روايه كامله 3

الفصل الرابع والأخير: الحساب الأخير وستار السديلة
العربية كانت ماشية في طريق السويس، والشمس بدأت تتعامد في نص السما عشان تعلن عن ظهر يوم ما يشبهش أي يوم عدي على ندى ولا على الحاجة سنية.
ندى كانت ماسكة كشف الحساب والورقة الصغيره اللي سحبتها من تابلت كريم اللي كان سايبه في العربية، وعينيها بتتحرك بين السطور. السحوبات الكاش اللي بالآلاف كانت بتتم من ماكينات في منطقة شق التعبين وحدايق القبة، وأسماء تحويلات مالية شهرياً بتترمي لجمعيات وأشخاص مالهمش أي علاقة بشغله ولا بشركته.
الحاجة سنية كانت ساندة رأسها على شباك العربية، دموعها جفت بس كسرة قلبها كانت باينة في كل تكعيدة في وشها:
ـ “رايحين فين تاني يا ندى؟ هو لسه فيه مصايب تانية كريم مخبيها؟ ده أنا حاسة إن العمر اللي عشته معاه كان كذبة كبيرة، والولد اللي كبرته طلع واحد تاني ما أعرفوش.”
ندى لفت الدركسيون وهي بتتكلم بثبات وصوت حاسم:
ـ “فيه شوط أخير يا ماما لازم نكمله.. كريم مش بس كان بيلعب على حبلين، كريم كان داخل في شبكة قروض وتسهيلات باسمك وباسم شقتك القديمة، التحويلات دي رايحة لشركة محاماة ومكاتب تسوية ديون. الراجل ده مش بس خاننا في مشاعرنا، ده كان هيودينا كلنا في داهية ويبيع بيتك من وراكِ!”
شهقت الحاجة سنية وحطت إيدها على بقها:
ـ “بيتي؟! بيت المرحوم أبوه اللي حيلتي من الدنيا؟! ده كاتبه باسمه توكيل يدير بيه التأجير بس!”
ـ “وده اللي هنعرفه دلوقتي يا ماما.”
وصلوا قدام مكتب المحاماة في حدايق القبة. المكتب كان في عمارة قديمة، صالونه مليان ملفات وأوراق متراكمة. أول ما دخلت الحاجة سنية وندى، المحامي قام وقف باستغراب، أول ما شاف الحاجة سنية عرفها فوراً من أوراق التوكيلات والصور.
ـ “أهلاً يا سنية هانم.. خير؟ الأستاذ كريم قال لي إنك تعبانة ومش بتقومي من السرير وأنك مدياله التفويض الكامل عشان يبيع الشقة ويسدد القضايا اللي عليه!”
ندى زقت الكرسي وقعدت، وبصت للمحامي بعيون حادة:
ـ “يا حضرة المحامي، الحاجة سنية زي الفل واقفة على حيلها أهية. والكلام اللي قاله لك كريم كله كذب في كذب. إحنا جايين نلغي أي توكيل، ونعرف الحقيقة كاملة وإلا البلاغ للنيابة هيكون الصبح بتهمة التزوير والنصب والاستيلاء على أموال قاصر.”
المحامي ألوانه اتغيرت، وعرق بارد نزل على جبهته، جاب الملف الكبير وحطه قدامهم على الترابيزة:
ـ “يا فندم أنا ماليش دعوة! الأستاذ كريم جاب لي التوكيل رسمی، وقال إنه مزنوق في ديون تجارية بسبب خسارة في شركة الدعاية اللي فتحها من وراكم، وإن الشقة دي هي السند الوحيد عشان يدفع الكفالات ويقفل القضايا قبل ما يتحبس!”
الحاجة سنية مسكت الملف بإيدين بترتعش، وقرت الأوراق.. كريم كان واخد قروض بضمان الشقة، وبيسدد جزء منها من السحوبات الكاش، والجزء الثاني كان بيصرفه على شقة الشيخ زايد والمنظرة الكذابة اللي كان عايش فيها قدام مريم عشان يقنعها إنه رجل أعمال ناجح!
كان بياخد من هنا عشان يغطي هنا، يكذب على ندى عشان ياخد وقت، ويكذب على أمه عشان يبيع ممتلكاتها، ويكذب على مريم عشان يمثل دور البطل المنقذ.. كل حياته كانت عبارة عن أحجار دومينو متصوفة، لو حجر واحد وقع، الكيان كله ينهار!
ندى بصت للمحامي وقالت بنبرة لا تقبل الشك:
ـ “كل الأوراق دي تتلغي فوراً، والتسويات دي تقف. أي قرش متبقي باسم الحاجة سنية يتحفظ عليه، والتنازلات تعود فوراً لأصحابها.”
بعد ساعتين، ندى والحاجة سنية رجعوا الشقة الأساسية.. شقة الزوجية اللي شهدت على ست سنين من الصبر والشقاء.
المكان كان ساكت، بس السكوت المادي دي المرة كان فيه راحة.. راحة الست اللي عرفت عدوها واستردت حقها. يوسف ابنها كان عند أخت ندى، والبيت فاضي ومستني المواجهة الأخيرة.
الساعة جاب 4 العصر.. صوت المفتاح دار في الباب.
دخل كريم.. وشُه أسود زي الهباب، هدومه منكوشة، الكرافتة مفكوكة ومعدولة على جنب، وعينيه أحمرت من كتر التفكير والجري بين الشوارع بعد ما مريم سابت الشقة ولمت هدومها ومشيت، وأمه ومراته سابوه في الفضيحة.
دخل ولقى ندى والحاجة سنية قاعدين على نفس الكنبة، وبيناتهم كل أوراق المحامي، وكشوف الحسابات، وتوكيل الشقة الملغي.
كريم وقف عند الباب، وبص لهم بصوت مكسور، حاول يمثل الانكسار والندم:
ـ “ندى.. أمي.. خلاص، أنا انتهيت. مريم مشيت وخدت حاجتها، والعميل اللي كنت شغال معاه فسخ العقد لما عرف بالفضيحة. انتوا كدة ارتحتوا؟ دمرتوا حياتي؟”
ندى قامت وقفت، وقربت منه بخطوات هادية، وبصت له بكل قرف الدنيا:
ـ “إحنا اللي دمرنا حياتك يا كريم؟! ولا انت اللي دمرت كل بني آدم قرب منك؟ انت كذبت على أمك وقبلت تقول عليها ميتة عشان نزوة! كذبت عليا واستغفلتني وخلتني أطبخ وأجهز لأمك وأنا بجهز لهانم تانية! كذبت على مريم وإدتها أمل كذاب وحياة مبنية على وهم! وكنت رايح تبيع بيت أمك وتشرّد ابنك عشان تغطي على خيبتك وديونك!”
كريم نزل على ركبه في الأرض، وبدأ يعيط بالدموع، يمسك في جلابية أمه:
ـ “سامحيني يا أمي.. الشيطان غواني! كنت عايز أكبر بسرعة، كنت عايز أحس إني غني ومحبوب ومحدش يقدر عليا.. الغرور عماني يا أمي، سامحيني وحياة يوسف عندك!”
الحاجة سنية سحبت جلابيتها من تحت إيده بصرامة وقسوة عمره ما شافها فيها:
ـ “ما تجيبش سيرة يوسف على لسانك يا كريم! يوسف يتربى بعيد عن الكذب والنفاق ده. انت مش بس خسرت مراتك، انت خسرت أمك ودعواتها. الشقة اللي كنت عايز تبيعها اتلغى توكيلها، والديون اللي عليك شيلها لوحدك واستحمل نتيجتها.”
ندى رمت قدامه شنطة هدومه الكبيرة، اللي كانت جهزتها وهي مستنياه:
ـ “شنطتك أهية يا كريم. الشقة دي شقتي بقايمة وفلوسي، والورقة اللي بينا هتوصل لك عن طريق المأذون خلال أيام. يوسف مش هتحرم منه، بس هتشوفه بالقانون وفي أماكن رؤية رسمية.. عشان مش هسمح لواحد كذاب يعلم ابني إزاي يعيش بدقنين ووشين.”
كريم بص للشنطة، وبص لندى ولأمه، حاسس إنه اترمى في الشارع.. العز اللي كان عايش فيه، الشقة الفاخرة، الزوجة المخلصة، الأم الدعية، والاستقرار.. كله اتخرق وتبخر في أقلم من 24 ساعة.
ـ “ندى.. ارجوكي، ما ترميش ست سنين جواز في الزبالة!”
ـ “انت اللي رميتها يا كريم يوم ما حطيت أول كذبة في جيبك وخرجت بيها من الباب ده. مع السلامة.”
كريم قام بالراحة، مسك الشنطة بإيدين مرتعشة، وبص للمكان لآخر مرة.. البيت اللي كان مليان دفا وصوت ضحكات ابنه، بقى بالنسبة له جنة مقفولة بأبواب من حديد. خرج ورا الباب، واتقفل الباب وراه بصوت حاسم ينهي فصل كامل من الخداع.
بعد مرور ستة أشهر…
في نفس الصالة، الشمس كانت داخلة من الشباك بتنور المكان.
ندى كانت قاعدة على الترابيزة، قدامها أوراق شغلها الجديد في مكتب تصميم وإيكومرس كانت فتحته مع أختها، وشها ردت فيه الروح، وعينيها فيها لمعة أمل وثقة بنفسها.
يوسف كان بيلعب في الصالة بصوت عالي وبيضحك، والحاجة سنية قاعدة على الكنبة بتسبح وبتبتسم وهي بتبص له.
الحاجة سنية ما سابتش ندى، اختارت تعيش معاها ومع حفيدها، لأنها عرفت إن الأصل والجدعنة كانا هنا، مش عند ابنها اللي جابته من بطنها.
تليفون ندى رن.. كان المحامي.
ـ “مساء الخير يا مدام ندى. حبيت أبلغك إن حكم الطلاق النهائي صدر النهاردة، وكل حقوقك المالية والقوايم اتحكم لك بيها، وقضية النفقة اتحددت جلسة تنفيذها.”
ندى اتنفست بنفس عميق، ونزلت السماعة وهي بتبتسم للحاجة سنية:
ـ “الحق رجع يا ماما.. والقضية اتفلست خالص.”
الحاجة سنية رفعت إيدها للسما ودعت:
ـ “ربنا يعوضك يا بنتي، ويجعل صبرك ده في ميزان حسناتك.. كريم اختار طريقه، والشهور اللي فاتت أدبته لما الديون تراكمت عليه وشغله اتأثر، بس ده حصاد اللي زرعه بإيده.”
ندى راحت عند الشباك، بصت للسما الصافية.. افتكرت الليلة الأولى لما كريم دخل وقال: “أنا كنت سهران عند أمي لحد الفجر”.. افتكرت الشك والوجع والانهيار، بس افتكرت كمان إن القوة مش إنك ما تقعش، القوة إنك تقوم وتكشف الحقيقة وتكسر الكذبة حتى لو كانت هتهد الدنيا حواليك.
لفت ندى وشها لابنها يوسف، حضنته بقوة وقالت بثقة:
ـ “النهار طلع خلاص يا يوسف.. ومش هسمح لأي ضلمة تدخل بيتنا تاني.”
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *