سر عمري ج٢

في الجزء من الثانية ده، عقلي اشتغل بأقصى سرعة ممكنة. شفت عربية شريف وهي بتركب على الرصيف، وشفت طارق واقف برة الإزاز عينه في عيني، ملهوف ومستني خطوة مني. لو فضلت واقفة مكاني، شريف هينزل، هيشوف طارق، وهيفتكر ملامحه من صور الشغل القديمة اللي كان شافها زمان، أو على الأقل هيحس بالارتباك اللي مالي المكان والبيت كله هيتهد فوق دماغي. بقلـم حكايات منـال علي
الخوف مكنش بس على بيتي، الخوف كان من المواجهة مع الحقيقة. الحقيقة الصعبة إني كنت متمسكة بـ “وهم” عشان أهرب بيه من واقع عادي.
أخدت نفس طويل، رميت سلة المشتريات من إيدي على أقرب رف، وطلعت برة السوبرماركت بسرعة قبل ما شريف يطفي الموتور وينزل. وقفت قدام طارق مباشرة.بقلـم حكايات منـال علي
طارق أول ما شافني قربت منه، عينيه لمعت بابتسامة دافية، الابتسامة اللي كنت بنام وأصحى أتخيلها: “نادين.. أنا مش مصدق إني شايفك..”
“امشي يا طارق.”
قطعت كلامه بنبرة حادة وصوت واطي جداً بس قوي زي الطلقة. الابتسامة اختفت من على وشه وحل مكانها ذهول: “نادين؟ أنا تعبت عشان أوصلك.. أنا رجعت عشانك!”بقلـم حكايات منـال علي
“عشاني أنا؟ ولا عشان البنت اللي في خيالك من
تلات سنين؟” بصيت في عينيه مباشرة ولأول مرة محستش بالشغف اللي كنت بتخيله، حسيت بس برعب وبشخص غريب واقف قدامي. “البنت اللي إنت بتتكلم عنها دي مبقتش موجودة. أنا ست متجوزة، وعندي بيت وراجل بيصونني وأنا بصونه. لو سمحت.. لو كان فيه بيننا أي احترام متبادل زمان، امشي حالا ومتورينيش وشك تاني.”بقلـم حكايات منـال علي
“بس إنتي مكنتيش سعيدة يا نادين.. أنا عارف..” طارق قالها وهو بيحاول يمسك إيدي.
سحبت إيدي بسرعة وبصيت ناحية العربية، شريف كان بيفتح الباب وبيعدل قميصه عشان ينزل.
“امشي يا طارق.. حالا!” قولتله وعيني بتلمع بدموع رجاء حقيقية. “امشي ومتخربش حياتي.”بقلـم حكايات منـال علي
طارق بص لملامح الرعب الحقيقية اللي في وشي، وبص للراجل اللي نازل من العربية وبيتجه ناحيتنا. أدرك أخيراً إن اللعبة انتهت، وإن الخيال اللي عيشنا فيه زمان ملوش مكان في الواقع. لف وشه وبدأ يختفي وسط زحمة الشارع بسرعة، كأنه طيف ملوش وجود.
في نفس اللحظة، شريف قرب مني. كان ماسك في إيده كيس صغير فيه علبة دواء كنت نسياها على السفرة الصبح.
“نادين؟” شريف قالها وهو بيبص حواليه بشك خفيف. “أنا جيت عشان أديكي علبة الدواء دي.. لقيتها على السفرة وكنتي محتاجاها. هو.. مين الراجل اللي كان واقف معاكي ده؟”بقلـم حكايات منـال علي
قلبي دق بسرعة، بس المرة دي الهدوء نزل عليا كأنه معجزة. بصيت لشريف، لملامحه التعبانة من الشغل، للراجل اللي حاول امبارح يفضفضلي بكل عيوبه وضعفه عشان بيثق فيا، الراجل اللي بيسعى عشان بيتنا يفضل واقف.
“ده.. ده واحد كان بيسأل عن مكان فرع البنك اللي في آخر الشارع يا شريف.” قولت بابتسامة هادية وأنا باخد منه كيس الدواء. “شكراً يا حبيبي إنك جيبتهولي.. تعبت نفسك.”بقلـم حكايات منـال علي
شريف بص في عيني كتير، كأنه بيدور على طارق، أو بيدور على أي كدبة. بس لقى عيني صافية ورايقة لأول مرة من سنين. مسك إيدي وقال بصوت دافي: “تعبك راحة يا نادين.. يلا عشان نرجع البيت سوا؟ أنا كدة كدة خلصت شغل بدري النهاردة.”
“يلا يا حبيبي.”
ركبت معاه العربية. وإحنا ماشيين في طريقنا، وشريف مشغل أغنية هادية في الراديو وبيسوق بهدوء، بصيت من الشباك على الشوارع والناس. حسيت كأن حمل جبل انزاح من على صدري.
أدركت في اللحظة دي حقيقة مهمة جداً؛ طارق اللي كنت بحبه وبتمناه وبتخيله مكان شريف، مكنش طارق الحقيقي.. كان “وهم” أنا اللي صنعته وزينته في خيالي عشان أهرب بيه من روتين الحياة التقليدية. طارق الحقيقي لما ظهر، خاف على نفسه وممشيش غير لما لقى بيتي هيتخرب. أما شريف.. شريف الحقيقي بكل عيوبه، وبكل ضعفه وبكائه على حبيبته القديمة، هو اللي واقف جنبي، هو اللي بيجيبلي دواي، وهو الواقع اللي بيحميني.بقلـم حكايات منـال علي
بصيت لشريف وقولتله فجأة: “شريف.. أنا بحبك.”
شريف اتفاجئ، بصلي وابتسم ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه، ومسك إيدي بقوة وقال: “وأنا كمان بحبك يا نادين.. وفعلاً.. بكرة هيبقى أحسن طول ما إحنا مع بعض وبنسند بعض.”
جملة “بكرة هيبقى أحسن” المرادي مكنتش الجملة اللي بصبر بيها نفسي على الحرمان، كانت الوعد الحقيقي اللي هبدأ أعيشه.بقلـم حكايات منـال علي
في الحقيقة، يمكن نكون أنا وشريف متجوزناش عن حب أسطوري، ويمكن نكون دخلنا الجوازة دي وفي قلوبنا أشباح من الماضي.. بس الأكيد إننا قررنا النهاردة ندفن الأشباح دي ونقفل عليها بالتراب، ونعيش لبعض بجد. مش مهم مين فينا كان الضحية ومين الخاين في أفكاره.. المهم إننا اخترنا نكون لبعض في الحاضر والمستقبل.
والخيال؟ الخيال هيفضل مجرد حكايات بنحكيها لنفسنا في الضلمة، بس لما الشمس بتطلع.. مبيفضلش غير الواقع اللي بنبنيه بإيدينا.
**تمت**





