استيقظت لأجد الخادمة

استيقظت لأجد الخادمة التي كانت على وشك الطرد نائمة بجوار سريري… ولأول مرة منذ عشرين عامًا، ابتسمت.
كانت قد قضت الليل كله تُصارع الموت معي، بينما كان الجميع مقتنعين أن نهايتي أصبحت مسألة ساعات.
كنت أظنها مجرد عاملة جديدة تمر داخل منزلي مثل عشرات من سبقوها… ولم أتخيل أبدًا أنها ستكون الإنسان الوحيد القادر على هدم الجدران التي بنيتها حول قلبي طوال عشرين سنة.
في تمام السابعة واثنتي عشرة دقيقة صباحًا، في يوم شتوي قارس من شهر فبراير، فتحت عيني لأجد ندى نائمة على الكرسي بجوار سريري.
كان رأسها مستندًا إلى ظهر الكرسي، ويدها ما زالت ممسكة بطرف الغطاء، كأنها خافت أن أرحل إذا تركته.
نظرت حولي.
طشت الماء لا يزال على الأرض، وفوط مبللة متناثرة، وأدوية مفتوحة، وأكواب قهوة فارغة تدل على أن أحدًا لم يذق النوم طوال الليل.
ثم نظرت إليها مرة أخرى.
كانت آثار الإرهاق مرسومة على وجهها، لكنها بقيت إلى جواري حتى غلبها النوم.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة… شعرت أن أحدًا يهتم إن عشت أو مت.
لكن قبل أسبوعين فقط، كنت قد اتخذت قرارًا مختلفًا تمامًا.
كنت أجلس في مكتبي مع مديرة المنزل، مدام إلهام.
قالت وهي تراجع أسماء العاملات
كل اللي اشتغلوا مع حضرتك استقالوا أو مشوا.
سألتها ببرود
آخر واحدة قعدت قد إيه؟
قالت
تسعة أيام.
واللي قبلها؟

أسبوعين.
أغلقت الملف دون أن أرفع رأسي.
طيب… نشوف دي هتكمل قد إيه.
على الجانب الآخر من القاهرة…
كانت ندى توقظ ابنها الصغير آدم استعدادًا للمدرسة داخل شقة متواضعة فوق محل غسيل ملابس.
الحي كان بسيطًا، والبرد يتسلل من الشبابيك القديمة، والإيجار بالكاد يُدفع آخر كل شهر.
الفلوس كانت قليلة…
لكن البيت كان مليئًا بالضحك.
شيء لم يعرفه قصري الكبير منذ سنوات.
في صباح اليوم التالي، دخلت ندى المنزل لأول مرة.
كانت ترتدي حذاءً قديمًا، وتحمل ابتسامة واسعة بدت غريبة وسط ذلك القصر الصامت.
همست لها مدام إلهام
الأستاذ فريد ما بيحبش الكلام.
ابتسمت ندى وقالت
يعني البيت كله ساكت؟
ردت
تقريبًا.
ضحكت ندى بخفة
ده أنا هزهق قبل ما أخلص أول أسبوع.
بعد الظهر دخلت مكتبي لتنظف.
قالت بابتسامة
أنا ندى… أكيد حضرتك عارف.
لم أرد.
كانت تمسح الأرفف وهي تنظر إلى مئات الكتب.
ثم سألت بعفوية
هو حضرتك قريت الكتب دي كلها فعلًا؟
اكتفيت بكلمة واحدة
آه.
خرجت من الغرفة.
لكنني، لسبب لم أفهمه، ظللت أحدق في الباب بعد خروجها لعدة دقائق.
وبعد أسبوع…
تعثرَت ندى بالخطأ وهي تحمل مجموعة ملفات من فوق مكتبي.
تناثرت الأوراق في كل مكان.
انحنت بسرعة تجمعها وهي تقول بخجل
حقك عليّ… والله ما كان قصدي.
كنت على وشك أن أطلب طردها…
لكن واحدة من الأوراق المفتوحة أمامها كشفت سرًا ظل مدفونًا أكثر من عشرين عامًا…
سرًا سيغيّر حياة فريد وندى إلى الأبد.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *