، هحرق كل ده، وهحرق نفسي معاهم!
قاسم بدأ يتحرك ببطء شديد، بيحاول يلف حوالين التربيزة عشان يوصل لها، وهو بيحاول يهدّي نبرة صوته تانى بمكر:
طيب اهدي.. فكري في مامتك. لو ولعتي النار هنا، البيت كله هيتحرق.. وهي كمان ممكن تتأذى لو عرفت إنك موتي. سيبيني أصلح اللي حصل، وأنا أوعدك مش هقرب منها.
تايا حست بلحظة ضعف لما جاب سيرة مامتها، بس فجأة لمحت حاجة على الشاشة المكسورة بتاعة اللاب توب.. لمحت إشعار لسه شغال في زاوية الشاشة، كان مكتوب عليه: تم رفع النسخة الاحتياطية للسحابة الإلكترونية (Cloud).
في اللحظة دي فهمت إن قاسم بيضحك عليها.. هو مش خايف على الداتا، هو بس عاوز يثبتها عشان يمسكها.
إنت كداب! صرخت تايا، وبالفعل ضغطت على الولاعة.
في ثانية واحدة، النار مسكت في الجاز، ولهب أزرق وأصفر طلع لفوق وضرب في الكابلات. قاسم صرخ صرخة هستيرية وهجم عليها، مش عشان ينقذها، لكن عشان ينقذ اللاب توب. زقها بقوة لدرجة إنها خبطت في الثلاجة ووقعت على الأرض، وبدأ يحاول يطفي النار بإيده وهو بيصرخ: لأ! صوري! ذكرياتي مع تايا!
استغلت تايا اللحظة دي، وقامت وهي بتعرج من الألم، وجريت ناحية باب الشقة الرئيسي. النار بدأت تنتشر بسرعة في المطبخ بسبب خشب الدواليب، والدخان بدأ يملى المكان.
وصلت للباب، وبدأت تحاول تفتحه بكل قوتها، بس كان مايا خالد محتاج كود أو مفتاح. افتكرت فجأة إن قاسم لما دخل الأوضة السجن كان معاه تابلت في إيده بيتحكم في كل حاجة.
بصت وراها وسط الدخان، لقت التابلت واقع على الأرض قريب من المطبخ. رجعت بقلب ميت، والحرارة كانت بدأت تزيد. سحبت التابلت، ولحسن حظها كان لسه شغال بالبصمة بتاعته. جرت إيدها على الشاشة بتدور على أي حاجة تفتح الأبواب.. لقت أيقونة مكتوب عليها Emergency Open فتح طوارئ
داست عليها، وفجأة سمعت صوت تكة في كل أبواب الشقة.
فتحت الباب وطلعت تجري في الطرقة وهي بتصرخ: حريقة! الحقوني! يا أستاذ حاتم!
الجيران بدأوا يفتحوا أبوابهم، والدخان بدأ يخرج من شقتها. في اللحظة دي، خرج قاسم من وسط الدخان، وشه كان مِسودّ من الحريقة، وإيديه محروقة، وماسك في إيده هارد ديسك واحد بس قدر ينقذه.
بص لـ تايا نظرة أخيرة.. مكنتش نظرة كره، كانت نظرة امتلاك مرعبة، وهمس بصوت سمعه الجيران:
النار مش هتطفي اللي جوه قلبي يا تايا.. هجيلك تاني، في أي لايف، في أي مكان.. أنا ضلك.
وقبل ما الجيران يمسكوه، رمى نفسه من شباك المنور اللي هو حافظه سنتيمتر بسنتيمتر، واختفى في ضلمة الليل.
مرت شهور، وتايا رجعت تعيش مع مامتها في مكان سري ومؤمن.. وفي يوم، وهي قاعدة بليل، جالها إشعار على موبايلها الجديد.
فتحت الإشعار، لقت رسالة من حساب مجهول فيها صورة ليها دلوقتي وهي قاعدة بتقرأ الرسالة، ومكتوب تحتها:
وحشتيني يا تايا.. اللايف الجاي إمتى؟
الرسالة خلت الموبايل يقع من إيد تايا وكأنه جمرة نار. جسمها كله اتنفض، وبدأت تبص حواليها في الشقة الجديدة برعب.. “إزاي؟ إحنا مغيرين كل حاجة! مفيش حد يعرف مكاني غير البوليس وماما!”
بصت من عين الباب، الشارع هادي.. بصت على الشبابيك، كلها حديد. بس الصدمة كانت إن الصورة اللي مبعوتة “دلوقتي” كانت متصورة من زاوية مستحيل حد يوصل لها، وكأنها متصورة من “جوه” الشقة.
تايا مقدرتش تسكت أكتر من كدة، وبصت للسقف وصرخت بأعلى صوتها وهي بتعيط:
“اظهر! اظهر يا قاسم! مش هتقدر تكسرني تاني! أنا بلغت عنك والبوليس بيدور عليك في كل حتة!”
فجأة، سمعت صوت ضحكة خفيفة طالعة من “اللعبة” اللي كانت محطوطة على الرف، لعبة قديمة كانت مامتها جابتها لها هدية عشان تهدي أعصابها. جريت عليها وفتحتها، ولقت جواها “جهاز تنصت وكاميرا” أصغر من حبة الرز.
في اللحظة دي، تليفون البيت الأرضي رن. رفعت السماعة وهي بتنهج، وجالها صوته اللي حفظته أكتر من اسمها:
“بلاش تكسري اللعبة يا تايا.. دي هدية غالية. وبعدين إنتي فاكرة إن البوليس يقدر يمسك ‘ضل’؟ أنا مش بني آدم يا تايا، أنا الفكرة اللي بتطاردك كل ما تغمضي عينيكي.”
تايا ردت بقوة مكنتش تعرف إنها عندها:
“إنت مش ضل، إنت مجرم مريض! والمرة دي مش ههرب.. المرة دي أنا اللي مستنياك.”
قاسم سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة فيها إعجاب مخيف:
مستنياني؟ ده أحلى خبر سمعته.. افتحي الباب يا تايا، أنا واقف وراه ومعايا الوردة اللي بتحبيها.”ة
تايا مسكت سكين المطبخ بإيد، وبالإيد التانية فتحت الباب “بجد. بس الصدمة إنها ملقتش حد! كان فيه بس وردة حمراء دبلانة محطوطة على العتبة، وجنبها فلاشة صغيرة.
أخدت الفلاشة وحطتها في اللاب توب وهي بتترعش. أول ما فتحتها، اشتغل فيديو.. كان فيديو ليها وهي بتصور اللايف الأول خالص، اليوم اللي بدأت فيه الحكاية. بس الكاميرا في الفيديو بدأت تتحرك لورا، وظهر قاسم وهو واقف وراها في نفس الأوضة من شهور، وهو بيلمس شعرها وهي مش حاسة.
وفي آخر الفيديو، ظهرت جملة مكتوبة بالدم على الشاشة:
أنا مكنتش ورا الدولاب بس يا تايا.. أنا كنت دايمًا جزء من الحكاية. افتحي الدرج اللي تحت سريرك.
جريت على الأوضة وفتحت الدرج، لقت مذكرات مكتوبة بخط إيدها هي! بس هي عمرها ما كتبت مذكرات. بدأت تقرأ بذهول.. المذكرات كانت مكتوبة بلسانها وبتحكي تفاصيل مشاعرها، أحلامها، وحتى ذكريات طفولتها اللي نسيتها.
قاسم مكنش بس بيراقبها، ده كان بيخترع حياة بديلة ليها، كان بيعيد كتابة تاريخها عشان تبقى مِلكه هو بس.
وفي آخر صفحة في المذكرات، لقت جملة واحدة لسه حبرها ناشف حالا:
دلوقتي إنتي جاهزة.. بصي وراكي.
تايا لفت ببطء.. ولقت قاسم واقف في نص الأوضة، وشه عليه آثار الحروق القديمة اللي زادته رعب، بس عينيه كانت بتلمع بدموع حقيقية.
خلصت اللعبة يا تايا..”ة قالها وهو بيفتح إيديه ليها، يا نعيش سوا في عالمنا اللي صنعته، يا نموت سوا دلوقتي.. والقرار ليكي.
كان ماسك في إيده التانية جهاز غريب، بضغطة واحدة منه، ريحة غاز بدأت تملى المكان.
تايا بصت للسكينة اللي في إيدها، وبصت لعينه.. وفهمت إن دي اللحظة اللي لازم تنهي فيها الهوس ده للأبد.
ثواني مرت وكأنها سنين، ريحة الغاز بدأت تخنق المكان، وقاسم واقف مكانه زي الصنم، عينه مابتفصلش عن عينها، مستني منها رد فعل، مستنيها تستسلم لقدرها اللي رسمهولها.
تايا حست بإن جسمها بدأ يتقل من تأثير الغاز، بس عقلها كان شغال زي الطلقة. بصت للجهاز اللي في إيده، وبعدين بصت للسكينة، وفهمت إنها لو هجمت عليه بالسكينة، هيضغط على الزرار وهيفجر المكان كله.
إنت فاكر إن ده حب يا قاسم؟ قالتها بصوت هادي ومبحوح وهي بتقرب منه خطوة بخطوة، الحب إنك تسيب اللي بتحبه يعيش.. مش تموته معاك.
قاسم ملامحه اتهزت، ودمعة نزلت على جرحه القديم: أنا حاولت يا تايا.. والله حاولت أبعد، بس العالم بره بيأذيكي، مفيش حد هيخاف عليكي زيي!
قربت أكتر لدرجة إن السكينة بقت بينها وبينه، حطت إيدها التانية ببطء على إيده اللي ماسكة الجهاز، وبصت في عينيه بنظرة حنينة مزيفة، وقالتله:
طيب لو عاوزنا نعيش سوا.. ارمي الجهاز ده. خلينا نمشي من هنا، نروح مكان مفيش فيه كاميرات ولا مراقبة.. مكان نكون فيه أنا وأنت بس بجد.
لأول مرة، قاسم بان عليه الضعف. الهوس دايمًا بيبقى محتاج قبول من الطرف التاني، وكلماتها لمست الحتة الضعيفة في عقله المريض. إيده بدأت ترخي من على الجهاز، وعينيه بدأت تغيب في حلم الحياة المثالية اللي رسمها.
بجد يا تايا؟ هتيجي معايا برضاكي؟ سألها بلهفة زي العيل الصغير.مايا خالد
هزت راسها بابتسامة باهتة: أيوه يا قاسم.. بس ارمي الجهاز.
أول ما إيده فتحت عشان يسيب الجهاز يقع على الأرض، تايا اتحولت في ثانية. بدلاً ما تستخدم السكينة فيه، استخدمت يد السكينة التقيلة وخبطته بكل قوتها في رقبته المنطقة الحساسة اللي بتفقد التوازن.
قاسم وقع على الأرض وهو بيحاول ياخد نفسه، والجهاز طار بعيد. تايا مجريتش على الباب، جريت على لعبة ممتلكاته اللي كانت في الدرج، وطلعت منها ولاعة كانت شيفاه بيستخدمها، وفتحت الشباك الوحيد اللي في الصالة وصرخت بكل قوتها:
حريييقة! غااااز! ابعدوا عن البيت!
وبعدين لفت لـ قاسم اللي كان بيحاول يقوم وهو بيزحف ناحيتها، وبكل قوة رمت السكينة بعيد وقالتله:
أنا مش هقتلك يا قاسم.. الموت راحة ليك، وأنا عاوزاك تعيش وأنت عارف إنك خسرت كل حاجة.. حتى خيالك عني.
في اللحظة دي، البوليس اللي كان مراقب موبايلها لأنها كانت مفعلة خاصية التتبع مع ظابط من وقت الحادثة الأولى كسر باب الشقة. دخلوا ومعاهم فرقة التدخل السريع.
قاسم بص لـ تايا وهي بتتسحب منهم لبره، وصرخ صرخة هزت الحيطان: تاااايا! أنتي مِلكي! حتى في السجن هراقبك! مش هسيبك!
أخدوه وهو متكلبش، ووشه في الأرض، بس المرة دي الحقيقة كانت واضحة.. المريض وقع في شر أعماله.
بعد سنة..
تايا قاعدة في كافيه في بلد تانية خالص، ملامحها هادية، وقاصة شعرها قصة جديدة تماماً. موبايلها رن، شافت الرقم.. كان رقم مامتها.
ردت بابتسامة: أيوه يا ماما.. أنا بخير، متقلقيش.
وهي بتقفل السكة، لمحت واحد قاعد في الطاولة اللي قدامها، لابس كاب وموطي راسه بيبص في الموبايل.. قلبت كيانها للحظة، ورجعت لها ذكريات الرعب.
بس المرة دي، مسكت شنطتها بكل ثقة، وقامت مشيت وهي بتبتسم لنفسها.. لأنها عرفت إن الخوف هو اللي كان بيدي لـ قاسم قوة، ومن يوم ما بطلت تخاف، قاسم مابقاش ليه وجود غير ورا قضبان حديد.
بعد مرور خمس سنين على الحادثة، تايا كانت قدرت ترجع تبني حياتها من جديد. اشتغلت مصورة فوتوغرافية، واختارت مهنة تكون هي اللي فيها ورا الكاميرا، هي اللي بتتحكم في الزوايا وفي مين يتشاف ومين لا، كنوع من أنواع التعافي النفسي.
في يوم، جالها جواب مسجل بعلم الوصول على عنوان مرسمها الجديد. فتحت الجواب وهي حاسة ببرودة في أطرافها.. كان جواب من المصحة النفسية الجنائية اللي قاسم محبوس فيها.
نحيطكم علماً بأن النزيل قاسم (…) قد توفي إثر أزمة قلبية حادة.. وبناءً على وصيته القانونية، تم توريث ممتلكاته الشخصية التي لا تخالف القانون للآنسة تايا.مايا خالد
تايا قعدت على الكرسي وهي مش مصدقة.. مات؟ معقول الكابوس انتهى بالبساطة دي؟
راحت المصحة عشان تستلم الأمانة. كانت عبارة عن صندوق خشبي صغير، مقفول بقفل قديم. الممرضة قالت لها: النزيل ده قضى الخمس سنين دول مبيتكلمش مع حد، كان بس بيرسم.. بيرسم نفس الوش بآلاف الأشكال.
فتحت تايا الصندوق في بيتها، وهي مستعدة تشوف صور مرعبة أو رسايل تهديد.. بس اللي لقته كان أغرب بكتير.
لقيت مفتاح دهبي صغير، وجنبه ورقة مكتوب فيها إحداثيات Locationلمكان في وسط الصحراء.
بفضول غريب، وكأن روح قاسم لسه بتجرجرها وراها، سافرت تايا للمكان ده. لقت هناك بيت صغير مبني وسط الخلاء، بعيد عن أي عين. فتحت الباب بالمفتاح الدهبي.. ودخلت.
البيت من جوه كان عبارة عن معرض فني مذهل. حيطان البيت كلها كانت مرسومة بإيد قاسم، بس المرة دي مكنتش صور مراقبة. كانت لوحات لتايا وهي بطلة.. تايا وهي بتضحك في وسط ورد، تايا وهي بتصور، تايا وهي بتجري بحرية.
وفي نص الصالة، كانت فيه لوحة ضخمة متغطية، شالت الغطا عنها، ولقت نفسها مرسومة وهي عجوزة، ملامحها وقورة وشعرها أبيض، وفي عينيها نظرة سلام.
وتحت اللوحة، كانت فيه رسالة أخيرة:
كنت عارف إني هسيب العالم ده قبلك.. عشان كدة صممت لك المكان ده. ده مش سجن يا تايا، ده المكان الوحيد اللي مفيش فيه كاميرات، ومفيش فيه حد بيراقبك.. حتى أنا. عيشي حياتك اللي كنت بحلم أشوفك عايشاها.. أنا دلوقتي بقيت مجرد ذكرى، والذكرى مبتأذيش.
تايا خرجت من البيت، وبصت للسما الواسعة، ولأول مرة من سنين، حست إن الهوا بيدخل صدرها من غير خوف. ولعت عود كبريت، ورمته على عتبة البيت الصغير.. وفضلت واقفة تراقب النار وهي بتاكل آخر أثر لهوس قاسم.
مع دخان النار اللي طالع للسما، تايا لفت ضهرها ومشيت.. والمرة دي، مابصتش وراها ولا مرة.
النهاية.
مايا خالد



