التمن الحقيقي بقلم مشيره محمد

وفي آخر صفحة من الكشكول، كتبت:
”أنا متجوزتكش عشان محتاجة راجل، أنا اتجوزتك عشان صعبت عليا.. شفت فيك ابني اللي مات وهو صغير، وكنت فاكرة إن الحنية هتحنن قلبك. بس أنت كنت بتعد الأيام، وبتعد علب الدوا. عشان كده، العلبة دي فيها كل الفواتير اللي أنا دفعتها عشانك، وفيها ساعتك وسلسلتك اللي أنا شيلتهم عندي عشان كنت عارفة إنك هتبيعهم عشان تصرف على قعدتك على القهوة. ده اللي أنت ‘استحقيته’ وتعبت فيه.. حساباتك القديمة معايا. أما بيتي وفلوسي، فدول يروحوا للي حبني لشخصي، مش للي حبني عشان يورثني.”
الفصل الثالث: مواجهة مع النفس
خرجت من مكتب المحامي وأنا شايل علبة الجزمة تحت باطي كأني شايل جثتي. الدنيا برا كانت زحمة، وصوت كلاكيس العربيات في شوارع القاهرة كان عالي، بس أنا مكنتش سامع غير صوت فوزية وهي بتقول لي: “هتتبرد يا ابني في الهدوم دي”.
رجعت للبيت.. البيت اللي مابقاش من حقي أدخله تاني. بنت أختها، هدى، كانت واقفة مع جوزها بيغيروا قفل الباب الخارجي. أول ما شافتني، نظرتها كانت مليانة احتقار.
هدى قالت بنبرة حادة: “أظن المحامي فهمك كل حاجة يا أحمد؟ ملكش مكان هنا، والشنطة بتاعت هدومك القديمة والجديدة اللي خالتي اشترتهالك جاهزة عند البواب. مش عايزين نشوف وشك هنا تاني”.
وقفت مكاني، مكسور، عاجز عن الرد. لو كان ده من شهر، كنت زعقت وقولت أنا جوزها وليا حق الشرع، لكن الكشكول اللي في إيدي كسر ضهري.
قلت بصوت مبحوح: “أنا مش عايز حاجة.. أنا بس عايز أدخل أقول لها آسف في صلاتي جوه أوضتها”.
جوز هدى خطى خطوة لقدام وقال بغضب: “تتأسف لمين؟ بعد ما كنت مستني تموت؟ خالتي ماتت وهي قرفانة من نظراتك. لم نفسك وامشي بالذوق بدل ما نطلب لك البوليس”.
أخدت الشنطة من البواب ومشيت. ركبت عربيتي الربع نقل القديمة. رميت الشنطة ورا، وقعدت ورا الدريكسيون. حطيت علبة الجزمة على الكرسي اللي جنبي. فتحتها تاني، وطلعت السلسلة الفضة بتاعت أمي. لبستها في رقبتي، ولبست الساعة القديمة.
بدأت أعيط بحرقة.. عياط عمري ما عيطته قبل كده. أنا مكنتش بعيط عشان خسرت البيت أو الفلوس، أنا كنت بعيط لأن لأول مرة في حياتي اكتشفت إني كنت عايش مع بني آدمة حقيقية، ست حنينة كانت مستعدة تديني عينيها لو بس كنت أظهرت لها شوية ود صادق.. شوية رحمة. أنا خسرت البني آدمة اللي كانت بتخاف عليا من البرد، عشان خاطر حيطان وشوية طوب.



