التمن الحقيقي بقلم مشيره محمد

​الفصل الرابع: نقطة ومن أول السطر

​فاتت سنة كاملة على موت فوزية.

السنة دي غيرتني تماماً. بعت العربية الربع نقل، وبفلوسها وبمساعدة واحد صاحبي، فتحت ورشة صغيرة لتصليح الأجهزة الكهربائية. اشتغلت ليل ونهار، كنت بهرب من ذكرياتي ومن تأنيب الضمير بالهلكة في الشغل.

​الكشكول بتاع فوزية مكنش بيفارق درج مكتبي في الورشة. كل ما الشيطان يلعب في دماغي أو أطمع في حاجة مش بتاعتي، كنت بفتحه وأقرا جدول الفواتير وجملتها الأخيرة: “ده التمن الحقيقي للي أنت تعبت فيه”.

​في يوم من الأيام، وأنا شغال في الورشة، لقيت بنت صغيرة داخلة ومعاها خلاط مكسور. وبصوت مكسوف قالت لي: “عمو.. ماما بتقولك الخلاط ده باظ، وإحنا محتاجينه ضروري بس مش معانا فلوس نصلحه دلوقتي.. ينفع تسيبه عندك وتعمله وماما هتجيب الفلوس أول الشهر؟”

​بصيت للبنت، وافجأة افتكرت نفسي لما كنت بروح أطلب حاجات بالدين وأنا مكسور. وافتكرت فوزية لما كانت بتشتري لي الحاجة وتديهالي من غير ما تحسسني بالذل.

​ابتسمت للبنت وقلت لها: “هاتي يا حبيبتي الخلاط. وقولي لمامتك الخلاط تصليحه هدية من الورشة بمناسبة شهر رمضان، وملناش فلوس عندكم”.

​البنت فرحت جداً وجريت. في اللحظة دي، حسيت براحة غريبة لأول مرة في صدري من سنة. حسيت إن روحي بدأت تنضف.

​أنا اتعلمت الدرس الصعب.. الدرس اللي دفع ثمنه عمر ست طيبة وثمنه شرفي وكرامتي قدام نفسي. الفلوس والبيوت بتروح وتيجي، بس القلوب الصادقة والناس اللي بتهتم بيك بجد لما تضيع.. مابتتعوضش. فوزية سابت لي أغلى ورث ممكن إنسان يسيبه للتاني: سابت لي “ضميري”.

​📌 النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *