التمن الحقيقي بقلم مشيره محمد

 

​الجزء الأول: الثمن الحقيقي

​لما اتجوزت طنط فوزية، كنت شاب عندي 25 سنة، مفلس، غرقان في ديوني، وبنام في عربيتي الربع نقل ورا سوبر ماركت كبير.

​هي كانت ست عندها 71 سنة.. أرملة، هادية، وبتملك بيت جميل في حي هادي وراقي.

​وعشان أكون صريح.. أنا متجوزتهاش عن حب.

​كنت بقول لنفسي إنها مسألة “أكل عيش ونجاة”. أقعد معاها كام سنة، أعمل فيها الزوج المخلص والمهتم، ولما يفتكرها ربنا أورث البيت ده، وأخلص من عذابي وفقري.

​عمري ما شكيت لثانية واحدة إن فوزية كانت فاهماني وقارياني من الأول.

​وطول فترة جوازنا، كانت بتعاملني بأحسن مما أستحق بكتير.

​كانت بتطبخ لي لقمة سخنة كل يوم، اشترت لي جزمة جديدة لما جزمتي اتقطعت، وحتى الجاكيت الشتوي بتاعي لما لقت سوستته مكسورة ومبيقفلش، جابت لي واحد جديد وسابتهولي جنب الباب.

​قالت لي وقتها ببساطة: “هتتبرد يا ابني في الهدوم دي”.

​بس الحقيقة؟ أنا مكنتش بقدر أي حاجة من اللي بتعملها.

​أنا عمري ما شفت فوزية كزوجة.. كنت شايفها مجرد “محطة” ومستنيها تخلص.

​كل مشوار لدكتور كان بيشد انتباهي، كل علبة دواء تزيد على الرخامة كانت بتفكرني إن في يوم من الأيام، كل المكان ده هيبقى ملكي لوحدي.

​عارف إن الكلام ده شكله يكسف ويوجع دلوقتي.. بس زمان، كنت شايف نفسي واقعي وبأمن مستقبلي.

​لحد ما جه يوم الصبح، وفوزية وقعت من طولها في المطبخ.. وبعدها بثلاث أيام، راحت للي خلقها.

​في العزا، قرايبها كانوا بيبصوا لي بقرف وكأني حشرة.

​سمعتهم ودانتي وهم بيهمسوا: “جوز الست.. أهو خد اللي هو عايزه ومشي”.

​وبصراحة، أنا نفسي كنت فاكر إن ده اللي حصل.

​لكن الصدمة الحقيقية كانت في مكتب المحامي.. لما قعدنا عشان يقرا الوصية، وحسيت إن بطني بتتلوى من المغص.

​البيت كله راح لبنت أختها.. وأغلب فلوسها في البنك اتبرعت بيها للجمعيات الخيرية.. وأنا؟ مخدتش مليم واحد! طلعت من المولد بلا حمص.

​وفجأة، المحامي طلع كرتونة حيزبونة قديمة (علبة جزمة) وحطها قدامي على الترابيزة.

​كان مكتوب عليها من فوق بخط فوزية المنظم والجميل: “إلى أحمد”.

​عقدت حواجبي وبصيت للمحامي: “إيه ده؟”

​المحامي بص لي بنظرة هادية وغامضة وقال لي:

“الست فوزية سابتلك دي.. وقالت لي أقولك: ده التمن الحقيقي للي أنت تعبت فيه واستحقيت تجمعه”.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *