تركني في الصحراء من حكايات فاتن

بنت الرمل… والحصان اللي أنقذها
في ليلة صحراوية قاسية، كانت الرياح تعوي فوق رمال طريق قديم بين الواحات، والسماء سوداء كأنها شايلة هم الدنيا كلها.
العربيات اختفت من الطريق من بدري، والهدوء كان مرعب… إلا من صوت حصان بيجري وسط الرمل كأنه هربان من الموت.
الحصان الأسود كان معروف وسط البدو باسم “البرق”. حصان محدش قدر يروضه. لا يقرب من بشر، ولا يسمح لحد يلمسه.
لكن الليلة دي… كان واقف ثابت. قدامه طفل ملفوف في قماشة بيضا متسخة بالرمل.
الطفلة كانت بتعيط بصوت ضعيف… كأن نفسها الأخير بيطلع منها.
وفي نفس اللحظة، كانت “الحاجة زينب” راجعة بعربيتها الكارو من السوق. ست كبيرة، عاشت عمرها كله لوحدها بعد وفاة جوزها، لا خلفت ولا حد سأل عنها.
فجأة حصان وقف قدام الطريق.
شدت اللجام بخضة: — يا ساتر يا رب!
الحصان ما اتحركش… بس بص لها بعينيه السودا وكأنه بيناديها.
قربت بحذر… وسمعت صوت العياط.
قلبها وقع.
جريت ناحية الصوت، ولما شافت الرضيعة مرمية وسط الرمل ركعت على الأرض وهي بتصرخ: — حسبي الله ونعم الوكيل! مين يرمي حتة لحمة كده للموت؟!
الطفلة كانت سخنة من الحر، شفايفها ناشفة، وإيديها الصغيرة مقفولة بقوة.
لكنها عايشة.
والحصان واقف جنبها كأنه حارس.
الحاجة زينب لفت البنت بعبايتها بسرعة، وبصت حواليها… مفيش غير آثار عربية بعيدة اختفت وسط الصحراء.
همست للحصان: — إنت اللي حميتها؟
الحصان نفخ بقوة من مناخيره… وكأنه بيرد عليها.
ومن الليلة دي… كل حاجة اتغيرت.
رجعت الحاجة زينب لبيتها الصغير على أطراف قرية “العمارية”.
بيت قديم مبني بالطوب اللبن… ريحة العيش البلدي مالية المكان، وسقف خشب بيصرصر مع الهوا.
ولأول مرة من سنين… البيت حس إنه فيه روح.
سمّت البنت “رحمة”.
وقالت: — دي رحمة من عند ربنا… جاتلي بعد ما كنت فاكرة إن الدنيا نسيتني.
كبرت رحمة وسط حضن الحاجة زينب. كانت بتصحى على صوت الفراخ، وتنام على حكايات زمان.
لكن أغرب حاجة… إن الحصان “البرق” ما اختفاش.
كل يوم ييجي يقف قدام البيت. ساكت. يراقب.
ولو رحمة اختفت دقيقة عن عينه… يفضل يصهل بعصبية.
وأهل البلد بقوا يقولوا: — الحصان ده مربوط بالبنت دي برباط مش طبيعي.
الغريب إنه ما كانش يسمح لأي حد يقرب منه… إلا رحمة.
كانت وهي عندها خمس سنين تشد ديله وتضحك، وهو واقف مستحمل. ولما تعيط… يقرب منها ويحط راسه جنبها بهدوء.
مرت السنين… ورحمة بقت بنت جميلة وقوية.
عينيها واسعة فيها حزن قديم محدش فاهمه. وشخصيتها مختلفة عن أي بنت في البلد.
كانت تركب الخيل كأنها اتولدت فوق ظهر حصان. وكان البرق ماشي وراها في كل حتة.
لحد ما دخل “سالم” حياتها.
سالم كان شاب غلبان، بيشتغل ميكانيكي في القرية. طيب وهادي، وعينيه دايمًا مليانة احترام ليها.
كان كل ما يشوفها معدية على الحصان يبتسم ويقول: — والله يا رحمة… إنتِ شبه الأميرات اللي بنسمع عنهم في الحكايات.
فتضحك وترد: — وأهو ناقصني التاج بس.
ومع الوقت… قلبها بدأ يدق له.
لكن الدنيا عمرها ما بتدي حد فرحة كاملة.
في سنة من السنين، ضرب الجفاف البلد. الأرض نشفت. الزرع مات. والناس غرقت في الديون.
وفي عز الأزمة… دخلت عربيات سودا فخمة القرية.
نزل منها راجل كبير، شعره شايب، لابس بدلة غالية، وحواليه رجالة حماية.
الناس همست: — ده الحاج منصور الجبالي… رجل الأعمال الكبير.
كان جاي يشتري أراضي البلد بثمن رخيص عشان يبني مشروع ضخم.
رحمة كانت واقفة تسقي البرق لما شافته.
وفجأة… حست رجليها بتترعش.
الراجل أول ما عينه وقعت عليها… وشه اصفر.
ثبت مكانه كأنه شاف شبح.
لأن رحمة… كانت نسخة طبق الأصل من أمها.
الحاجة زينب خرجت من البيت، وما إن شافته حتى شهقت: — إنت؟!
الراجل ارتبك: — انتي لسه عايشة؟
قالت وهي بتترعش من الغضب: — ولسه فاكرة اللي عملته يا منصور… يوم ما رميت بنتك تموت في الصحرا!
رحمة حسّت الدنيا بتلف حواليها.
— بنتك؟!
سكتت البلد كلها.
والبرق ظهر فجأة من آخر الطريق… يجري بسرعة مرعبة.
وقف قدام رحمة مباشرة، وبدأ يخبط الأرض بحافره بعنف.
منصور رجع لورا بخوف حقيقي.
رحمة بصت للحاجة زينب بصدمة: — يعني إيه الكلام ده؟!
الحاجة زينب دموعها نزلت: — إنتِ مش بنتي يا رحمة… أنا لقيتك مرمية في الصحرا يوم ما أبوكي قرر يتخلص منك عشان اتولدتي بنت.
رحمة حسّت سكين بتدخل قلبها.
بصت لمنصور: — صحيح؟!
الراجل حاول يهرب بعينيه.
— زمان… كنت محتاج ولد يشيل اسمي… وأمك ماتت وقت الولادة… وأنا…
صوته اتكسر.
لكن رحمة صرخت: — فقررت تقتلني؟!
ما ردش.
لأن مفيش رد ينفع.
الليل نزل على القرية ثقيل.
ورحمة خرجت تجري وسط الأراضي الزراعية وهي بتعيط لأول مرة من سنين.
البرق كان وراها طول الطريق.
وقفت عند الترعة، وانهارت على الأرض: — ليه؟! أنا ذنبي إيه؟!
الحصان قرب منها ببطء… وحط راسه على كتفها.
وفي اللحظة دي افتكرت…
إن اللي أنقذها ما كانش أبوها. ولا أي بني آدم.
كان حصان.
وكانت ست غلبانة مالهاش أي مصلحة.
ومن يومها… قررت رحمة إنها مش هتعيش مكسورة.
في اليوم التالي، أهل البلد اتجمعوا. ومنصور حاول يشتري سكوتهم بالفلوس.
لكن رحمة وقفت وسط الناس وقالت: — الراجل اللي يبيع بنته وهي رضيعة… هيبيع بلد كاملة عادي.
الكلام نزل على الناس كالصاعقة.
وسالم وقف جنبها وقال: — وإحنا مش هنبيع أرضنا.
واحدة واحدة… الناس رفضت توقّع العقود.
منصور خسر الصفقة. وخسر هيبته. ولأول مرة في حياته… خسر قدام بنت كان فاكرها ماتت.
قبل ما يمشي، حاول يقرب من رحمة: — سامحيني…
لكن البرق وقف بينهم. يرفع راسه بعنف.
منصور فهم الرسالة.
فرجع لعربيته… ومشى من غير ما يبص وراه.
زي ما عمل زمان.
لكن الفرق إن الرضيعة الضعيفة… بقت ست محدش يقدر يكسرها.
بعد شهور، البلد بدأت تتعافى. والناس ساعدت بعض.
ورحمة فتحت مشروع صغير لتربية الخيول مع سالم. والبرق كان دايمًا واقف وسط المكان كأنه الملك الحقيقي.
وفي ليلة هادية… طلعت رحمة فوق التل اللي اتلقت فيه زمان.
حضنت رقبة البرق وهمست: — إنت كنت عيلتي قبل ما أعرف يعني إيه عيلة.
الحصان نفخ بهدوء على وشها…
نفس النفخة… اللي أنقذت حياتها وهي رضيعة بين الرمل والموت.
وفي اللحظة دي… عرفت إن الرحمة أحيانًا ما بتيجيش من البشر.
أحيانًا… بتيجي في هيئة حصان واقف ضد الدنيا كلها عشان يحمي طفلة صغيرة.





