مني السيد 2

العربية السودا فرملت في نص الشارع بصوت احتكاك عجل كتم أنفاسي وأنا فوق في البلكونة، والدخان الأبيض طلع من تحت العجل غطى الرصيف للحظات. التلات رجالة اللي نزلوا منها كانوا ضخام، حركاتهم سريعة ومحسوبة، ومفيهاش تردد ثانية واحدة. في غمضة عين، وقبل ما ابن إسماعيل يرمي السيجارة من إيده حتى، كان واحد منهم لافف دراعه حوالين رقبته ومكتف حركته تماماً، والتاني مد إيده في جيب البنطلون بتاعه وسحب التليفون، بينما التالت وقف سد قدام الواد التاني صاحبه اللي اترعب ورجع لورا ورفع إيديه الاتنين في الهوا كأنه ميعرفش اللي واقف جنبه أصلاً.
أبويا كان على بعد خطوتين بس منهم، وقف متسمر في مكانه، إيده اللي كانت مستخبية تحت الجاكيت اتجمدت وهو باصص للمشهد بذهول كامل. هو كان نازل ناوي على خراب ونازل يخلص بإيده، بس المشهد اللي قدامه اتغير في ثواني معدودة كأنهم في فيلم سينما.
الباب الخلفي للعربية السودا اتفتح بهدوء، ونزل منه راجل طويل، لابس قميص أسود كلاسيك وبنطلون رمادي، خطواته راسية وهادية وسط كل الهرجلة دي. أول ما الإضاءة الخافتة بتاعة عمود النور ضربت في وشه، قلبي دق دقة عنيفة في صدري وفتحت الشيش أكتر وأنا مش مصدقة عيني. ده حازم! سلفي الكبير، أخو جوزي وأخو الشاب اللي كنا جايين نخطبله شروق!
حازم قرب من ابن إسماعيل، اللي كان وشه محتقن بالدم وعينيه هتطلع من مكانها وهو بيتخنق تحت دراع الراجل الضخم. حازم مسك التليفون من إيد الراجل، وبص في الشاشة بهدوء شديد، وبعدين رفع عينه لابن إسماعيل وقال بصوت جهوري طلع هادي بس رن في سكون الشارع كله بقى إنت يا حشرة بتساوم على بنات الناس المحترمة؟ بتلعب بالصور والتسجيلات ونازل بقلب جامد تحت بيت الراجل تطالبه يكتبلك عرفي؟.
الواد حاول ينطق أو يصرخ، بس الراجل اللي ماسكه ضغط على رقبته بزيادة فطلع صوته كأنه حشرجة مخنوقة. حازم شاور للراجل يخفف الضغطة شوية، فالواد سعل جامد وبص لحازم برعب وقال إنت.. إنت مين إنت كمان؟! وإيه اللي دخلك في الموضوع ده أصلاً؟! دي حكايات بينا وبين بعض، إنت هتعملي فيها فتوة الحتة؟!.
حازم ابتسم ابتسامة باردة جداً، وطلع تليفونه هو التاني من جيبه وشاور بيه في وش ابن إسماعيل أنا مين دي هتعرفها لما تركب معانا دلوقتي وتدخل مباحث الإنترنت اللي ميعادنا معاهم كمان نص ساعة، ده غير محضر الابتزاز والشروع في النصب والتشهير اللي مفتوحلك باسمك وباسم المعلم أبوك صاحب الورشة اللي لو عرف إن ابنه بيتسحب في قضية شرف وأخلاق وهيتقفل محله بالشمع الأحمر مش هيرحمك.
ابن إسماعيل أول ما سمع سيرة أبوه ومباحث الإنترنت، رجله سابت تحته كأنه مهدود، والغرور والعنجهة اللي كان واقف بيهم طاروا في الهوا كأنهم ما كانوش. نبرته اتقلبت في لحظة لرجاء وذل مقرف يا باشا.. يا باشا استهدى بالله، مفيش حاجة والله! دي كانت عيلة وطايشة وأنا كنت بقرص ودنها مش أكتر، والله ما نزلت صورة ولا بعتت حرف لمخلوق! التليفون أهو معاكم خدو امسحوا اللي عليه كله واللابتوب بتاعي في البيت هكسره قدامكم دلوقتي بس بلاش الفضايح دي وبلاش أبويا يدخل في الحوار!.
في اللحظة دي، أبويا قرب خطوة من حازم، وعينه كانت مليانة خليط غريب من الصدمة، والإحراج، والغضب اللي لسه قايد جواه. حازم أول ما حس بوجود أبويا، لف وشه وبص له باحترام كبير، وطى راسه شوية وسلم عليه باليد وقال بنبرة مليانة تقدير حقيقي حقك عليا يا عمي عبد الرحمن.. أنا متأسف إني اتدخلت في حاجة تخص بيتك من غير إذنك، بس أمي لما رجعت البيت وكانت منهارة وقالتلي على اللي حصل وفهمت منها إن فيه واد جاركم بيحاول يفرض نفسه ويضغط عليكم، كلمت صاحبي في مديرية الأمن، وطلعت برقم التليفون اللي أمي لمحته في المكالمة وعرفت أصل الحكاية وفصلها في ربع ساعة.
أبويا بص في الأرض، حسيت بكسرته من فوق البلكونة. راجل طول عمره عايش بكرامته وراسه مرفوعة في المنطقة، فجأة يلاقي ستر بيته معلق على كف عفريت وواحد غريب جاي يحلله مصيبة بنته. أبويا اتكلم وصوته كان واطي ومبحوح جداً

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *