روايه للكاتبه اماني السيد الجزء الاخير
عدت الليلة دي كأنها سنة كاملة.. منمتش فيها غير ساعات قليلة، كنت بقوم من النوم مخنوقة وأبص حواليا، أفتكر إن خلاص، مفيش حامد، ومفيش خمس سنين، ومفيش بكا من النهاردة. صحيت الصبح وأنا حاسة بنشاط غريب، نشاط حد بيبدأ معركة جديدة بس المرة دي المعركة مع نفسه عشان يقف على رجله.
على الساعة عشرة الصبح، الباب خبط. فتحت لقيت تاجر الموبيليا المستعملة ومعاه تلات عمال بجسام قوية وشكلهم شقيان. التاجر دخل وبص حواليا بنظرة فاحصة، وبدأ يتنقل بين الأوض ويعاين الخشب والأجهزة وهو بيحسب في سره.
التفت لي وقال بنبرة تجارية: «بصي يا ست هانم.. العفش نضيف ومستعمل خفيف، بس السوق نايم والأسعار مريحة.. أنا هخلص معاكي في الشقة دي كلها بـ [مبلغ]، وعليا أنا تكلفت النقل والعمال والنزول».
المبلغ كان أقل بكتير من قيمته الحقيقية، وكان زماني هقف وأفاصل وأحزن على شقا عمري، بس النهاردة الأمر اختلف. بصيت له وقولت بمنتهى البرود: «مش هنختلف يا أسطى.. المهم عندي الشقة دي تفضي من كل مسمار فيها قبل العصر. مش عايزة أشوف قطعة خشب واحدة هنا».
الراجل فرح بالبيعة السهلة، وإشارة واحدة منه خلّت العمال يبدأوا زي الخلية. بدأت الأصوات تعلى في الشقة؛ صوت فك المسامير، وضربات الشاكوش، وجرجرة الخشب على البلاط.
كنت واقفة في البلكونة ساندة ضهري وبراقب المنظر. شفت غسالتنا وهي بتتشال، شفت الكنبة اللي قعدت عليها سنين مستنياه ومقصرتش في حقه وهي بتخرج من الباب.. شفت السرير اللي شهد دموعي في أنصاص الليالي وهو بيتفكك لقطع خشب مالهاش معنى.
كل قطعة كانت بتخرج من الشقة، كانت بتاخد معاها ذكرى وجع من قلبي. البيت اللي كان مليان دوشة وتفاصيل، بدأ يفضى وتظهر حيطانه السادة.. الحيطان اللي بان عليها علامات البراويز والصور اللي كانت معلقة وشيلتها بإيدي ورميتها.
على الساعة تلاتة العصر، الشقة بقت عبارة عن صالة فاضية واسعة، وصوت صدى الصوت بيرن فيها مع كل خطوة خطيتها. التاجر سلمني الفلوس كاش، حطيتهم في شنطة إيدي وقفلت عليها بقوة.. الفلوس دي هتكون البداية الجديدة اللي هسند بيها نفسي.
كلمت عم جلال، ومفيش عشر دقايق وكان طالع. الراجل دخل الشقة وبص يمين وشمال وهو مذهول من الفضا، ضرب كف على كف وقال بحزن: «يا حول الله يا رب.. الشقة فضيت يا عائشة يا بنتي؟ ده أنا كنت بحس بجمال البيت ده من ضحكتك ونضافتك فيه».
نزلت دموعي غصب عني بس مسحتها بسرعة وابتسمت له: «الحمد لله يا عم جلال، الشقة أهي نضيفة وزي الفل ومفيهاش غلطة، وده مفتاح الشقة أهو.
عم جلال أخد المفتاح وإيده بتترعش، وطبطب على كتفي وقال: «ربنا يعوضك يا بنتي، والله أنتِ ست بـ ميت راجل، وهو اللي خسر جوهرة زيك، بكرة يشوف ويبكي على الأيام دي.. طمنيني عليكي وكلميني دايماً».
شيلت شنط الهدوم بتاعتي اللي فضلت، ونزلت السلم وعم جلال كان شايل معايا الشنط لحد تحت. طلبت تاكسي، وحطينا الشنط في الشنطة ورا.
قبل ما أركب، لفيت وبصيت لعمارة بيتي القديم نظرة أخيرة.. مكنتش نظرة ندم، كانت نظرة وداع لـ «عائشة القديمة» الطيبية اللي كانت بتتحمل الإهانة والتجاهل باسم الحب والصبر.
ركبت التاكسي وقولت للسواق وعيني بتلمع بقوة وإصرار .
التاكسي بدأ يتحرك، ومع كل متر بيبعدني عن المكان ده، كنت بحس بقلبي بيخف ونفسي بيبدأ يرجع طبيعي. كنت رايحة لبيت أبويا وأمي.. الحضن الدافئ اللي مستنيني بقلب مفتوح ودعاء صادق. الطريق كان طويل، بس لأول مرة من خمس سنين، كنت حاسة إني عارفة أنا رايحة فين، وبإرادتي أنا.





