خلف الستارة بقلم مايا خالد

📲كلمنا أرقام عشوائية، نقول بنبرة كلها سهوكة: “أنا بحبك.. ومقدرش أعيش من غيرك”
ونقفل السكة ونموت على روحنا من الضحك لما نسمع ردود أفعالهم.
كانت مجرد تسلية.. تضييع وقت مش أكتر، لحد ما ضربت رقم، وجالي الرد.
الصوت المرة دي مكنش متفاجئ، ولا شتم، ولا قفل السكة. كان صوت راجل هادي جداً، هدوء يرعب. سكت ثانية بعد ما قولت جملتي، وبعدين رد بنبرة واطية وبطيئة:
— “وأنا كمان بحبك يا هند.. وكنت مستني المكالمة دي من زمان.”
جسمي كش وفجأة الضحكة جمدت على شفايفي. أنا ملقلتش اسمي! ولا هو يعرفني! وقبل ما ألحق أنطق كلمة، كمل وهو بينهج:
— “بلاش تبصي من شباك الأوضة دلوقتي.. عشان أنا شايفك، والبيجامة الوردي عليكي تجنن.”
تلفوني وقع من إيدي على السرير. الأوضة لفّت بيا والدم هرب من عروقي. بصيت لنهى لقيت وشها أصفر زي الليمونة.. هي كمان سمعت الصوت!
أنا فعلاً كنت لابسة بيجامة وردي! والشباك كان موارب!
جريت وقفلت الشباك والستائر وأنا بترعش، وحلفت مية يمين إني مش هعمل الحركة دي تاني في حياتي. غيرت شريحة التلفون خالص تاني يوم عشان أهرب من الكابوس ده.
فات أسبوع.. وبدأت أنسى وأقول لنفسي “أكيد حد من الجيران كان بيراقبني وصاحب الرقم بالصدفة”.. لحد ما رجعت البيت في يوم، ودخلت أوضتي.. لقيت على السرير علبة هدايا متغلفة شيك جداً، ومعاها ورقة مكتوب فيها بخط إيد منظم:
“وحشتني المكالمة بتاعتك.. الشريحة الجديدة مش هتبعدني عنك يا هند. افتحي الهدية.. هتعجبك.”
فتحت العلبة وإيدي بتترعش، والصدمة لجمت لساني.. جوا العلبة كانت السلسلة الفضة بتاعتي اللي ضاعت مني في الكلية من سنتين! يعني الشخص ده مش مجرد نمرة عشوائية، ده حد عايش وسط أيامها، ومخطط لكل خطوة.. بقلم مايا خالد
الدنيا اسودّت في عيني، والسلسلة في إيدي كانت بتلسعني كأنها جمرة نار. السلسلة دي بالذات أنا كنت قالبه الدنيا عليها، ومستحيل حد يعرف قيمتها عندي غير حد قريب مني قوي.. حد عارفني من سنتين! يعني الموضوع مش صدفة، مش مجرد “واحد عاكسني من الشباك”، ده كابوس مترتبله صح.
نهى دخلت الأوضة ولما شافتني واقفة متخشبة والعلبة في إيدي، جريت عليا:
— “في إيه يا هند؟ إيه العلبة دي؟”
شافت السلسلة، وشهقت وهي بتحط إيدها على بوقها:
— “مش دي اللي ضاعت منك في سنة ثانية؟ دي جابها منين؟! هند.. البيت ده يدخله إزاي؟!”
السؤال ده خلّى ضهري يقشعر. البيت! إحنا ساكنين في الدور الثالث، وباب الشقة دايماً مقفول، ومفيش حد غريب دخل النهاردة غير دليفري السوبر ماركت، وأمي هي اللي استلمت منه. جريت على أمي في المطبخ وأنا بحاول أبان طبيعية عشان متتخضش:
— “ماما.. هو حد دخل أوضتي النهاردة وأنا بره؟ أو في حد غريب جه البيت؟”
أمي بصتلي باستغراب وهي بتقلب الأكل:
— “لا يا بنتي، محدش جه خالص غير ابن طنط سعاد جارتنا، جاب الأطباق اللي كانت واخداها مننا، ودخل الحمام غسل إيده وهرج مع أخوكي شوية ومشي.. ليه في إيه؟”
نزل عليا هدوء غريب.. هدوء الرعب. “كريم” ابن طنط سعاد؟ كريم معايا في نفس الكلية، بس هو أكبر مني بسنتين.. وتخرج السنة اللي فاتت! هو اللي كان بيقعد معانا في الكافيتريا، وهو اللي ساكن في العمارة اللي وشنا بالظبط، يعني شباك أوضته كاشف شباكي!
سيبت أمي ورجعت الأوضة قفلت الباب بالمفتاح. نهى كانت هتموت من الخوف: “عرفتي حاجة؟”
مسكت تلفوني.. وبدون تفكير، طلعت الشريحة القديمة اللي كنت شلتها، حطيتها في المفعول، ورنيت على الرقم.. الرقم العشوائي اللي قلب حياتي.
الخط جمع.. رن رنة.. والثانية.. وفجأة فتح.
مفيش صوت.. بس سامعة صوت نفس هادي.. ونغزة خفيفة في الخلفية.. نغزة ساعة حيطة بتقدم وتأخر.. نفس الساعة اللي عند كريم في الصالة!
نطقت بالعافية وصوتي بيترعش:
— “كريم؟”
الصوت رجع تاني، بنفس الهدوء اللي يرعب، بس المرة دي ضحك ضحكة واطية:
— “تأخرتي قوي يا هند.. سنتين بحالهم مستنيكي تحسي بيا، ومستنيكي تكلميني. كنتي فاكرة إنها مكالمة عشوائية؟ أنا اللي خليت أصحابك يخلّوكي تلعبي اللعبة دي.. وأنا اللي خليت رقمي يظهر قدامك.”
جسمي كله ساب، ودموعي نزلت:
— “أنت عايز مني إيه؟ دخلت أوضتي إزاي؟”
رد عليا وصوته فجأة اتقلب لجدية تخوف:
— “أنا في كل مكان حواليكي يا هند.. السلسلة رجعتلك، والمرة الجاية.. أنا اللي هاجي ومبقتش هكتفي بالفرجة من الشباك. متقاطعيش المكالمات تاني.. عشان الشريحة الجاية أنا اللي هحطهالك بإيدي في التلفون.”
الخط قفل.. وفي نفس اللحظة، سمعت صوت خبطة خفيفة على شباك الأوضة من بره، كأن حد بيحدف طوبة صغيرة. بصيت أنا ونهى للشباك واحنا حاضنين بعض، والستارة بتتحرك ببطء كأن في حد واقف وراها!
الستارة كانت بتهتز ببطء، والهوا اللي داخل من وراها كان ساقع كأنه جاي من تلاجة موتى. أنا ونهى كنا متثبتين في مكاننا، مش قادرين نصرخ ولا حتى نتنفس. الخبطة على الإزاز اتكررت تاني.. تك.. تك.. تك.
نهى وشها بقا أبيض زي الكفن، وهمست بصوت مبحوح:
— “هند.. الشباك مقفول؟ إحنا مش قفلناه؟”
مستنتش منها إجابة، سحبتها من إيدها وبأقصى سرعة عندنا جرينا على باب الأوضة، فتحت القفل وإيدي بتترعش وخرجنا للصالة واحنا بننهج كأننا كنا بنجري ماراثون. أمي بصت لنا بفزع وهي شايلة صينية الأكل:
— “في إيه يا بنات؟ مالكم بتجروا كدة ليه؟ وشكم خطفه الدم!”
حاولت أجمع جملة مفيدة على بعضها، بس صوتي مكنش طالع، نهى لحقتني وقالت بسرعة:
— “مفيش يا طنط.. بس في فار كبير طلع من تحت السرير وهند خافت قوي.”
أمي هزت رأسها بقلة حيلة:
— “خضيتوني يا فزعات.. طيب ادخلوا كلوا لقمة عبال ما أخوكي ييجي ويشوفه.”
سحبنا كراسي السفرة وقعدنا، بس الأكل مكنش ليه أي طعم. عيني كانت متبتة في الساعة اللي في الصالة، وتفكيري كله في كريم. الشاب المؤدب، الهادي، اللي دايماً بيساعد طنط سعاد، يطلع هو الوش التاني للكابوس ده؟
بعد نص ساعة، الباب فتح ودخل أخويا الكبير “أحمد”. أول ما شوفته حسيت إن الروح ردت فيا. أحمد كان ظابط شرطة، وده كان الأمل الوحيد ليا عشان أخلص من المصيبة دي. استنيت لما أمي دخلت المطبخ ثواني، وشدّيت أحمد من إيده ودخلنا الأوضة أنا ونهى وقفلنا الباب.
أحمد استغرب:
— “في إيه يا هند؟ ملامحك مش مريحة.. ونهى شكلها مرعوب.”
طلعت العلبة القطيفة من جيبي، وحطيت السلسلة في إيده، وحكيت له كل حاجة.. من أول المكالمة العشوائية والبيجامة الوردي، لحد دخول كريم البيت والسلسلة اللي ضاعت من سنتين.
أحمد ملامحه اتقبضت، وعروق إيده ظهرت وهو بيسمعني. سكت شوية، وبعدين مشي ناحية الشباك. فتحه ببطء وبص بره.. الشباك بتاع أوضتي قصاد شباك أوضة كريم بالظبط، والمسافة بينهم مش بعيدة، لدرجة إن في حبل غسيل قديم ممدود بين البلكونتين بتوع المنور.
أحمد بص في الأرضية ورا الستارة، وفجأة وطى جاب حاجة.. كانت “ورقة شجر” من الزرع اللي أمي حطاه في البلكونة اللي جنب الشباك. أحمد بصلي وقال بصوت واطي:
— “هو مدخلش من باب الشقة يا هند.. هو دخل من الشباك ده لما أمك كانت في المطبخ، كريم رياضي وبيتنطط على الحبال دي من صغره.. هو عارف إنك مش هنا.”
كلام أحمد خلاني هقع من طولى، بس هو مسكني من كتفي وقال بقوة:
— “اسمعيني كويس.. مفيش دقيقة تضيع. الشريحة القديمة معاكي؟”
هزيت رأسي بـ “آه”.
أحمد: “حطيها في التلفون.. واطلبي الرقم تاني دلوقتي حالا، وافتحي السبيكر.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بطلب الرقم. الخط جمع.. ورن.
المرة دي مجاش صوت نفس.. جه صوت مزيكا هادية قوي.. مزيكا صندوق هدايا قديم.
كريم رد، وصوته كان مليان شماتة:
— “أخوكي الظابط مش هيحميكي مني يا هند.. أنا شايفه وهو واقف جنبك في الأوضة دلوقتي.”
أحمد سحب التلفون من إيدي بسرعة وعلي صوته:
— “كريم.. اسمعني كويس، دقيقتين بالظبط وتكون عندي في الشقة، وإلا وعهد الله هجيلك أنا وأقسملك بالله هتشوف وش مش هيدخلك السجن.. هيدخلك القبر.”
كريم ضحك ضحكة عالية وهستيرية هزت السماعة:
— “تنورني يا سيادة الظابط.. بس قبل ما تيجي.. بص كده من الشباك على الشقة بتاعتي.. وقولي رأيك.”
أحمد جري على الشباك وبصينا وراه.. شقة كريم كانت مضلمة تماماً، بس فجأة.. نور أحمر خفيف قاد من جوة أوضته. النور كان جاي من شاشة كمبيوتر كبيرة.. الشاشة كانت عارضة كذا كادر حي ومباشر..
كادر للصالة عندنا.. وكادر للمطبخ.. وكادر لأوضتي أنا ونهى واحنا واقفين مع أحمد!
كريم كان حاطط كاميرات مراقبة مخفية جوة بيتنا!
وفجأة.. النور الأحمر انطفى، والخط قطع. وأحمد صرخ وهو بيطلع مسدسه: “خليكم هنا واقفلوا الباب!” وجري على بره… يتبع بقلم مايا خالد





