الجزء الثاني صعيدي من اكسفورد حكايات مايا خالد

حكايات مايا خالد
الجزء الثاني صعيدي من أكسفورد
نور بلعت ريقها بصعوبة، وحست إن الكلمة الأخيرة “صيدها غالي واعر” نزلت على قلبها زي الجمر. الكبرياء والوجع والخوف اتخلطوا جواها، وبصت لعيونه الكحلية بتحدّي ضعيف حاولت تداري بيه ارتعاشتها:
​”أنا مش صيد حد يا هواري باشا… والملفات اللي معايا دي هتنشر الحقيقة، وساعتها ولد عمك وكل اللي معاه هيروحوا في داهية، وأنا هيرجعلي حريتي.”
​يونس ملامحه متهزتش، بل بالعكس، مالت شفايفه بابتسامة ساخرة مليانة ثقة تهد جبال. مشى خطوات بطيئة ناحية البار الصغير في ركن الجناح، صب لنفسه كاس مياه باردة وشرب منه براحة تامة، وبعدين لف وبصلها وقال بصوت واطي ومبحوح:
​”الحرية كلمة واسعة جوي يا بت الناس… وصعب تتدبر في بلد تمن الكلمة فيها رصاصة. أنتِ فاكرة نفسك صحفية شاطرة وقادرة تعاندي ريح عاتية؟ سليم زهران لو شم خبر إنك اهني، مش هيسمي عليكي… ولا هيهمه قلمك ولا تحقيقاتك.”

نور حست بالخوف من نبرته، وبسرعة رفعت تليفونها اللي كان في إيدها وقالت بتوتر:
​”أنا… أنا لازم أطمن أهلي وأكلم رئيس التحرير في الجريدة، لازم يعرفوا مكاني!”
​يونس ملامحه اتصلبت، وفي حركة سريعة وحاسمة، مد إيده وأخد التليفون من إيدها بقوة وحطه في جيب جلابيته الداخلي. نور شهقت وقالت بغضب:
​”أنت بتعمل إيه؟ رجعلي تليفوني!”
​بصلها بعيون صقر حادة وقال بصوت دافي بس صارم زي حد السيف:
​”تليفونك عاد؟ التليفون ده الحين يعتبر حبل مشنقة هيلتف حوالين رقبتك ورقبتي. رجال سليم يقدروا يحددوا مكاننا بالثانية من أي إشارة أو مكالمة. من اللحظة دي… تليفون مفيش. هتدخلي الأوضة اللي جوة دي ترتاحي، ومسمعش ليكي صوت واصل.”
​نور بلعت ريقها وبصتله بعيون مليانة دموع، وهي حاسة إن التليفون اللي أخدته معاها من الأسانسير وبقى في جيب الجلابية السودة ليونس، كان آخر صلة ليها بالعالم الخارجي… والحين بقت تحت رحمته بالكامل.
دمعة سخنة نزلت من عينها غصب عنها، وبكت بقلة حيلة:
​”أنت قاسي كده ليه؟ أنا هربت من الموت عشان أقع في سجنك؟”
​يونس مد صوابعه القوية برقة غير متوقعة، ومسح الدمعة من على خدها الناعم، وحس ببرودة جلدها مقابل سخونة أنفاسه. وطى لمستواها وهمس:
​”السجن واعر يا قطة… بس الحماية برضه غالية. نامي الحين وارتاحي، والأوضة اللي جوة دي هتكون ليكي، بس إياكِ تفكري تخطي عتبة الباب الخارجي… لأني مبضمنش غضبي لو حسيت بإنك بتلعبي ورا ضهري.”

​في نفس الوقت، تحت في عربية مرسيدس سودة فخمة واقفة بعيد عن أنوار الفندق.
سليم زهران كان قاعد ورا وعينه بتطلع شرار، بيخبط بإيده على دركسيون العربية بغضب أعمى. القائد بتاع رجالته كان واقف برة سانده وباصص في الأرض بخوف:
​”يا باشا، يونس الهواري مش ساهل، ده وقف قدامنا بسلا*حه ومكنش هيرتد لو ضرب نار. والصعايدة اللي معاه محاوطين الفندق كله.”
​سليم اتكلم بنبرة مليانة غدر وكره دفين:
​”يونس دايماً عامل نفسه حامي الشرف والبلد… مفكر إن شهادة أكسفورد والجلابية السودة هيخلوه كبير علينا. البنت دي معاها ملفات تودينا المشنقة يا غبي! لو الملفات دي وصلت للنيابة، الإمبراطورية كلها هتقع.”
​سحب سيجاره ونفخ دخانها بغل وكمل:
​”راقبوا الجناح من بعيد. يونس مش هيقدر يخبيها هناك كتير، أكيد هيهربها على الصعيد… على أرضه ووسط ناسه عشان يأمنها. وهناك… في وسط الجبال والدروب، هيكون حسابنا مع يونس وولاد الهواري كلهم.”

​جوة الجناح، الساعة كانت بتدق تلاتة الفجر.
نور كانت صاحية، قاعدة على طرف السرير الكبير في الأوضة الضلمة، عيونها مش قادرة تغمض من كتر التفكير والخوف من المجهول. فجأة، سمعت حركة خفيفة برة وصوت قفل الباب بيتفتح بهدوء.
​اتنفضت من مكانها وجريت على الصالة. لقت يونس لابس عباية تانية غامقة، وحاطط الشال على كتافه، ومسد*سه الفضي متثبت في حزامه بوضوح. بصلها بعيونه الكحلية الحادة وقال بلهجة أمرة مفيهاش مجال للنقاش:
​”جهزي نفسك يا بت الناس… دجيجتين وتكوني واجفة ورايا.”
​نور سألته بذهول وتوتر:
​”على فين في وقت زي ده؟”
​يونس قرب منها وبص في عيونها مباشرة، ونبرة صوته الصعيدية التقيلة رجعت تسيطر على المكان بهيبتها:
​”مصر مابقتش أمان ليكي، وعيون سليم زهران محاوطة المكان كيف النمل. طريقنا الحين على الصعيد… على قصر الهوارية.
هناك بس، هعرف كيف أحميكي، وكيف أكسر عين ولد عمي بالملفات اللي معاكي.”
​نور بلعت ريقها، وحست إن رحلتها مع الصقر الصعيدي لسة بتبتدي، وإن السواد والغموض اللي جايين في دروب الصعيد هيكونوا أشد بكتير من اللي شافته في ليل القاهرة.
نور جريت على الأوضة بسرعة البرق، غيرت هدومها بشنطة السفر الصغيرة اللي كانت معاها، ولبست بنطلون جينز واسع وتيشرت أسود ولمت شعرها الغجري لورا. لما طلعت الصالة، لقت يونس مستنيها عند الباب وواقف بصلابة تحسسك إن جبل واقف مكانه. عيونه نزلت عليها من فوق لتحت، وبص لشعرها الملموم ورجليها المستورة بالبنطلون بنظرة رضا خفيفة تاهت وسط ملامحه الصارمة.
​سحبها من دراعها بخفة وفتح الباب الخلفي للجناح، اللي بيأدي لسلم الخدم المظلم والمخفي عن الأنظار.
​الهروب الصامت عبر ممرات الفندق
​نور كانت بتتحرك وراه والنبضات في ودنها زي دقات الطبول. المكان كان ضلمة ومفيش فيه غير إضاءة طوارئ خافتة معلقة على الحيطة. يونس كان بيتحرك بخفة غريبة متتناسبش مع ضخامة جسمه، وكأنه فهد متعود يصطاد في العتمة.
​وصلوا للممر الأرضي المؤدي للجراج الخلفي للفندق. يونس وقف فجأة ورفع إيده يشاور لنور عشان تقف وراه. بص بطرف عينه من ورا الباب الحديدي، ولمح عربيتين دفع رباعي سود واقفين على مخرج الجراج، ورجالة سليم زهران متوزعين في الزوايا وعينيهم على مخارج الفندق كلها.
​يونس بصلها وقال بصوت واطي ومبحوح جنب ودنها:
​”سامعة زين يا بت الناس؟ يدك في يدي… وأول ما أقولك اجري، تسبجيني على العربية الرمادي اللي واجفة في الوش دي. فاهمة ولا لاه؟”
​نور هزت راسها برعب حقيقي، صوابعها الصغيرة تخللت بين صوابعه الكبيرة القوية وضغطت عليها بكل قوتها وكأنها بتستمد منه الأمان. يونس حس برعشتها، فكبس على إيدها بضمّة دافية طمنتها للحظة.

​يونس سحب مسد*سه الفضي بيده التانية، وفجأة دفع الباب الحديدي برجله بقوة عملت صوت صدى عالي في المكان.
​”إيه ده! مين هناك؟” صرخ واحد من رجال سليم وهو بيلف ويوجه كشافه ناحية الباب.
​يونس مدهمش فرصة يفكروا. في ثانية، ضرب رصاصة في الهوا فجرت لمبة الإضاءة الرئيسية للجراج، والمكان اتقلب لظلام شبه كامل مع صوت صراخ الرجالة وتوترهم.
​”اجري يا نور!” صرخ يونس بنبرة صعيدية آمرة هزت الجراج.
​نور جريت بكل ما تملك من قوة ناحية العربية الرمادي الضخمة، والرصاص بدأ يتطاير في الهوا وصوت ضر*ب الن*ار ملى الجراج. يونس كان واقف وراها زي الجدار الخرساني، بيضرب نار بحرفية وثبات وهو بيتراجع بضهره عشان يأمن طريقها، وكل رصاصة من مسد*سه الفضي كانت بتصيب هدفها وتخلي رجالة سليم يتراجعوا ويدوروا على ساتر يحميهم.
​فتحت نور باب العربية ورمت نفسها على الكرسي اللي جنب السواق وهي بتنهج بشدة وصدرها بيعلو ويهبط. في نفس اللحظة، يونس رمى نفسه على كرسي السواق، قفل البيبان بضغطة زرار واحدة، ودور الموتور اللي زأر زي الأسد.
​فرملة قوية هزت العربية، ويونس داس بنزين على الآخر وكسر الحاجز الأمني للجراج، وطلع بالعربية بسرعة جنونية ليلف في شوارع القاهرة الفاضية متوجهاً لطريق الصعيد السريع.
​على الطريق السريع: مواجهة الصمت والكبرياء
​الهدوء رجع يسيطر على كابينة العربية بعد ما بعدوا عن الفندق بمسافة كبيرة ودخلوا في عتمة الطريق الصحراوي. نور كانت ساندة راسها على الإزاز، دموعها نازلة بصمت وهي بتبص لخطوط النور الضعيفة على الطريق اللي بتعدي بسرعة مرعبة.
​يونس كان سايق بإيد واحدة على الدريكسيون، والإيد التانية ساندة على شباك العربية، وعينه مركزة في المرايات بترقب عشان يتأكد إن مفيش حد وراهم. بص عليها بطرف عينه، ولمح دموعها اللي بتلمع تحت ضوء عواميد الطريق.
​رغم قسوته الصعيدية، حركت جواه حاجة دافية. مد إيده وجاب منديل من التابلوه ورماه في حجرها ببرود دارى بيه لهفته:
​”امسحي دموعك دي عاد… دموع الحريم بتجيب الفقر، وإحنا داخلين على معركة مفيهاش وجت للضعف.”
​نور مسحت خدودها بسرعة وبصتله بعيون حمرا ومليانة كبرياء جريح:
​”أنا مش ضعيفة! أنا صحفية واجهت الموت أكتر من مرة عشان أكتب كلمة حق. بس أنت… أنت بتعاملني كأني جارية عندك، أخدت تليفوني، وحابسني، ودلوقتي خاطفني ورايح بيا لآخر الدنيا!”
​يونس ضحك بحة صوت واطية سخرت من كلامها، ومال براسه ناحيتها شوية وقال بنبرة هادية بس تخوف:
​”خاطفك؟ لولا ‘الخاطف’ ده يا بت الناس، كان زمانك الحين ج*ثة مرمية في نيل المحروسة، أو سليم زهران بيعلمك الأدب بطريقته. الصعيد اللي رايحين عليه ده هو المكان الوحيد اللي سليم ورجالته ومخازياهم ميسووش فيه بصلة قدام نفوذ الهوارية. هناك هتاكلي وتشربي وتنامي وأنتِ مطمنة… بس تليفونك ده هيفضل في جيبي لحد ما اللعبة تخلص.”
​نور سكتت وبصت للطريق المظلم قدامها. حست إنها هربت من نار سليم زهران عشان تدخل جنة يونس الهواري… بس جنة سودا، محاطة بالحديد والنار والغموض الصعيدي.
​الوصول إلى مشارف الأرض الوعرة
​بعد ساعات من السواقة المستمرة وسط الدروب الصحراوية والجبال العالية اللي بدأت تظهر مع خيوط الفجر الأولى، بدأت لافتات القرى الصعيدية تظهر. الشجر الأخضر والنخيل بدأ يحل محل الرمل، والجو بقى جاف ومحمل بريحة الطين والزرع الأصيل.
​يونس لف بالعربية ودخل في طريق زراعي ضيق ومحاط بأشجار الجميز الضخمة من الناحيتين، وفجأة ظهر قدامهم سور حجري عالي جداً ينتهي ببوابة حديد عملاقة محفورة عليها نسر باسط جناحينه… بوابة “قصر الهوارية”.
​الحراس اللي واقفين بأسلحتهم الآلية على البوابة أول ما لمحوا عربية يونس، نزلوا أسلحتهم بسرعة وفتحوا البوابة بكل احترام وهيبة وهما بيضربوا تعظيم سلام.
​يونس بص لنور اللي كانت بتبص للقصر بذهول وخوف، وقالها بصوت واطي رجع فيه هيبة الصقر الكاملة:
​”وصلنا بلاد الهوارية يا قطة… اهني يدخل الشقيان يرتاح، ويدخل الجاني يتدفن. جهزي حالك، عشان من اهني ورايح… قواعد يونس الهواري هي اللي هتمشي عليكي وعلى بلدك كلها.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *