استيقظت لأجد الخادمة
تجمّدت عيناي على الورقة المفتوحة التي كانت ندى تحاول جمعها بيدينا ترتجفان.
لم تكن مجرد ورقة عادية… بل كانت نسخة من تقرير طبي قديم، يحمل اسم زوجتي الراحلة، ويتوسطه ختم مستشفى خاص أغلُق قبل عقدين من الزمن. تقرير يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن وفاتها لم تكن بسبب أزمة قلبيّة عارضة كما أُخبرت حينها، بل نتيجة جرعة زائدة من مخدّر نادر تم دسّه في دوائها.
خطفت الورقة من يدها بسرعة جعلتها تنتفض خوفًا. نظرتُ إليها، وكان وجهي شاحبًا كالموت، بينما تساءلت هي بصوت مرتعش
أستاذ فريد… هل أنت بخير؟
لم أجبها. كان عقدي مع الحياة يتداعى في تلك اللحظة. عشرون عامًا من العزلة، والقسوة، وبناء الأسوار العالية حول قلبي، سقطت جميعها أمام ورقة واحدة. الأيام التي قضيتها معتزلًا العالم، رافضًا لكل من حولى، بدت فجأة عبثًا مطلقًا. الجاني الحقيقي ظل حراً طليقاً طوال هذه السنين، بينما كنت أنا أُعاقب نفسي بالوحدة.
نظرتُ إلى ندى مطولاً. تلك البساطة والدفء اللذان حملتهما معها من شقتها الصغيرة فوق محل الغسيل، لم يكونا محض صدفة. في تلك اللحظة بالذات، أدركتُ لماذا دخلت هذا القصر الصامت بالرغم من أن كل من سبقوها هربنَ خلال أيام.
قلت بصوت متحشرج وخالٍ من البرود المعتاد
تعالي معي إلى المكتب يا ندى… لدي ما أقوله لكِ، ولديّ شعور بأنكِ الشخص الوحيد القادر على سماعه.
فتحت ندى عينيها بذهول، وبدلاً من أن تتراجع خوفًا من نظراتي الحادة، تقدمت خطوة للأمام وابتسمت بهدوء، كأنها كانت تعلم أن جدران هذا القصر على وشك السقوط نهائياً.جلسَت ندى على المقعد الجلدي العتيق مقابل مكتبي، بينما كنتُ أقف بجانب النافذة الكبيرة، أراقب حديقة القصر المغطاة بالصقيع. التقرير الطبي كان ما زال بين أصابعي يرتجف، ليس من البرد، بل من هول الحقيقة التي كادت تبتلعني.
التفتُّ إليها وقلت بصوت حاسم يخترق صمت الغرفة
هذه الورقة… هي سبب عزلي عن العالم طوال العشرين سنة الماضية. كنت أظن أنني أعاقب نفسي على عجزى يوم حمايتها، لكنني اكتشفت الآن أنني كنت أحمي القاتل دون أن أدري.
قطبت ندى حاجبها بتركيز، وبدت ملامح الذكاء والفطنة تطغى على بساطتها المعتادة، وسألتني بنبرة حازمة
تقصد أن القاتل ليس غريبًا يا أستاذ فريد؟ شخص نعرفه… أو ربما… شخص ما زال يتردد على هذا القصر؟
لم أجبها مباشرة، لكن نظراتي تحولت نحو الباب المغلق بإحكام، حيث كانت مدام إلهام تقف في الخارج، تلك المرأة التي رافقتني طوال عقدين، والتي كانت تعرف كل صغير وكبير في هذا القصر، وكانت الوحيدة التي تستطيع الدخول والخروج دون إذن.
توسعت عينا ندى كمن استوعبت الفكرة لتوّها، وقالت بصوت همس كاد تختفي
مدام إلهام…
قبل
لمحة نيوز


