امي وحماتي من حكايات فاتن

يمكنكِ تحويل الفكرة إلى قصة مصرية مشوقة بهذا الشكل:
في البداية، كانت أمّي ست بسيطة من قرية صغيرة في المنوفية. قضت عمرها كله تربي أولادها بعد وفاة أبي، وكانت تؤمن أن احترام الناس أهم من الفلوس. لما اتجوزت أنا من كريم، ابن عائلة كبيرة في القاهرة، كنت فاكرة إن الأيام هتعوضها عن كل التعب اللي عاشته.
لكن حماتي، سيدة المجتمع المشهورة بثروتها ونفوذها، كانت شايفة أمي أقل منها بكتير. كانت دايمًا تتعامل معاها بتعالٍ، وتلمّح قدام الناس إننا “أهل على قد حالنا”.
في يوم عيد ميلاد حماتي الستين، عملت حفلة ضخمة في الفيلا بتاعتها. حضر رجال أعمال ومشاهير وأقارب من كل مكان. وأنا كنت مصممة آخد أمي معايا رغم خوفي من تصرفات حماتي.
أول ما دخلنا، لمحت حماتي أمي، وبصتلها من فوق لتحت بابتسامة ساخرة.
قالت للخدامة:
خدي الست دي اقعديها هناك.
استغربت لما شفتها بتشير على ترابيزة صغيرة جنب مكان الكلب الجيرمان بتاعها.
سكت الجميع.
أمي احمر وشها من الكسوف، لكنها حاولت تداري دموعها.
قلت بغضب:
يعني إيه؟ أمي هتقعد معانا.
ردت حماتي بصوت عالي:
دي حفلة فيها ناس مهمة. كل واحد يقعد في المكان المناسب ليه.
اتجمدت في مكاني.
أما جوزي كريم، فاكتفى إنه يقول:
معلش يا مريم… عدي الليلة على خير.
الكلمة جرحتني أكتر من إهانة حماتي نفسها.
أمي حاولت تمشي، لكني مسكت إيدها.
قلت:
محدش هيمشي.
جلست وسط الحضور، والكل متوتر. مرت دقائق ثقيلة.
وفجأة رن جرس الفيلا.
مرة.
ثم مرة ثانية.
دخل ثلاثة أشخاص ببدل رسمية.
وقف الجميع باستغراب.
ابتسمت حماتي وقالت:
أهلاً أستاذ حازم! نورتنا.
لكن الرجل لم يبتسم.
فتح ملفًا وقال:
الأستاذة سوسن عبد الرازق موجودة؟
ابتسمت حماتي بثقة:
أيوه أنا.
قال:
إحنا من النيابة الاقتصادية، وجايين بخصوص بلاغات ومستندات تخص شركة “سوسن للاستثمار العقاري”.
اختفت الابتسامة من على وجهها.
وقف ابنيها وأقاربها مصدومين.
قالت بعصبية:
أكيد في غلط.
رد المحامي:
مفيش غلط. فيه تحويلات مالية ومستندات مزورة قيد التحقيق.
ساد الصمت.
وفجأة تقدمت أمي للأمام.
لأول مرة من بداية الحفلة.
قالت بهدوء:
مفيش أي غلط.
التفت الجميع نحوها.
حماتي حدقت فيها بدهشة.
إنتِ بتقولي إيه؟
أخرجت أمي نظارتها من حقيبتها.
وقالت:
لأن جزء كبير من المستندات دي أنا اللي اكتشفته.
شهقت القاعة كلها.
حتى أنا لم أكن أعرف.
اتضح أن أمي قبل التقاعد كانت واحدة من أفضل المراجعين الماليين في هيئة كبيرة. ومنذ أشهر طلب منها أحد الشركاء السابقين في الشركة مراجعة بعض الملفات المشبوهة.
وخلال الفحص اكتشفت عمليات اختلاس وتلاعب بملايين الجنيهات.
فقدمت بلاغًا رسميًا دون أن تعرف أن الشركة تخص حماتي.
تراجعت سوسن للخلف وكأن الأرض اهتزت تحت قدميها.
وقالت:
مستحيل!
ردت أمي بثبات:
المستحيل إن الإنسان يفتكر إن الفلوس بتخليه أحسن من الناس.
بدأ الحاضرون يهمسون.
الأقارب الذين كانوا يضحكون على أمي قبل دقائق، صاروا يتجنبون النظر إليها.
وبعد ساعة كاملة، غادر المحامون ومعهم الملفات.
أما حماتي فجلست وحدها على رأس المائدة الطويلة.
لأول مرة تبدو ضعيفة وخائفة.
اقترب كريم من أمي.
وكانت عيناه ممتلئتين بالندم.
قال:
سامحيني يا طنط.
أمي ابتسمت بحزن:
السماح سهل… لكن الكرامة لما تتكسر صعب ترجع زي الأول.
ثم نظر إليّ كريم وقال:
وأنا آسف ليكي إنتِ كمان. كان لازم أدافع عنكم.
خرجنا من الفيلا.
ركبنا السيارة.
ظلت أمي صامتة عدة دقائق.
ثم قالت وهي تنظر من النافذة:
عارفة يا بنتي؟ أنا طول عمري فاكرة إن الغني هو اللي عنده فلوس كتير.
ابتسمت لها.
فسألتها:
ودلوقتي؟
ربتت على يدي وقالت:
دلوقتي عرفت إن الغني بجد هو اللي يملك أخلاق تمنعه يذل حد.
نظرت من زجاج السيارة إلى الفيلا الفخمة وهي تبتعد خلفنا.
وقتها أدركت حقيقة بسيطة جدًا…
البيوت الكبيرة ممكن تشتريها الفلوس.
لكن الاحترام لا يشتريه إلا أصحاب القلوب الكبيرة.
وفي ذلك اليوم، عرف الجميع من كانت الأغنى حقًا… المرأة التي حاولوا إذلالها، فهزمتهم بأخلاقها وعلمها وكرامتها.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *