روايه للكاتب محمد نور

### الجزء الأول: الندبة تحت طيات الرداء
حلّ صمت كالمقابر في الصالة الرئيسية لقصـر “المنصور”، عندما أمسكت “ريهام” بياقة رداء الخادمة “حنان” وسحبتها بكل ما أوتيت من قوة.
تمزق القماش الأبيض من الكتف حتى الصدر.
شهقت عدة سيدات من الصدمة، وتجمد النُّسّاخ والخدم في أماكنهم حاملين صواني العصير والضيافة، وتوقفت رنّات الكؤوس تماماً.
أكثر من 100 ضيف من كبار الشخصيات كانوا يرقبون المشهد بأعين متسعة.
كان هذا حفل خطوبة “عدنان المنصور”، أحد أكبر وأثرى رجال الأعمال في العاصمة، على “ريهام العطار”، ابنة عائلة نافذة ذات نفوذ وسياسة.
قضت ريهام أشهرًا وهي تستعد لهذه الليلة؛ طلبت استيراد الزهور خصيصاً من الخارج، واستأجرت طهاة عالميين، وغطت حديقة القصر بآلاف الأضواء البراقة. كانت تريد أن يراها الجميع بصفتها “سيدة القصر الجديدة”.
لكنها الآن، تقف في منتصف القاعة، وهي تمسك بقطعة ممزقة من ثوب خادمة بسيطة.
قالت ريهام بابتسامة صفراء شريرة: «هكذا تتعلمين كيف لا تفسدين عليّ حفلتي!»
لم ترد حنان بأي كلمة.
كانت حنان في الخامسة والثلاثين من عمرها، أرملة تعمل منذ 8 سنوات في خدمة العائلات الثرية، وقد وصلت إلى قصر المنصور قبل 6 أشهر فقط عبر مكتب توظيف.
كانت دائماً قليلة الكلام، تطأطئ رأسها باحترام، وتخفي تحت ياقة ثوبها سلسلة ذهبية ناعمة مع قلادة بها معلقة صغيرة.
في البيت، كان ينتظرها ولدها الصغير “إياد” ذو العشر سنوات، والذي تربيه بمفردها منذ وفاة زوجها في حادث سير أليم.
كانت حنان تتحمل ساعات العمل الطويلة والقاسية لأنها بحاجة لدفعة الإيجار وشراء أدوية والدتها المريضة. لم تكن تبحث عن شفقة من أحد، بل كانت كل رغبتها أن تعيش بكرامة وتوفر قوت يومها.
لكن ريهام لم تعاملها يوماً كبشر؛ منذ أن قدمت إلى القصر وهي تفرقع أصابعها لمناداتها، وتترك الأطباق المتسخة في الغرف النظيفة، وتوبخها أمام الضيوف لمجرد إحراجها، بل وكانت تكسر التحف وتلقي بالتهمة على حنان.
“سارة”، ابنة عدنان ذات التسع سنوات، شهدت إحدى تلك الواقعات بنفسها؛ حيث رأت كيف دفعت ريهام مزهرية خذفية أثرية من فوق الطاولة.
قالت الطفلة حينها: «بابا.. حنان لم تكسر المزهرية».
قطّب عدنان حاجبيها، لكنه لم يرغب في افتعال شجار مع خطيبته؛ إذ كان مشغولاً للغاية بأعمال شركته وتجهيزات الحفل والزفاف: «سنتحدث لاحقاً يا حبيبتي».




