طردتني من بيتي بقلم منال علي 1

الجزء الاول
“لمي هدومك واطلعي برّه شقتنا!”
صرخت حماتي في وشي بكل غل، وهي مش دريانة أصلاً إن الشقة دي مش باسم ابنها… دي شقتي أنا!
حاجه غريبه والله… بيطردوني من بيتي اللي دافعة فيه دم قلبي!
بقلم منــال عـلـي
“جرى إيه يا إيمان؟ هو إنتي إمتى هتعرفي ترصي السفرة صح؟”
قالتها “منى هانم” وهي بتقدم وتأخر في الأطباق على الترابيزة بتنطيط وعصبية:
“المعلقة على اليمين، والشوكة على الشمال… دي ألف باء إتيكيت يا بنتي، مش كدة!” 😐
إيمان جزت على سنانها وعدت لغاية عشرة في سرها عشان ما تنفجرش حصري على صفحه روايات واقتباسات
من يوم ما منى هانم لفت وشها وجت تقعد معاهم من تلات شهور، والبيت اتحول لـ حلبة اختبار أعصاب يومي:
تعليقات سخيفة… نصايح مالهاش لزمة… وتلقيح كلام مبطن… وكأنها جاية تستلم إدارة البيت مش بتزور ابنها.
“يا طنط منى، أنا وأحمد متعودين على الرصة دي وبنرتاح فيها.”
قالتها إيمان بنبرة هادية وهي بتحاول تبلع الموقف وتمتص غضبها.
“متعودين على الغلط يعني؟!”
قاطعتها الحماة قفش فوراً:
“أحمد يستاهل يعيش في بيت متظبط وعلى سنْجة عشرة.. ده شقي وتعب وعرق عشان يعرف يجيب الشقة دي في مكان نضيف زي مدينة نصر!”
سكتت إيمان وبلعت ريقها تاني.
لسة مش قادرة، أو بمعنى أصح مش عايزة، تصدم حماتها بالحقيقة المرة:
إن الشقة دي هي اللي شرياها من قبل ما تشوف وش أحمد أصلاً، بفلوس أرض ورثتها عن جدها في البلد وشقى عمرها في الشغل.
وإن أحمد جه بشنطة هدومه وعاش معاها بعد الفرح، ولولاها كان زمانه لسة بيكح تراب.
لكن هتدخل نفسها في خناقة ومقارنات ليه؟ الحقيقة كده كده مش هتغير طبع منى المتعالي ولا نظرتها الفوقية.
أحمد دخل حياتها بعد الليلة دي بسنين.
اتقابلوا صدفة في عيد ميلاد صاحب مشترك في كافيه في المهندسين. بقلم منــال عـلـي
أغاني وهيصة وضحك من القلب، وهو داخل بكاريزمته اللي خطفت العين، وضحكته الواثقة وعينيه اللي حسستها بالدفا والأمان اللي كانت محتاجاه.
بعد سنة كانوا متجوزين، وأحمد نقل حاجته عندها في الشقة.
ولا مرة فيهم حد فتح السيرة دي ولا اتكلموا في تفصيلة: *”مين صاحب المكان؟”*.. لحد ما أمه حشرت مناخيرها ودخلت حياتهم بالمنظر ده.
“الستاير الرمادي دي كئيبة وتقطع الخميرة من البيت.. مش لايقة خالص مع لون الحوائط.”
قالتها منى وهي بتلف بعينيها في الصالة كأنها مهندسة ديكور جاية تقيم المكان:
“بكرة كدة على الضهر ننزل الرويعي أو النزهة نجيب غيرها.”
“هبقى أشوف..”
ردت إيمان بكلمتين باقتضاب وهي حاسة بنار بتغلي جواها.
الستاير دي بالذات لفت عليها مصر الجديدة ووسط البلد حتة حتة عشان تنقيها وتعمل البيت على ذوقها وتحس فيه بالدفا.
في اللحظة دي سمعوا تكة المفتاح في الباب. **أحمد رجع من الشغل.**
وش منى نور في ثانية واتبدل مية وثمانين درجة:
“حبيبي يا أحمد! حمد الله على السلامة يا قلب أمك!”
قالتها وهي بتجري عليه تفتح له حضنها:
“تخيل طول النهار قاعدة مع إيمان بعلمها أصول رص السفرة، وهي مش عارفة حتى الشوك والسكاكين بتتحط فين.. حاجة تكسف حصري على صفحه روايات واقتباسات أحمد حضن أمه وهو باين عليه التعب والهدد من يوم الشغل الطويل:
“جرى إيه يا ماما.. بلاش نبدأ الموشح ده من أولها الله يخليكي.. إحنا كويسين وزي الفل.”
“أهو شفت؟!”
لوحت بإيديها بضيق مصطنع:
“أنا غلطانة إني بحاول أساعد وأعلمها عشان ترفع راسك!”
إيمان بصت لجوزها..
نفس النظرة المترجية المعتادة.. اعتذار صامت في عينيه ورجاء إنها تعدي الليلة وتستحمل شوية كمان عشان خاطره.
حست بنغزة باردة في قلبها..
هو عمره ما وقف في وش أمه ولا جاب لها حقها.. كل اللي شاطر فيه هو كلمة: *”معلش واصبري عشان خاطري”*.
بقلم منــال عـلـي
“يلا ناكل.”
قالتها إيمان بهدوء وهي بتحط الصينية على السفرة:
“عملالكم صينية مكرونة بشاميل إنما إيه.. لوز.”
“يارب بس المرة دي ما تطلعش ناشفة وتوقف في الزور.”
برطمت منى بصوت عالي ومسموع ومقصود عشان الكل يسمعه. 🍝
طول قعدة العشا ومنى ما فصلتش رغي:
حكايات وتلقيح على الجيران، والأسعار اللي بقت نار، والناس اللي اتغيرت، وتعبها وشقاها في الدنيا.. لحد ما دخلت في الموضوع التقيل بسلاسة ونعومة.
“أنا لقيت شقة لقطة وقريبة منكم جداً.. في العمارة اللي وراكم علطول. تلمم وكتكوتة بس شياكة.”
أحمد ابتسم وفرح:
“حلو قوي يا ماما، يا مسهل.”
“بس…”
اتنهدت منى تنهيدة مسرحية فيها كمية دراما مش طبيعية:
“ناقصني قرشين صغارين كدة.. الشقة القديمة اتباعت برخص التراب والأسعار دلوقتي ولعت.”
الجو في الصالة فجأة بقى تقيل ومكتوم.
إيمان حست بـ أحمد اتوتر جنبها وحركته اتجمدت.
“طب مش ممكن تشوفي حاجة أبسط وعلى القد شوية يا طنط؟”
قالتها إيمان بحذر وهي بتنقي كلامها بالملقاط.
منى رفعت حاجبها وبصتلها باستهزاء واستنكار:
“جرى إيه يا حبيبتي؟! أنا في سني ده أروح أسكن في حتة شعبية ولا تعبانة؟! أنا عايزة منطقة نضيفة وفيها خدمات وجنبها مستشفى كويسة.. وطبعاً أكون قريبة من ابني عشان يطل عليا.. مش كدة ولا إيه يا أحمد؟”
أحمد رد وعينيه في الطبق من غير ما يبص لها:
“أكيد يا ماما.. إن شاء الله هنشوف حل.” 😔
إيمان وطت عينيها في الأرض وحست بقلبها بيتقبض.
“هنشوف حل!”.. الجملة دي لوحدها رعب.
حل منين أصلاً؟
وهم ماشيين بالزق ومكملين الشهر بالعافية بعد ما مرتب أحمد قل والشركة بتاعته بتصفي، وهي شغالة نص دوام بمرتب على قد حاله في دار الكتب والوثائق!
بعد العشا، وأول ما منى دخلت الأوضة عشان تتفرج على المسلسل التركي بتاعها، إيمان سألت أحمد بصوت واطي ومكتوم:
“أحمد.. إنت بتتكلم بجد؟ هنجيب المبلغ ده كله منين؟”
بص ناحية أوضة أمه برعب وقالها وهو بيهمس:
“مش قدام أمي يا إيمان.. نتكلم في الموضوع ده بعدين.”
وطبعاً “بعدين” دي عمرها ما جت ولا اتفتحت.
تاني يوم، إيمان اتأخرت في الشغل شوية.
ريحة الورق القديم والملفات في الأرشيف كانت أرحم وأهدى بكتير من خنقة البيت وضغطه.
زميلتها **”رشا”** قعدت جنبها وبإيدها كوباية الشاي المعتادة.
“إيه الأخبار يا بنتي؟ حماتك لسة عندك ومقيمة؟”
سألتها رشا وهي بتضحك بتهريج.
إيمان اتنهدت تنهيدة جابتها من برة خالص:
“آه.. ودلوقتي كمان بتزن وتلمح إن أحمد لازم يدفعلها قرشين عشان تشتري الشقة الجديدة.”
“وهو المحروس قال إيه؟”
“قالها هنشوف حل وهساعدك! وأنا مش فاهمة هيساعدها بإيه أصلاً وهو جيبه بيصوفر!”
رشا رفعت حاجبها ولفت لها:
“هي الولية دي متعرفش إن الشقة اللي هما قاعدين فيها دي بتاعتك وإنتِ صاحبة الملك؟”
إيمان هزت راسها بيأس:
“لأ.. وأحمد كمان هيموت وميقولهاش.”
“ليه يعني؟ خايف من إيه؟”
“عشان برستيجه وصورته قدامها متهتزش.. في نظرها هو السوبر مان والابن البار اللي مفيش منه اتنين وهو اللي شايل ومتحمل.”
رشا بصت لها بذهول:
“وإنتِ مستحملة العيشة والمنظرة الكدابة دي كلها إزاي؟”
سكتت إيمان طويل.. ودمعة حائرة في عينيها، وبعدين قالت بنبرة كلها وجع:
“تعبانة يا رشا.. تعبانة بجد، بس مش عايزة أكون السبب في إنه يقف قدام أمه أو يخسرها.”

