استيقظت لأجد الخادمة
حيث لا تدري.
انتشرت أضواء المصابيح الذهبية في أرجاء حديقة القصر كأنها نجوم هبطت لتبارك ليلتنا. كان الهواء محملًا برائحة الياسمين والندى، بينما تعالت دقات الموسيقى الهادئة لتنسج إيقاعًا جديدًا يطرد آخر بقايا صمت السنين.
اقترب منا آدم ببدلته الصغيرة وهو يركض بحماس، ممسكًا بطرف فستان ندى الأبيض، وقال بصوت طفولي بريء
ماما ندى… بابا فريد… الهدايا خلصت وكل الناس بتبارك لكم!
انحنت ندى لتعدل له رابطة العنق بضحكتها المعهودة التي تملأ المكان دفئًا، ثم نظرت إليّ وقالت بومضة شقية في عينيها
يبدو أن صغيرنا أصبح هو منظم الحفل الأول في القصر يا أستاذ فريد.
أمسكت بيدها المرتجفة قليلاً من فرط السعادة، وشعرت أن كل سنوات القسوة والعزلة انصهرت في هذه اللحظة الواحدة. لم يعد القصر مجرد حجارة صامتة تسكنها الأشباح، بل أصبح وطناً دافئاً يضمنا معًا.
رفعت كأساً من العصير الصافي أمام الحاضرين، وهمست لندى قبل أن أطبع قبلة دافئة على جبينها
إلى الأبد يا ندى… إلى بداية العمر كله.
وسط تصفيق الحاضرين الحار وضحكات آدم البريئة التي كانت تعلو فوق كل صوت، شعرتُ للمرة الأولى في حياتي أن الزمن لم يرحل عبثًا، وأن كل الدموع والانكسارات التي عشتها لم تكن سوى تمهيد لهذا اللقاء الخالد.
أخذتُ ندى في برهة هادئة بعيدًا عن ضوضاء الحفل، ووقفنا معًا عند الشرفة المطلة على الحديقة، حيث كانت النجوم تضيء سماء القاهرة. نظرتُ إلى عينيها اللتين لمعتا بدموع الفرح، وقلت بصوت هادئ يملؤه اليقين
تعلمین يا ندى؟ لو قيل لي قبل عام واحد إنني سأقف هكذا، محاطاً بالعائلة والحياة، لما صدقت… لكنكِ علمتني أن أجمل الأقدار هي التي تأتي بلا ميعاد، لتنقذنا حين نكون على أطراف الهاوية.
سندت رأسها على كتفي بحنان، وقالت بصوتها الدافئ الذي عهدته
القلوب الطيبة يا أستاذ فريد لا تموت أبدًا، هي فقط تحتاج إلى من يهز غبار السنين عنها لتعود وتنبض من جديد.
بينما كانت رياح الصيف اللطيفة تداعب أوراق الشجر في الخارج، أدركنا معًا أن صفحة الماضي قد طُوِعت للأبد، وأن حكايتنا لم تعد مجرد قصة عابرة، بل أصبحت رواية حية عنوانها الأمل، والوفاء، والحب الذي لا ينطفئ.
وفي تلك اللحظة، وسط سكون الليل وهدوء النجوم، شعرتُ أن كل صفحة كُتبت في هذا القصر سابقاً بالحزن قد تم تمزيقها، وأن ما تبقى من أعمارنا سيكون مساحة ممتدة من الدفء والسكينة.
نظرتُ إلى ندى وإلى صغيرنا آدم، وتاهت الكلمات في صدري، لكن الأفعال كانت أصدق من أي حديث؛ فبينما كان العالم الخارجي يواصل صخبه، وجدنا نحن سلامنا الأبدي داخل جدران هذا القصر الذي تحول من سجن مظلم إلى جنة صغيرة تجمعنا معًا إلى آخر العمر.
تمت
