اترجيت جوزي

لآخر لحظة كنت بترجاه إنه يحافظ على البيت.. لآخر لحظة بقوله اشتريني أنا وأولادك وما ترميش ودنك لأمك وتتوجوز واحدة تانية.. كنت بعيط وبقوله الولاد مالهمش ذنب، بس للأسف هو كأنه مش سامع ولا شايف، ماشي في طريق وعايز يعمله.”
وقفت قدامه ودموعي مغرقة وشي، كنت حاسة إني “قليلة” أوي وأنا بستجدي منه حتة حنية أو لحظة عقل. مسكت في إيده بقلب محروق وقلت له بصوت مرعش:
— “يا خالد، البيوت مش لعبة، والولاد دول ذنبهم إيه يعيشوا وأبوهم عقله مع واحدة تانية عشان يرضي ستك الوالدة؟ أنا صنتك وشلت اسمك وشلت أهلك في عيني، متهونش عليك العشرة كدة!”
بص لي ببرود ، شال إيدي من عليه وكأنه بيبعد “حشرة” مضايقاه، وقام لبس جاكت بدلته وهو بيبص في المراية بيظبط نفسه لعروسته الجديدة، وقال بنبرة ميتة:
— “خلصنا يا ابتسام.. أمي قالت إن الست اللي ما تملي عين جوزها وتعرف تكسب أهله، يبقى لازم يجي فوقيها ست ستها. أنا مش هرمي ولادي، بس حياتي الخاصة ملكي أنا، والشرع حلل لي أربعة.”
رزعة الباب وراه كانت “رصاصة الرحمة” اللي م*وتت كل حاجة حلوة جوايا تجاهه. قعدت على الأرض في الصالة، الضلمة بدأت تنهش في الحيطان، وصوت ولادي وهم نايمين بيحلموا ببكرة كان بيقطع في فروة راسي.
بصيت لإيدي اللي كانت لسه بتترعش مكان ما لمسته، وقلت بحرقة:
— “بعتني يا خالد.. بعت اللي باقيت عليك وعلى عيالك عشان خاطر كلمة اتقالت لك في ساعة لئيمة. يا رب، أنت شايف وعارف إني ما قصرت، اجبر خاطري المنكسر ده.”
الرزعة دي مكنتش مجرد باب اتقفل، دي كانت الحقيقة المرة اللي بتلطشني على وشي عشان أفوق.
​فضلت مكومة مكاني على الأرض، مش حاسة بالوقت، بس حاسة بكل خلية في جسمي بتترعش من القهر. فجأة، سمعت صوت خروشة جاية من طرقة الأوض.. رفعت راسي بلهفة، قولت يمكن رجع! يمكن قلبه حنّ!
​بس اللي ظهرت كانت “حماتي”.

​دخلت الصالة وهي بتعدل طرحتها ببرود مستفز، وبصت لي من فوق لتحت وهي بتلوي بوزها:
— “ما كفاية بقى ملوحة ونواح يا ابتسام! الرجالة ما بتجيش بالدموع والتلزيق ده. خالد رايح يشوف حاله، رايح للي تعرف تبسطه وتريح باله، مش اللي منكدة عليه ليل نهار بالطلبات والعيال.”
​قمت وقفت، وبصيت لها وعيني فيها شرار من كتر الوجع:
— “بسطته يا طنط؟ ولا قصدك رايح للعروسة اللي إنتي نقتيها له بالشوكة والسكينة عشان تكسري بيا؟ ده أنا شيلتك في تعبي قبل راحتي، ده جزائي؟”
​ضحكت ضحكة صفرا وقربت مني، وهمست في ودني بكلام زي السم:
— “الجزاء من جنس العمل يا حبيبتي.. إنتي اللي فكرتي إنك ملكتيه بالعيال والبيت، ونسيتي إن ابني طول عمره “ودني” وبيسمع لي أنا.. وبكرة لما يشوف الدلع الجديد، مش هيفتكر حتى كان مسميكي إيه في تليفونه.”
​سابتني وخرجت وهي بتدندن بصوت واطي، وكأنها لسه مخلصة مهمة قومية ونجحت فيها.
​لقيت نفسي لوحدي في الصالة، البيت اللي كان دافي بقى بارد زي القبر. دخلت أوضة الولاد، بصيت عليهم وهم نايمين، برائتهم كانت هي السكينة اللي .. هقولهم إيه لما يصحوا؟ هقولهم بابا راح يرضي تيتة ويتجوز واحدة تانية؟
​فتحت الدولاب وطلعت شنطة هدومي، بس إيدي وقفت.. أنا لو مشيت هبقى حققت لها اللي هي عايزاه، ولو قعدت هبقى بمو*ت في اليوم ألف مرة.
السكوت اللي عمّ البيت بعد خروج حماتي كان أرذل من كلامها.. سحبت نفسي ودخلت المطبخ، مش عشان أعمل حاجة، بس عشان أبعد عن “ريحة” وجودها اللي لسه كاتمة على نَفَس الصالة.
​سندت راسي على الرخامة الباردة، وغمضت عيني.. شريط حياتي كله عدى قدامي. افتكرت لما كان خالد بيحلف بيا، لما كان بيقولي “إنتي الأمان يا ابتسام”. إيه اللي غيره؟ هل فعلاً الودن بتعشق قبل العين زي ما بيقولوا؟ ولا هو كان هش من البداية وأنا اللي كنت ساندة على حيطة مايلة؟
​فجأة، تليفوني نور.. بصيت فيه بلهفة، كان هو! بعت رسالة قصيرة:
“أنا مش هقصر في مصاريف الولاد، والبيت هيفضل باسمك عشانهم، بس يا ريت ما تحاوليش تتصلي بيا الفترة دي.. أنا محتاج أبدأ صفحة جديدة بعيد عن النكد.”
​صفحة جديدة! والولاد؟ والصفحات اللي اتقطعت من عمري وأنا بخدمه وبخدم أمه؟
مسكت التليفون وكنت هكتب له كلام يحرقه، بس مسحت كل حاجة.. الكرامة لما بتتهان، مفيش كلام بيرجعها.
​قمت، غسلت وشي بمية تلج عشان أفوق، وبصيت لنفسي في مراية المطبخ.. وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد من قلة النوم والهم، بس فيه نظرة “غل” بدأت تلمع في عيني لأول مرة.
​قلت لنفسي بصوت واطي:
— “ماشي يا خالد.. ماشي يا طنط.. إنتو اللي اخترتوا البداية دي، بس أنا اللي هرسم النهاية.”
​رجعت أوضة الولاد، قعدت جنب “حازم” الصغير، لمست شعره بحنية وقلت له وكأنه سامعني:
— “حقك عليا يا ابني إني اخترت لك أب بالضعف ده.. بس وحياة وجعي ده، لأخلي بكرة يبقى أحسن ليكم بكتير من غيره.”
الصبح طلع، والضوء اللي دخل من الشباك كان كأنه كاشف لكل ركن في البيت، بيفكرني إن “خالد” فعلاً مش هنا.
​قمت من جنب الولاد بقلب ميت، مفيش دموع خلاص.. النشاف اللي في عيني ده خوفني من نفسي. دخلت الحمام، لميت شعري “كحكة” لفوق، وبصيت للمراية بجمود. كان لازم آخد خطوة، بس مش الخطوة اللي هما مستنيينها. هما فاكرين إني هلم هدومي وأروح أعيط في حضن أمي وأقول “الحقوني”، أو هفضل هنا أندب حظي وأستنى “النفقة” اللي هيرميها لي كل شهر.
​لا.. ابتسام اللي كانت بتترجى امبارح ماتت مع رزة الباب.
​سمعت صوت مفتاح في الباب.. قلبي دق، بس المرة دي من الغيظ مش من اللهفة. دخلت “حماتي” ومعاها “عبير” مرات أخو خالد المتوفى. عبير اللي طول عمرها الحرباية اللي بتنفخ في النار، والذراع اليمين لحماتي.
​حماتي دخلت بكل ثقة ورمت مفاتيحها على الترابيزة وقالت بصوت عالي عشان تسمعني:
— “يا عبير يا بنتي، اطلبي بتاع التنضيف ييجي يلمع الشقة دي من فوق لتحت.. مش عايزين العروسة الجديدة تدخل تلاقي ريحة النكد والهم في الحيطان.”
​خرجت لهم من المطبخ ببرود، وسندت على الباب وقلت بصوت هادي وواثق:
— “منورين يا جماعة.. بس بتاع التنضيف ده ييجي ينضف شقتك إنتي يا طنط، إنما هنا.. ده بيتي، وبيت ولادي، ومحدش له رجل فيه طول ما أنا عايشة.”
​عبير لوت بوزها وقالت بتمثيل:
— “يا حبيبتي يا ابتسام، إحنا مقدرين صدمتك، بس خالد قال إنه هيفتح بيت جديد، وأمه شايفة إن الشقة دي واسعة عليكي إنتي والولاد، وممكن…”
​قاطعتها وأنا بقرب منها وببص في عينيها مباشرة:
— “خالد قال؟ وخالد من امتى كان له كلمة وإنتي وحماتك موجودين؟ الشقة دي بتمكين ونفقة وقانون، يعني لو فكرتوا بس تهببوا اللي في دماغكم، هطلعكم من هنا بـ “فضيحة” بجلاجل، وإنتي يا عبير بالذات خليكي في حالك، أحسن ما أتكلم في اللي أعرفه وخالد ما يعرفوش!”
​وش عبير اتقلب ألوان، وحماتي اتصدمت من لهجتي الجديدة.. دي مش ابتسام “النعجة” اللي كانوا بيسوقوها.
​حماتي زعقت:
— “انتي بتطردينا من بيت ابني يا خطافة الرجالة؟”
​ضحكت بمرارة وقلت لها:
— “ابنك هو اللي ساب بيته وراح يرمي نفسه في النار.. وأنا اللي هحمي البيت ده منكم ومنه. ويلا بقى، الباب اللي خالد قفله امبارح، أنا بفتحهولكم دلوقتي.. اتفضلوا من غير مطرود، عشان ورايا مشاوير مهمة بخصوص “مستقبل” ابنك اللي فكر إنه يقدر يرميني ويقعد يتفرج.”
خرجوا وهما بيبرطموا، وحماتي كانت بتبص لي بنظرة كلها غل، كأنها مش مصدقة إن القطة اللي كانت بتخربشها طلعت مخالبها فجأة.
​رزعت الباب وراهم، وسندت ضهري عليه.. كنت بتنفس بسرعة، قلبي بيدق زي الطبلة، بس المرة دي مش خوف، ده “أدرينالين” القوة. دخلت الأوضة، فتحت الدرج السري في الكومودينو، وطلعت “الدهب” بتاعي اللي كنت مخبياه للأيام السوداء.. وادي الأيام السوداء جت يا خالد وبقت بـ “كحل”.
​لبست أحسن طقم عندي، وحطيت روج أحمر قوي، اللون اللي كان خالد دايماً يقولي بلاش تحطيه عشان “بيخليكي ملفتة”.. أهو النهاردة أنا عايزة أبقى ملفتة، وعايزة الكل يعرف إن ابتسام لسه عايشة.
​وديت الولاد عند جارتي وصديقتي الوحيدة “هناء”، اللي أول ما شافتني شهقت:
— “إيه يا بت الحلاوة دي؟ إنتي مش كنتي بتم*وتي امبارح في التليفون؟”
رديت عليها وأنا بلبس النضارة السوداء:
— “اللي ماتت امبارح دفنتها وشبعت م*ت يا هناء.. أنا رايحة “أبارك” للي خدت مكاني.”
​هناء برقت عينيها:
— “انتي اتجننتي؟ هتروحي للعروسة؟ دي هتفرح فيكي!”
ابتسمت ببرود وقلت لها:
— “تفرك فيا؟ ده أنا رايحة أديلها “الكتالوج” بتاع خالد.. عشان تعرف إنها ما خدتش راجل، دي خدت “خيال مآتة” أمه هي اللي بتمشيه.”
​ركبت تاكسي ورحت لعنوان بيت “نورا”.. العروسة اللي حماتي اختارتها. كانت بنت لسه صغيرة، يا دوبك مخلصة جامعة، وشكلها من الصور اللي شفتها “خام” ومسالمة.
​وصلت تحت بيتها، ووقفت أظبط نفسي.. وفجأة شفت عربية خالد داخلة الركنة. قلبي وجعني لثانية، بس دوست على الوجع ده بجزمتي. نزل من العربية وهو شايل “بوكيه ورد” كبير، ولابس البدلة اللي أنا كويتها له بإيدي قبل ما يمشي!
​استنيت لما طلع، وبعدها بخمس دقائق رنيت الجرس.
فتحت لي نورا، كانت لابسة فستان رقيق وعنيها بتلمع بالفرحة.. أول ما شافتني استغربت:
— “أيوه.. مين حضرتك؟”
​دخلت خطوة لجوه من غير ما تستأذن، وقلت لها بابتسامة هادية بس تخوف:
— “أنا “ابتسام”.. صاحبة البيت القديم اللي خالد لسه خارجه منه امبارح، وجاية أسلمك العفش.. قصدي أسلمك الراجل.”
​في اللحظة دي، خرج خالد من الصالة وهو بيقول: “مين يا نورا؟”.. أول ما عينه جت في عيني، بوكيه الورد وقع من إيده، وشه بقى أصفر زي الليمونة، ولسانه اتعقد.
​بصيت له من فوق لتحت وقلت له:
— “إيه يا عريس؟ نسيت تبارك لي على الشقة؟ ولا نسيت تقول لعروستك إنك “عيل” مبيتحركش غير بإشارة من ماما؟”
​نورا بصت له بصدمة: “خالد.. هي مين دي؟ وإيه الكلام اللي بتقوله ده؟”
خالد وقف مكانه، عين بتبص لي بذهول وعين بتبص لـ “نورا” اللي كانت مبرقة ومش فاهمة حاجة. حاول يستجمع شتات نفسه، ووشه قلب أحمر من كتر الإحراج والغل، قرب مني وزقني خفيف لبره وهو بيوشوش بحدّة:
— “انتي اتجننتي يا ابتسام؟ إيه اللي جابك هنا؟ اطلعي بره بدل ما أعمل تصرف مش هيعجبك!”
​ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في مدخل الشقة وخلت نورا تقرب وهي مرعوبة: تابعونى عشان نتابع سلسله حكايات
نساء قهرن القهر على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد او جروبى الكاتبه امانى سيد
— “تعمل إيه يا خالد؟ هتمد إيدك؟ طب ما تمدها قدام “ست الحسن” عشان تعرف إنك بطل ومبتسترجلش غير على الغلابة اللي صانوا بيتك.. ولا خايف البرستيج يبوظ؟”
​نورا صوتها طلع مهزوز:
— “خالد.. هي دي مراتك؟ مش إنت قلت إنكم انفصلتوا من زمان وإن مفيش بينكم غير العيال وبس؟”
​بصيت لنورا وشفقت عليها لثانية، البنت كانت فاكرة إنها واخدة بطل رواية، مكنتش تعرف إنها واخدة “كومبارس” في حياة أمه. قلت لها بنبرة هادية بس سمّ:
— “انفصلنا من زمان يا نورا؟ ده كان لسه بايت في حضني أول امبارح، وكان بياكل من طبيخي امبارح الصبح قبل ما يرمي جثته في حضن أمه وتوزّه عليكي.. خالد لسه مطلعش ورقة واحدة تثبت إننا انفصلنا، يعني إنتي دلوقتي داخلة على ضرة، وداخلة على بيت “موقوف” بقرار تمكين مني ومن ولاده.”
​خالد زعق وهو بيفقد أعصابه:
— “كدابة! إنتي طالق يا ابتسام.. طالق بالتلاتة! ارتحتي؟ اطلعي بره بقى!”
​الكلمة كانت تقيلة، بس وقعها عليا كان أخف من الريشة. بصيت له بانتصار وقلت له:
— “أشكرك.. دي أحلى كلمة سمعتها منك من يوم ما عرفتك. بس يا ريت نورا وأهلها يعرفوا إنك طرقتني وأنا ماليش ذنب غير إني رفضت أكون جارية عند ستك الوالدة.. ويعرفوا كمان إن الشقة اللي إنت واعدها بيها، “محجوزة” للولاد وليا بالقانون، يعني يا بطل هتبدأ حياتك معاها في “أوضة وصالة” عند ماما، أو تأجر لها شقة من ملاليم النفقة اللي هتبقالك.”
​نورا بدأت تعيط، وأمها خرجت من جوه على الصوت وهي بتصوت: “في إيه؟ مين دي؟ وإيه الفضيحة دي يا خالد؟”
​خالد كان واقف زي العيل الصغير اللي اتمسك بيلعب في الطينة، مش عارف يرضي مين ولا يداري خيبته قدام مين. بصيت لهم كلهم وقلت ببرود وأنا بعدل نضارتي:
— “أنا كدة أديت الأمانة.. مبروك عليكي يا نورا “بواقي” راجل، ومبروك عليك يا خالد “حضن ماما” اللي مش هيسيبك في حالك أبداً. سلام يا عريس.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *