حكايات شروق خالد

النادلة رقصت وهي بتخدم زعيم المافيا — وبعد ساعات، أصدر أمره بهدوء: «جيبوها لي»
كانت سلمى في نص لفة مرحة، والصينية متوازنة فوق كتفها، لما ياسين الجبالي بطل يسمع كلام الرجالة اللي قاعدين معاه.
هي ماكانتش تعرف إن أخطر رجل في القاهرة كان بيراقبها وهي بترقص، ولا كانت تعرف إنه بعد ساعات، هيبص لواحد من رجاله ويقول بهدوء:
«جيبوها لي.»
ولأول مرة من سنين، حاجة بريئة تمامًا قدرت تشتت ياسين عن العالم الخطير اللي كان بيبتلع حياته.
كانت ترابيزة مطعم «ليالي النيل» في الزمالك منورة بأنوار صغيرة دافية، وصوت العود والمزيكا الشعبية مالي المكان، والناس قاعدة بتاكل وتضحك وسط جو الصيف.
سلمى كانت بتتحرك بين الترابيزات المليانة، لابسة جيبة كحلي ومريلة بيضا، وبتقدم الأكل والمشروبات للزبائن، بينما الفرقة بتعزف لحن شعبي سريع.
وفجأة، الإيقاع شدها.
ابتسمت سلمى، ولفت حوالين كرسي فاضي، ورفعت الصينية فوق كتفها، ورقصت تلات خطوات خفيفة وهي بتكمل طريقها للترابيزة.
كام واحد من الزباين الدائمين صفقوا لها.
ضحكت سلمى وعملت لهم انحناءة صغيرة وهي بتهزر.
من ورا البار، محمود هز راسه بحنان وقال لها:
«إنتِ جاية تشتغلي ولا جاية تعملي فرح يا سلمى؟»
حطت سلمى صباعها على شفايفها وقالت وهي بتضحك:
«اسكت يا محمود، محدش شاف حاجة.»
الرقص وهي في الشغل ماكانش مسموح بيه أوي، لكنها ماقدرتش تقاوم.
من وهي صغيرة، كانت سلمى بتحلم إنها ترقص على مسرح كبير.
لكن الظروف أخدتها في طريق تاني.
والحياة أجبرتها تشتغل عشان تساعد نفسها وأمها.
ومع ذلك، كل ما المزيكا تشتغل، الحلم القديم كان بيرجع تاني.
سلمى ماخدتش بالها من التلات رجالة اللي قاعدين في ترابيزة منعزلة في آخر المطعم.
لكن ياسين خد باله من كل حاجة.
من ست شهور، ياسين الجبالي كان استلم إمبراطورية عيلته بعد موت والده، واستلم معاها أعداء كتير، وأسرار أكتر، ورجالة كل واحد فيهم مستعد يبيع أقرب شخص ليه عشان يفضل عايش.
ليالي ياسين كانت عادة مليانة باجتماعات سرية، وتحذيرات، وتهديدات، ورجالة بيحسبوا كل كلمة قبل ما ينطقوا بيها قدامه.
والليلة دي ماكانتش مختلفة.
كان حمدي، رجله الأول، بيشرح له أخبار مقلقة عن صفقة جديدة مع واحد من أكبر منافسيه.
لكن انتباه ياسين اتشتت تاني.
سلمى كانت بالغلط قدمت مشروب لترابيزة غلط.
ولما اكتشفت غلطتها، بدل ما تتوتر، ضحكت على نفسها، واعتذرت للناس، وبعدها عملت انحناءة مسرحية خلت الترابيزة كلها تضحك.
ولأول مرة من فترة طويلة، حاجة شبه الابتسامة ظهرت على وش ياسين.
حمدي وقف عن الكلام.
«يا ياسين باشا؟»
ياسين رجع بص له.
«إيه؟»
«إنت سامعني؟»
رد ياسين بهدوء:
«أيوه.»
لكن عينيه رجعت تاني ناحية سلمى.
المرة دي، هي لاحظت.
كانت واقفة جنب ترابيزة فاضية وبتنضفها بفوطة، وفجأة حست إن في حد بيراقبها.
رفعت عينيها ناحية الركن، واتقابلت عينيها مع عيني ياسين.
ابتسامتها اختفت.
كان راجل طويل، لابس بدلة سودا غالية، وملامحه جامدة بطريقة تخلي أي حد يفكر مرتين قبل ما يقرب منه.
والراجلين اللي قاعدين جنبه كانوا ساكتين، لكن عينيهم بتتحرك في المكان طول الوقت.
سلمى بصت بعيد بسرعة.
هي خدمت قبل كده ناس أغنيا، ورجالة أعمال، وناس كانت بتسمع عنهم حكايات كتير.
وعاشت في القاهرة بما يكفي عشان تعرف إن في ناس الأفضل ماتسألش عنهم.
لكن رغم كده، قلبها فضل بيدق بسرعة غريبة.
بعد شوية، ياسين شافها وهي بتجيب كوباية مية لراجل كبير في السن من غير ما يطلب.
وشافها كمان وهي بتساعد عامل صغير كان شايل أطباق كتير، ولما طبق وقع منه، نزلت تساعده تجمعه بدل ما تسيبه لوحده.
ماكانش في أي حاجة في تصرفاتها تقول إنها بتحاول تلفت انتباه حد.
وده بالذات اللي لفت انتباهه أكتر من رقصها.
لما صاحب المطعم جاب الحساب، ياسين وقف.
سلمى بصت ناحيته مرة تانية.
عينيهم اتقابلت لثانية واحدة.
وبعدها خرج من المطعم.
سلمى أخدت نفس طويل، وحاولت تقنع نفسها إن الموقف خلص.
وإن الراجل الغريب ده مش هتشوفه تاني.
لكن بعد نص الليل، مطعم «ليالي النيل» كان قفل.
سلمى غيرت هدوم الشغل، ومحمود كان بيجمع الكراسي.
كانت بتضحك وهي بتحكيله تاني عن غلطة المشروب، لما عربية سودا فخمة وقفت قدام المطعم.
سلمى بصت من ورا الزجاج.
العربية فضلت واقفة ثواني، وبعدها تحركت ومشيت.
ماكانتش تعرف إن حد كان بيراقب خروجها.
وفي نفس الوقت، في مكتب ياسين الفخم في القاهرة، كان واقف قدام الشباك وباصص على أضواء المدينة.
الاجتماع كان خلص من حوالي عشرين دقيقة.
لكنه ماكانش فاكر نص الكلام اللي اتقال.
لأن اللي كان شايفه قدام عينيه، كان سلمى وهي بتلف بالصينية تحت نور المطعم.
ولأول مرة، وجود بنت غريبة في مكان عام كان شاغل تفكيره بالشكل ده.
حمدي كان واقف جنب الباب مستني.
وأخيرًا، ياسين اتكلم.
«النادلة اللي كانت في المطعم النهارده.»
حمدي رفع حاجبه.
«سلمى؟»
ياسين لف ناحية الشباك.
وشه كان هادي، لكن القرار اللي في عينيه كان واضح.
وقال بصوت منخفض:
«جيبوها لي.»
حمدي سكت لحظة.
وبعدين قال بحذر:
«عايزها ليه يا باشا؟»
ياسين بص له نظرة قصيرة.
«أنا قلت جيبوها.»
حمدي فهم إن السؤال انتهى.
خرج من المكتب، وقفل الباب وراه.
أما ياسين، ففضل واقف مكانه.
لأول مرة من سنين، ماكانش بيفكر في أعدائه.
ولا في الخيانة اللي بتحصل حواليه.
ولا في الصفقة اللي ممكن تشعل حرب بين أكبر عيلتين في القاهرة.
كان بيفكر في بنت بسيطة، رقصت وهي شايلة صينية، وضحكت على غلطتها كأن الدنيا لسه فيها حاجة تستاهل الضحك.
وماكانش يعرف إن القرار اللي أخده في اللحظة دي…
هيكون أول خطوة في سر خطير هيقلب حياته كلها.
حمدي خرج من مكتب ياسين وهو مش فاهم إيه اللي حصل بالظبط.
عمره ما شاف ياسين يهتم بحد بالطريقة دي.
خصوصًا بنت شغالة نادلة في مطعم.
نزل السلم، وركب عربيته، وخد معاه اتنين من رجالة ياسين.
بعد أقل من نص ساعة، كان واقف قدام العمارة اللي سلمى ساكنة فيها.
بص لفوق.
الدور التالت.
النور لسه شغال في شباك صغير.
قال واحد من الرجالة:
«هي دي؟»
حمدي بص له بحدة.
«أيوه.»
«نجيبها إزاي؟»
سكت حمدي لحظة، وبعدين قال:
«محدش يقرب منها.»
الراجل استغرب.
«بس الباشا قال جيبوها.»
«قال جيبوها، ماقالش تخوفوها.»
في نفس الوقت، فوق، سلمى كانت قاعدة جنب أمها في الصالة الصغيرة.
Page: 2
أمها كانت بتسألها:
«مالك يا بنتي؟ من ساعة ما رجعتي وإنتِ ساكتة.»
سلمى حاولت تبتسم.
«مفيش يا أمي.»
«أمال سرحانة في إيه؟»
سكتت سلمى شوية.
وبعدين قالت:
«النهارده كان في راجل غريب في المطعم.»
أمها بصت لها.
«غريب إزاي؟»
«مش عارفة… بس كان شكله يخوف.»
«حد كلمك؟»
«لا.»
«طب الحمد لله. متدخليش نفسك في سكة مالكيش دعوة بيها.»
سلمى هزت راسها.
لكن قبل ما ترد، سمعوا خبط على الباب.
خبطتين.
وبعدين تلاتة.
أمها بصت لها بخوف.
«مين هيخبط علينا دلوقتي؟»
سلمى قامت ببطء.
«هشوف.»
وقبل ما توصل للباب، صوت راجل جه من الناحية التانية:
«مساء الخير يا آنسة سلمى.»
اتجمدت مكانها.
«إنت مين؟»
«أنا جاي من طرف ياسين الجبالي.»
وشها اتغير.
قربت منها أمها.
«ياسين الجبالي؟!»
سلمى همست:
«هو عايز مني إيه؟»
الصوت رد من ورا الباب:
«الباشا عايز يقابلك.»
ضحكت سلمى من الصدمة.
«يقابلني ليه؟»
«مش عارف.»
«وأنا مش هروح.»
سكت الرجل.
وبعدين قال:
«تمام.»
سلمى استغربت.
«تمام؟»
«الباشا قال لو رفضتي، مانجبركيش.»
وبعدين سمعته بيكمل:
«بس قال أبلغك إن مقابلتك ليه مهمة، وإن في حاجة تخصك إنتِ شخصيًا.»
قلب سلمى دق.
«تخصني أنا؟»
«أيوه.»
سكتت.
كانت عارفة إن الأفضل تقفل الموضوع.
لكن الفضول كان أقوى.
«هقابله فين؟»
«في مكان عام.»
أمها مسكت إيدها بسرعة.
«لأ يا سلمى.»
سلمى بصت لها.
«هروح أشوف عايز إيه وأرجع.»
«يا بنتي ده مش راجل عادي.»
«وعشان كده لازم أعرف هو عايز مني إيه.»
بعد نص ساعة، كانت سلمى قاعدة في كافيه هادي في مصر الجديدة.
قدامها قهوة ما لمستهاش.
وبعد دقائق، دخل ياسين.
أول ما شافته، قلبها اتقبض.
مش بسبب شكله بس.
لكن بسبب الهدوء الغريب اللي كان بيحيط بيه.
قعد قدامها.
«مساء الخير.»
«مساء النور.»
سكت ثواني.
وبعدين قال:
«إنتِ خايفة مني؟»
سلمى ردت بصراحة:
«آه.»
لأول مرة، ابتسم ياسين.
«كويس.»
قطبت جبينها.
«كويس؟»
«معناه إنك مش متهورة.»
«طب ممكن أعرف ليه جبتني هنا؟»
ياسين بص لها مباشرة.
«عشان أسألك عن حاجة حصلت في المطعم.»
سلمى اتوترت.
«إيه؟»
«الراجل الكبير اللي ساعدتيه.»
«الحاج اللي كان قاعد في المطعم؟»
«أيوه.»
«ماله؟»
ياسين مال بجسمه للأمام.
«تعرفيه؟»
«لأ.»
«عمرك شوفتيه قبل كده؟»
«لأ.»
سكت ياسين.
سلمى بدأت تتضايق.
«هو في إيه؟»
ياسين قال بهدوء:
«الراجل ده مات بعد ما خرج من المطعم.»
اتسعت عينيها.
«إيه؟!»
«اتقتل.»
حطت إيدها على بوقها.
«بس أنا… أنا شفته وكان كويس!»
«عشان كده بسألك.»
«أنا مالي؟»
«لأن آخر شخص اتكلم معاه قبل ما يموت كان إنتِ.»
سلمى هزت راسها بسرعة.
«بس أنا ماعرفوش! هو طلب مية وأنا جبتله مية.»
«وقال لك إيه؟»
سلمى حاولت تفتكر.
«ولا حاجة مهمة.»
«فكري.»
غمضت عينيها.
وفجأة افتكرت.
قبل ما تمشي من عنده، كان الراجل الكبير مسك إيدها للحظة وقال:
«لو حد سألك عني… قولي إنك ماشوفتينيش.»
فتحت عينيها فجأة.
ياسين لاحظ التغيير.
«افتكرتي حاجة.»
سلمى بلعت ريقها.
«هو قال لي جملة غريبة.»
«إيه؟»
«قال لي لو حد سألني عنه، أقول إني ماشوفتوش.»
ملامح ياسين اتغيرت لأول مرة.
«قال لك كده؟»
«أيوه.»
سكت ياسين.
ثم أخرج هاتفه واتصل بحمدي.
«هاتلي صورة الراجل اللي مات.»
بعد ثواني، وصلت الصورة.
ياسين حط الموبايل قدام سلمى.
«هو ده؟»
سلمى بصت للصورة.
وبمجرد ما شافته، وشها اصفر.
«أيوه… هو.»
ياسين سحب الموبايل ببطء.
«يبقى كان عارف إن نهايته قربت.»
سلمى سألت بصوت ضعيف:
«هو كان مين؟»
ياسين بص لها.
«كان واحد من أهم رجال أبي.»
سلمى ما فهمتش.
«أبوك؟»
«أيوه.»
سكت لحظة.
«والراجل ده اختفى من سبع سنين بعد ما اتسرق ملف خطير من مخازن العيلة.»
سلمى عقدت حواجبها.
«وأنا مالي بكل ده؟»
ياسين فضل باصص لها.
«ده اللي أنا نفسي عايز أعرفه.»
وفجأة، موبايل ياسين رن.
رد.
جاله صوت حمدي متوتر:
«يا باشا… عندنا مصيبة.»
«اتكلم.»
«الملف القديم ظهر.»
ياسين وقف.
«فين؟»
«في المكان اللي محدش كان يتوقعه.»
«فين؟»
حمدي سكت ثانية.
وبعدين قال:
«في بيت سلمى.»
ياسين بصلها.
وسلمى كانت لسه قاعدة قدامه، مش فاهمة ليه نظراته اتغيرت بالشكل ده.
قال ياسين ببطء:
«محدش يقرب من بيتها.»
حمدي رد:
«بس يا باشا، رجالة بارون سبقونا ووصلوا هناك.»
في اللحظة دي، سلمى قامت من مكانها.
«إيه اللي حصل؟»
ياسين أمسك جاكته.
«لازم نمشي.»
«على فين؟»
بص لها بجدية.
«بيتك.»
«ليه؟»
فتح باب الكافيه وقال:
«لأن حد سبقنا وراح يدور على حاجة في بيتك.»
سلمى شهقت:
«أمي!»
خرجت تجري.
وياسين خرج وراها.
وفي اللحظة اللي ركبت فيها عربيته، ماكانتش تعرف إن اللي موجود في بيتها مش مجرد ملف قديم.
كان سر متعلق بوالدها…
وبعيلة الجبالي…
وسبب حقيقي يخلي أخطر رجال القاهرة كلهم يدوروا عليها.
العربية كانت بتجري في شوارع القاهرة، وسلمى قاعدة جنب ياسين وإيديها بتترعش.
«أمي… أمي جوه البيت.»
ياسين كان سايق بسرعة، لكن وشه ثابت بشكل يخوف.
«رجالي هناك.»
سلمى بصت له.
«ولو حصل لها حاجة؟»
«مش هيحصل.»
«إنت متأكد؟»
بصلها للحظة.
«طول ما أنا موجود، محدش هيقرب منها.»
الجملة خلتها تسكت.
ماكانتش عارفة ليه، لكن لأول مرة من ساعة ما ركبت العربية، حسّت إنها مش لوحدها.
بعد دقائق، العربية وقفت قدام العمارة.
أول ما نزل ياسين، اتنين من رجاله قربوا منه.
«الباشا، المكان اتأمن.»
«أمي فين؟» سألت سلمى وهي بتجري ناحية الباب.
واحد من الرجالة وقف قدامها.
«الست جوه، كويسة.»
طلعت السلم بسرعة، وياسين وراها.
أول ما فتحت باب الشقة، لقت أمها قاعدة على الكنبة، لكن وشها كان شاحب.
«ماما!»
جريت عليها وحضنتها.
«إنتِ كويسة؟»
أمها هزت راسها.
«أنا كويسة… بس في رجالة دخلوا.»
ياسين بص حوالين الشقة.
كل حاجة كانت متبهدلة.
الدولاب مفتوح.
الأدراج متقلبة.
والكتب مرمية على الأرض.
«دوروا على إيه؟» سأل ياسين.
أم سلمى بصت له بخوف.
«أنا معرفش.»
لكن سلمى لاحظت حاجة.
إطار صورة قديمة على الحائط كان واقع على الأرض.
قربت منه ورفعته.
كانت صورة والدها.
اتنهدت.
«بابا…»
ياسين قرب منها.
«والدك كان شغال إيه؟»
سلمى بصت له.
«كان موظف حسابات.»
«فين؟»
«في شركة كبيرة… قبل ما يموت.»
ياسين سأل:
«مات إزاي؟»
سكتت سلمى.
«قالوا حادثة عربية.»
ياسين ثبت عينيه عليها.
«قالوا؟»
«أيوه.»
«وإنتِ مصدقة؟»
سلمى بصت للصورة.
«زمان كنت مصدقة.»
وبعدين رفعت عينيها له.
«دلوقتي مش عارفة أصدق حاجة.»
في اللحظة دي، أمها قالت بصوت مرتجف:
«سلمى… في حاجة أبوكي قالها لي قبل ما يموت.»
Page: 3
سلمى لفت لها بسرعة.
«إيه؟»
«قال لي لو في يوم حد سأل عن الصندوق الأسود… ما أقولش لأي حد عليه.»
ياسين تجمد.
«صندوق أسود؟»
أمها هزت راسها.
«أنا عمري ما فهمت قصده.»
سلمى قربت منها.
«إنتِ مخبية عني الكلام ده كل السنين دي؟»
«كنت خايفة عليكي.»
ياسين بدأ يبص حوالين الشقة.
«فين حاجات والدك؟»
«كلها هنا.»
«لا.»
بصت له باستغراب.
«إيه؟»
«كان مخبي حاجة.»
بدأ يدور بعينيه في المكان.
وبعدين وقف قدام مكتبة قديمة.
مد إيده بين الكتب.
ولا حاجة.
خبط بإصبعه على الخشب.
صوت أجوف.
بص لسلمى.
«دي مش مكتبة عادية.»
حاول يحرك أحد الأرفف.
ما اتحركش.
استدعى واحد من رجاله.
«هات أدوات.»
سلمى قربت.
«إنت هتكسرها؟»
«لو وراها حاجة، لازم نعرف.»
بعد دقائق، اتفتح جزء مخفي في الحائط.
وظهر صندوق معدني صغير.
أم سلمى شهقت.
«ده هو.»
ياسين قرب منه.
كان عليه اسم واحد محفور بخط قديم:
محمود عبد الرحمن.
اسم والد سلمى.
مد ياسين إيده.
لكن قبل ما يلمسه، سمعوا صوت زجاج بيتكسر من الشقة اللي تحتهم.
رجالة ياسين اتحركوا فورًا.
واحد منهم صرخ:
«يا باشا! في حد طلع العمارة!»
ياسين قفل الصندوق بسرعة.
«خدوه.»
واحد من رجاله شال الصندوق.
سلمى بصت له.
«هنروح فين؟»
«مكان آمن.»
«وأمي؟»
«هتجيلنا.»
أمها اعترضت:
«لأ يا بنتي، أنا مش هسيب بيتي.»
ياسين بص لها بهدوء.
«يا حاجة، الناس اللي دخلت هنا مش جايين يسرقوا.»
سكتت.
«جايين يقتلوكوا.»
سلمى مسكت إيد أمها.
«ماما… لازم نمشي.»
وفي اللحظة اللي كانوا خارجين فيها من الشقة، سمعوا خطوات بتطلع السلم.
ياسين أشار لرجاله.
وبص لسلمى.
«خليكي ورايا.»
قالت بخوف:
«مين دول؟»
رد وهو بيبص ناحية السلم:
«الناس اللي أنا كنت بحاول أبعدهم عنك.»
وفجأة ظهر أول رجل عند آخر السلم.
لكن قبل ما يرفع سلاحه، رجال ياسين سيطروا عليه.
وظهر وراه اتنين تانيين.
اشتباك قصير حصل في السلم.
صرخات.
خطوات.
وأصوات أبواب بتتقفل.
سلمى كانت واقفة وهي حضنة أمها، مش قادرة تستوعب إن حياتها الهادية اتقلبت في ساعات.
وفجأة، واحد من الرجال صرخ:
«هرب!»
ياسين جرى ناحية السطح.
بعد لحظات رجع وهو ماسك ظفر أسود.
رمى الظرف على الترابيزة.
«ده كان معاه.»
سلمى بصت له.
«إيه ده؟»
فتح الظرف.
كان جواه صورة قديمة.
صورة والد سلمى واقف جنب رجل آخر.
سلمى قربت.
لكنها أول ما شافت الرجل التاني، شهقت.
«ده…»
ياسين بص لها.
«تعرفيه؟»
إيدها بدأت تترعش.
«أيوه.»
«مين؟»
بصت لياسين بعينين مليانين صدمة.
«ده صاحب المطعم اللي أنا بشتغل فيه.»
ياسين سكت.
ثم أخذ الصورة منها.
قلبها.
كان مكتوب على ظهرها تاريخ من سبع سنين.
وتحته جملة واحدة:
“لو حصل لي حاجة، سلمى هي المفتاح.”
سلمى حست إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
«أنا؟»
ياسين بص لها طويلًا.
«أيوه… إنتِ.»
وقبل ما تستوعب، موبايل ياسين رن.
رد.
جاله صوت حمدي:
«يا باشا… لازم تيجي فورًا.»
«في إيه؟»
«فتحنا الصندوق.»
سكت ياسين.
«ولقينا جواه تسجيل صوتي باسم سلمى.»
عيون سلمى اتسعت.
ياسين بص لها.
ومن السماعة جه صوت والدها لأول مرة بعد سبع سنين:
«لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده يا سلمى… يبقى أنا مت.»
سلمى حطت إيدها على بوقها.
وصوت والدها كمل:
«ومتثقيش في أي حد من عيلة الجبالي… حتى لو قال لك إنه بيحميكي.»
ياسين اتجمد مكانه.
وسلمى رفعت عينيها له ببطء.
لأول مرة، الخوف اللي في عينيها ماكانش من رجال المافيا.
كان منه هو.
فضلت سلمى باصة لياسين، وعينيها مليانة شك وخوف.
«سمعت؟ أبويا قال ما أثقش في حد من عيلة الجبالي… وإنت أكبر واحد فيهم.»
ياسين ما حاولش يدافع عن نفسه.
بالعكس، قفل التسجيل وقال بهدوء:
«أبوكي كان عنده حق.»
سلمى اتصدمت.
«يعني إيه؟»
«يعني إن في حد من عيلتي هو اللي قتله.»
سكتت.
ياسين كمل:
«وأنا من ست شهور وأنا بدور على الخاين.»
فتح الصندوق وطلع منه ملف تاني.
جواه صور وتحويلات بنكية وأسماء كتير.
حط ورقة قدام سلمى.
كان عليها اسم صاحب المطعم.
«هو اللي كان بيساعد أبوكي يهرب الأدلة.»
سلمى همست:
«وعشان كده الراجل الكبير قال لي ما أقولش إني شوفته؟»
«بالظبط.»
وبدأ ياسين يجمع الخيوط.
الراجل اللي مات في المطعم كان واحد من رجال والده، وكان هو اللي خبّى الدليل سبع سنين.
وصاحب المطعم كان شاهدًا على كل حاجة.
أما الصندوق، فكان فيه تسجيل كامل يثبت إن عم ياسين، عادل الجبالي، هو اللي أمر بقتل والد سلمى وسرقة أموال الشركة.
لكن قبل ما ياسين يقدر يسلم الأدلة للشرطة، عادل ظهر بنفسه.
دخل المكان ومعاه رجالة مسلحة.
«كنت متأكد إنك هتوصل للصندوق يا ياسين.»
ياسين وقف قدام سلمى.
«إنت اللي قتلت أبوها.»
ضحك عادل.
«أبوك كان ضعيف، وإنت هتكون أضعف لو فضلت متمسك بالقواعد القديمة.»
رد ياسين:
«أنا مش زيك.»
وبإشارة صغيرة من إيده، ظهرت قوات الشرطة اللي كان بلغها قبل المواجهة.
عادل اتقبض عليه، والأدلة كلها اتسلمت للنيابة.
وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
اسم والد سلمى اتنضف.
وكل الناس عرفت إنه مات لأنه رفض يشارك في أكبر عملية فساد شهدتها الشركة.
أما ياسين، فسلّم إدارة أعمال العيلة القانونية، وقطع علاقته بكل رجال الجبالي اللي تورطوا في الماضي.
وفي يوم هادي، رجع مطعم «ليالي النيل» يفتح أبوابه.
سلمى كانت واقفة في مكانها المعتاد، شايلة الصينية.
وفجأة بدأت الفرقة تعزف نفس اللحن اللي كانت بترقص عليه يوم ما شافها ياسين لأول مرة.
محمود ابتسم وقال:
«يلا يا ست الكل… ورينا الرقصة بتاعتك.»
ضحكت سلمى.
«مش هرقص.»
جاء صوت من خلفها:
«ليه؟»
لفت.
كان ياسين واقف.
لكن المرة دي ماكانش لابس البدلة السودا اللي كانت بتخوفها.
كان لابس قميص بسيط، وفي إيده باقة ورد.
سلمى بصت له باستغراب.
«إنت بتعمل إيه هنا؟»
ابتسم.
«جيت أطلب منك طلب.»
«إيه؟»
مد إيده لها.
«ترقصي معايا.»
ضحكت.
«إنت؟ هترقص؟»
«أهو أجرب.»
مسكت إيده.
وبدأوا يرقصوا وسط ضحك وتصفيق الزباين.
وبعد ما خلصت الأغنية، ياسين قرب منها وقال:
«فاكرة أول يوم شفتك فيه؟»
«أنساه إزاي؟ ده اليوم اللي بعده رجالتك جم عند باب بيتي.»
ضحك.
«كنت غبي.»
«كنت؟»
رفع حاجبه.
«لسه.»
ضحكت سلمى.
وبعدين سألته:
«بس قولي حاجة… ليه من أول يوم قلت لهم يجيبوني ليك؟»
بصلها لحظة، وقال:
«لأني أول مرة شفتك، كنتِ الوحيدة في المكان كله اللي ماكانش عندها حاجة تخبيها.»
سلمى ابتسمت.
«وبعدين؟»
«وبعدين اكتشفت إنك مش بس بريئة… إنتِ السبب إني عرفت الحقيقة.»
Page: 4
سكت لحظة.
ثم أخرج خاتمًا صغيرًا.
«وعشان كده المرة دي مش هقول لحد يجيبك لي.»
بصت له باستغراب.
«هقول لك بنفسي… تتجوزيني؟»
سلمى ضحكت والدموع لمعت في عينيها.
«أيوه.»
وسط تصفيق الناس، ياسين لبسها الخاتم.
وبعد سنة، كان مطعم «ليالي النيل» شاهدًا على فرحهم.
المكان اللي بدأت فيه الحكاية برقصة عفوية…
بقى المكان اللي بدأت فيه حياة جديدة.
أما سلمى، فحققت حلمها القديم.
افتتحت مدرسة صغيرة للرقص للأطفال، وساعدها ياسين في تأسيسها.
وكل ما كانت الموسيقى تشتغل، كانت ترقص بنفس الابتسامة القديمة.
لكن المرة دي…
ماكانتش بترقص هروبًا من أحلامها.
كانت بترقص لأنها أخيرًا عاشت الحلم.
أما ياسين، فكان كل ما يشوفها يقول نفس الجملة اللي بدأت بيها الحكاية:
«أول مرة شوفتك فيها، قلبي قال لي: جيبوها لي.»
وبعدين يبتسم ويكمل:
«بس المرة دي… هي اللي اختارت تيجيلي.»
تمت ❤️
رقصة النادلة الأخيرة مع زعيم المافيا ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *