سرقو كليتي

مكحولصحيت من العملية ولقيت كليتي ناقصة. أبويا حدف كيس زبالة أسود جنب سرير المستشفى وقال ببرود: «ما ترجعيش البيت.. مالكيش لازمة خلاص.» ما تجادلتش معاه، لأن الكاميرا الطبية في الأوضة كانت بتسجل طرده وتخليه عني وأنا في حالة حرجة؛ ولما البوليس سد باب الأوضة، وشه اصفرّ ومات من الرعب. أول حاجة فاكراها بعد العملية كانت ريحة الميكروكروم والمطهرات الفاقعة، وتقل ورا ضلوعي كأن حد خيط حجارة جوة جسمي. بؤي كان ناشف زي الصحرا.. وإيديا تقيلة مش قادرة أرفعها. جنب السرير، جهاز النبض كان بيطلع صوت منتظم وهادي أوي، صوت مستفز ما يناسبش الحريقة اللي شعلالة في جسمي.

لما شفت أبويا واقف، افتكرته جه عشان خايف عليا. لثانية واحدة غبية، صدقت إن تبرعي بكليتي هيخليني أخيرًا بنته اللي بيحبها. “فاروق الشاذلي” عمره ما كان بخلان أو قاسي مع حد غير معايا أنا. بيلبس بدل شيك، ويسوق عربيات أحدث موديل، وعايش في فيلا في التجمع كل أوضة فيها تنفع غلاف مجلة. وكان عنده الصوت الجهوري اللي يخلي أي حد يسكت لما يتكلم. مراته الثانية، “شهيرة”، كانت دايما تبتسم بتكبر كأنها بتتفضل على البشر إنها عايشة معاهم.

وبنتهم “مي”، هي اللي ليها الأوضة الواسعة الدفا، والمزاح، والفرص الثانية، والأنسيال الماس اللي بيبرق في إيدها—حتى وهي قاعدة على الكرسي المتحرك مستنية الكلية اللي أنا إدتهالها. أنا وقفت ووقعت على ورق التبرع لأن أبويا مسك إيدي ووعدني إنه هيكون لي عيلة. مي كانت محتاجة الزرع ضروري. وفجأة شهيرة طلعت لستة حجج طبية تمنعها تتبرع، وفاروق قال إن ضغطه العالي بيخلي العملية خطر عليه. وبعدين طلعت تحاليلي أنا. مطابقة 100%. أبويا دموعه نزلت وهو بيترجاني أعملها.. وأنا الهبلة افتكرت الدموع دي حب.

بعد ثلاث ساعات من العملية، دخل أوضة الإفاقة شايل هدومي في كيس زبالة أسود. رمى الكيس جنب السرير بقسوة لدرجة إن البلاستيك لمس رجلي. «ما ترجعيش البيت،» قالها وهو باصصلي بقرف. وشه اتكمش كأني خذلته مش كأني لسة مديّة بنته حتة من جسمي! «أنتِ أديتِ دورك، بس لسة مالكيش أي لازمة في العيلة دي.» شهيرة كانت واقفة وراه ومربوطة بموبايلها.. ما اتخضتش، وما قالتلوش يعقل. ومي كانت قاعدة جنب الحيطة، بتلف إيدها بالراحة عشان الأنسيال الماس يلمع تحت نور المستشفى. وجعي كان مجرد دوشة في خلفية احتفالهم.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *