استيقظت لأجد الخادمة
أن أنطق بكلمة واحدة، انفتح باب المكتب ببطء شديد، وظهرت مدام إلهام وهي تحمل على محياها ابتسامة باردة ومريبة، وفي يدها الأخرى كوب من الشاي الساخن، بينما قالت بصوت هادئ يقطر سمًّا
يبدو أن الأوراق القديمة تبدأ في الظهور أخيرًا… كنت أتوقع منك أن تكون أذكى يا أستاذ فريد، وألا تدع هذه الفتاة العابثة تعبث بماضٍ أغلَدْناه منذ زمن.
تجمّدت في مكاني، بينما هبت ندى واقفة بسرعة لتشكل درعًا بشريًا بيني وبين الباب، وعيناها تشتعلان بإصرار لم أره من قبل
انتهى وقت الألعاب يا مدام إلهام… اللعبة انكشفت، ولن تسمحي لأحد بإيذاء أستاذ فريد مرة أخرى.
لم تهتز شعرة واحدة من راس مدام إلهام. وضعت صينية الشاي بهدوء مستفز على الطاولة، وابتسمت بتهكم وهي تنظر إلى ندى
درع بشري؟ يا لها من مسرحية رخيصة! هل تظنين أنكِ بأمثالك من الحارات الفقيرة قادرة على الوقوف في وجهي؟ أنا من أدرت هذا القصر وأهله لسنوات طويلة، وكنتِ أنتِ مجرد خطأ عابر في حساباتي… خطأ سأصححه الآن قبل أن يفوت الأوان.
أسرعتُ بخطوات ثقيلة ومترنحة إثر الحمى التي كانت تفتك بجسدي، ومددت يدي لأمسك بذراع ندى، محذرًا بصوت خافت
احذري يا ندى… الأدوية التي كانت تقدمها لي طوال الأيام الماضية… لم تكن لعلاجي أبدًا.
سعت إلهام نحو حقيبتها الصغيرة وأخرجت منها هاتفها، لكن ندى لم تكن تمنحها الفرصة للاتصال أو الهرب. بذكاء وسرعة بديهة لم تكن لتتوقعها من عاملة بسيطة، التقطت ندى إبريق الشاي الزجاجي الثقيل من على الطاولة وألقته بدقة نحو مزهرية بجوار باب المكتب، فتحطمت بصوت هائل أشبه بالانفجار، مما أربك إلهام وجعلها تفقد السيطرة.
وفي تلك اللحظة بالذات، وبصوت سيارات الشرطة التي كسر صوتها سكون الشارع الخارجي، انفتح باب القصر الرئيسي على مصراعيه.
لم تكن ندى قد دخلت القصر وحدها صباح ذلك اليوم، بل كانت قد لاحظت شيئًا مريبًا في الأدوية فور وصولها في الأسبوع الأول، والتقطت صورًا للتقارير والأدوية وأرسلتها في سرية تامة إلى ابن عمها الذي يعمل ضابط شرطة، تاركة له إشارة طوارئ قبل أن تأتي لخدمتي.
اقتحمت قوات الشرطة المكتب، وألقت القبض على مدام إلهام وهي تطلق صرخات الغضب والذهول، بينما سقطت أنا على الكرسي من شدة الإرهاق.
اقتربت مني ندى بخطوات سريعة، ووضعت يدها الدافئة على جبيني البارد، وقالت بابتسامة ملؤها الاطمئنان
انتهى الكابوس يا أستاذ فريد… الآن يمكنك أن تعيش حقًا.
نظرتُ إلى وجهها المضيء وسط ظلام القصر الطويل، وشعرت للمرة الأولى منذ عشرين عامًا أن الجدران الباردة حول قلبي قد تهاوت بلا رجعة، وأن شتاء عمري قد ولى أخيرًا، ليحل مكانه ربيع لم أكن أحلم بلقائه.
، مرت الأيام والأسابيع، وتبدل وجه القصر الكئيب تمامًا. لم يعد ذلك المكان البارد الذي تسكنه الأشباح والذكريات المؤلمة، بل صار ينبض بالحياة والدفء، وتهتز جدرانه لأول مرة بضحكات الصغير آدم وهو يلعب في الحديقة الواسعة.
في أحد أيام الربيع الدافئة، كنت أجلس في الشرفة أحتسي قهوتي وأتأمل الزهور التي أعادت ندى الحياة إليها، بينما كانت هي تقف بجانبي تحمل صينية الشاي وبصوتها المعتاد والساخر بخفة قالت
بصراحة يا أستاذ فريد… القصر بقى منور بيا، المفروض تديني مكافأة مش مجرد أجر!
ابتسمتُ بتمعن، تلك الابتسامة التي غابت عن وجهي عقدين من الزمن، ومددت يدي لأمسك بطرف الغطاء الصوفي الذي كانت تدثّرني به خوفًا من بقايا البرد، وقلت بنبرة هادئة حملت كل معاني الامتنان
المكافأة الحقيقية ليست مالًا يا ندى… المكافأة هي أنكِ لم تعيدي الحياة لهذا القصر فحسب، بل أعدتِني أنا إلى الحياة.
نظرت إليّ بعينيها الواسعتين اللتين يملؤهما الدفء، وبادلَتني ابتسامة عميقة، لتدرك كل منا أن جدران الماضي قد هُدمت تمامًا، وأن الفصل الأجمل في حياتنا قد بدأ للتو.
بعد مرور عام كامل، أصبح القصر شبه خاوٍ من أثاثه القديم المعتم، بعدما استبدلناه بأثاث آخر يغلب عليه الباستيل والألوان المبهجة التي اختارتها ندى بنفسها لتبدد وحشة المكان.
أما آدم، فقد صار صاحب الغرفة الكبيرة في الطابق العلوي، وتحولت حديقة القصر الخلفية إلى ملعب صغير تملؤه ألعابه وصخبه البريء الذي كان يثير حفيظتي في الماضي، وبات الآن الموسيقى الأحب إلى قلبي.
في ذلك المساء، كنت أقف أمام مرآة غرفة النوم أعدل ياقة قميصي، بينما كانت ندى تقف عند الباب تتابعني بعينيها المليئتين بالفضول المعهود.
قالت بصوت مشاكس
إلى أستاذ فريد الذي لم يكن يتحدث سوى بكلمة واحدة… هل تتخيل أننا سنقيم اليوم حفل زفافنا هنا في هذا القصر الذي كان يُشبه المقابر؟
استدرتُ إليها، وخطوت بخطوات ثابتة نحوها، ووضعت يدي برفق على كتفيها، قائلًا بابتسامة دافئة
لم أكن أتخيل أن الحياة يمكن أن تبدأ مجددًا بعد سن الأربعين… لكنكِ لم تعيدي بناء القصر فحسب يا ندى، بل أعدتِ كتابة قدري كله.
رفعت وجهها إليّ، وابتسامتها العذبة تعلو محياها، قبل أن تمد يدها لتعدل ياقة قميصي بدقة قائلة
هيا يا عرّاب الحكايات… الضيوف وصلوا، وآدم ينتظرنا لافتتاح الحفل.
خرجنا معًا إلى حديقة القصر التي أضاءتها آلاف المصابيح الصغيرة، وسط تصفيق الأهل والأصدقاء القلائل الذين صنعوا معنا طعم العائلة الحقيقية. نظرتُ إلى ندى وهي تمسك بيد آدم بيمناها وبتلابيب معطفي بيسراها، وأدركتُ حينها أن أقسى الجدران التي يبنيها الإنسان حول قلبه، تهدمها دائمًا نظرة صدق واحدة، وابتسامة دافئة تأتي من



