الجزء الثاني صعيدي من اكسفورد حكايات مايا خالد

حكايات مايا خالد
العربية دخلت من البوابة الحديدية الضخمة، ومشيت في ممر طويل محاط بجناين النخل الواسعة لحد ما وقفت قدام مبنى أثري مهيب. قصر الهوارية مكنش مجرد بيت، ده كان شبه القلعة الحجرية اللي مبنية من سنين طويلة، هيبته تخطف الأنفاس وتأكد لك إن اللي عايشين هنا ليهم قانونهم الخاص.
يونس ركن العربية وبصلها وهي بتبص للقصر بعيون متسعة ومبهورة ومخطوفة في نفس الوقت. نزل من العربية بكل برود وهيبة، ولف فتح لها الباب ومد إيده القوية عشان ينزلها. نور تترددت للحظة، بس ملامح الحراس الواقفين بأسلحتهم خلتها تحط إيدها في إيده بسرعة. يونس ضغط على صوابعها بخفة وكأنه بيطمنها، ومشاها جنبه وهو شادد كتافه العريضة.
أول ما دخلوا من الباب الخشبي الضخم اللي يرجع لآلاف السنين، ظهرت صالة القصر الواسعة. الأرضية رخام فخم بيلمع، والحيطان معلق عليها صور قديمة لرجال من عيلة الهواري بملابسهم الصعيدية وأسلحتهم، وفي النص نجفة كريستال عملاقة بتنور المكان بضوء دافي.
خرجت من المطبخ ست كبيرة في السن، ملامحها بشوشة وطيبة، ولابسة عباية سودة صعيدية وقور. أول ما شافت يونس عيونها لمعت بالفرحة وقالت بلهجة دافية:
”يا مرحب يا ولد الغالي… منور قصرك يا يونس يا ولدي. حمد الله على السلامة.”
يونس قرب منها وطبع بوسة على راسها بكل احترام، وقال بنبرة هديت فيها القسوة شوية:
”الله يسلمك يا دادة فاطمة… جهزي الجناح الشرقي بسرعة، وجهزي لقمة تتاكل لضيفتنا، زمانها تعبانة من مشوار الطريق.”
الدادة فاطمة بصت لنور بنظرة فاحصة بس مليانة حنية، ونور حاولت تبتسم بتوتر وهي حاسة إنها غريبة ومتبهدلة بفستانها المبهدل وتعب المشوار باين على وشها. الدادة هزت راسها وطلعت بسرعة تجهز الجناح.
يونس لف وبص لنور، وربع كتافه وهو بيسند ضهره على عمود رخامي ضخم:
”اهني يا بت الناس، أنتِ في أمان تام. مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يلمس شعرة منكِ طول ما أنتِ جوة حدود القصر ده. بس الأمان ده ليه شروط عاد.”
نور تنهدت بضيق وحطت إيدها في وسطها وعيونها الغجرية بتلمع بعناد:
”شروط إيه تاني يا هواري باشا؟ أنا حاسة إنك بتسلمني من سجن لسجن أوسع بس بفخامة.”
يونس ضيق عيونه الكحلية وخطى خطوة سريعة ناحيتها لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة، وقال بصوت واطي ومبحوح فيه نبرة تحذير واضحة:
”السجن ده هو اللي حامي رقبتك من رصاص ولد عمي سليم. شروطي بسيطة… مفيش حركة برة الجناح الشرقي من غير إذن مني، ومفيش كلام مع أي حد من الشغالين أو الحراس عن سبب وجودك اهني، وتليفونك هيفضل معايا لحد ما أفرغ الفلاشة وأعرف اللعبة دي أولها فين وآخرها فين.”
نور بلعت ريقها وحست بالقهر، بس مكنش قدامها حل تاني. الخطر اللي برة القصر حقيقي، والراجل اللي واقف قدامها ده هو درعها الوحيد رغم جبروته. بصتله وقالت بنبرة مكسورة بس فيها كبرياء:
”والفلاشة؟ هتعمل فيها إيه؟”
يونس مالت شفايفه بابتسامة غامضة، وقال وهو بيمسح على دقنه الخفيفة:
”الفلاشة دي هتبقى الحبل اللي هلفه حوالين رقبة سليم زهران ورجالته. بس كل شيء بأوانه… الحين اطلعي مع الدادة فاطمة ارتاحي، وكلي لقمة تغذي جسمك الضعيف ده، ومن بكرة… هنبدأ اللعب الجد.”
الدادة فاطمة قربت من نور بابتسامة هادية وطبطبت على كتفها بحنية:
”تعالي معايا يا بنيتي… ارتاحي وفكي كربك، ربك هيدبرها.”
نور مشيت وراها وهي بتجر رجليها بالعافية من كتر التعب، وطلعت السلم الرخامي العريض لحد ما وصلت للجناح الشرقي. أول ما الدادة فتحت الباب، نور اتفاجأت بفخامة الأوضة؛ سرير ضخم من الخشب الأرو المتفصل يدوي، سجاد حرير قديم، وشبابيك شيش طويلة بتطل على الجناينة والزرع. المكان كان مريح جداً بس بالنسبة لنور كان مجرد قفص دهبي مقفول عليها.
الدادة فاطمة سابتها وراحت جابتلها صينية أكل دافي، فكاكة صعيدي وجبنة بيضا وعسل أبيض ولبن، وقالتلها بلطف:
”كلي يا بتي ونامي، يونس يظهر قاسي وعر، بس جواه أبيض وأصيل… وعمره ما يكسر بحرمة دخلت بيته.”
نور شكرتها بابتسامة باهتة، وبمجرد ما الدادة خرجت وقفلت الباب، نور قعدت على السرير وبدأت تاكل ببطء وهي حاسة إن عقلها هينفجر من كتر التفكير. موبايلها اللي مع يونس كان شاغل بالها، خايفة على أهلها وخايفة رئيس التحرير يفتكر إنها جرالها حاجة. بعد ما خلصت أكلها، رمت نفسها على السرير واستسلمت للنوم التام من كتر الإرهاق البدني والنفسي.
عدت ساعات طويلة، ونور مصحيتش غير على خيوط شمس العصر وهي داخلة من الشيش المنور الأوضة ببطء. قامت بسرعة، غسلت وشها وبصت في المراية الكبيرة؛ وشها بدأ يسترد عافيته بس عيونها لسه شايلة الخوف والتحدي. قررت إنها متقعدش مكانها مستنية رحمة الهواري.
فتحت الباب ببطء وبصت يمين وشمال في الممر الفاضي. رجليها سحبتها بهدوء ناحية السلم، ونزلت للدور الأرضي وهي بتحاول متعملش أي صوت. القصر كان هادي جداً، لحد ما سمعت صوت رجولي واطي وجاد جاي من ورا باب مكتب موارب في آخر الممر.
قربت بخطوات شبه منعدمة، وبصت من ورب الباب.
كان يونس واقف وضهره ليها، جلع الشال والعباية ولابس قميص أسود ضيق مبين تفاصيل عضلات ضهره وجسمه الرياضي، ولفف كمامه لحد كوعه. كان حاطط الفلاشة الفضي في لابتوب قدامه على المكتب، وبيتكلم في الموبايل وصوته فيه بحة رجولية مرعبة:
”اسمعني زين يا همام… الملفات اللي على الفلاشة دي فيها تواريخ شحنات الآثار اللي سليم هربها برة البلد، وفيها أسامي ناس تقال جوي في الحكومة سليم بياكل معاهم عيش. اللعبة دي لو اتكشفت الحين، البلد كلها هتقيد نار.”
سمعت الطرف التاني بيتكلم، فيونس رد بغضب مكتوم وعروق رقبته برزت:
”البنت خط أحمر يا همام! سليم لو عرف طريقها هيدبحها من غير ما يرمش له جفن. البنت دي هتفضل اهني في حمايتي… لحد ما أخلص على سليم زهران خالص وأقفل الدفاتر دي بيدي.”
نور شهقت غصب عنها من الصدمة لما سمعت كلامه عن دبحها.
في ثانية واحدة، يونس رمى الموبايل على المكتب ولف ناحية الباب كأنه صقر لمح فريسته. مشى خطوات سريعة وبحركة خاطفة فتح الباب بالكامل وسحب نور من دراعها لجوة المكتب وقفل الباب بضهره.
نور لقت نفسها ملزوقة في الباب ويونس محاوطها ب دراعاته الإتنين وهو بيبص لعيونها بغضب وعيون كحلية تطلع شرار:
”وعاد أنتِ مبيطمرش فيكي لوع؟ مش أنا جلت الحرمة اهني متتحركش من غير إدني؟ إيه اللي منزلك وواقفة تتصنت ع الحديت؟”
نور حاولت تظهر القوة وصوتها اترعش وهي بتبص لوشه القريب منها لدرجة حست بأنفاسه السخنة:
”أنت… أنت كنت بتقول إنه هيدبحني! يونس، أرجوك… سليم زهران ده وحش، وأنت كمان مش مريحني. رجعلي تليفوني وخليني أمشي، أنا ممكن أستخبى في أي مكان تاني برة الصعيد!”
يونس ضحك ضحكة واطية ومرعبة، ومال عليها أكتر لحد ما أنفاسه لفتت وشها، وقال بنبرة صعيدية تقيلة هزت كيانها بالكامل:
”تستخبي؟ ده أنتِ غلبانة جوي يا بت المحروسة. سليم زهران عيونه في كل شبر في مصر، ولو طلعتِ من باب القصر ده… مش هتلحقي تكملي خطوتين برة وهتكوني خبر عاجل في الجريدة بتاعتك.”
مد صوابعه القوية برقة مميتة ومشى ضهر صابعه على رقبتها الناعمة وهمس بصوت دافي بس حاد كالسيف:
”الرقبة دي عاد… بقت تخص يونس الهواري. ومفيش مخلوق يقدر يمسها بسوء طول ما أنا واجف على رجلي. الحين… اللعب الحقيقي هيبدأ، وسليم زهران هيدفع تمن غباءه غالي جوي.” حكايات مايا خالد يتبع تفاااااعل هكمل الجزء الثالث





