مني السيد 2

والله تبت ومش هعمل كدة تاني أبداً!.
أبويا قعد على ركبه قدامها على الأرض، الحركة دي خلت قلبي يتقطع نصين، أبويا الراجل اللي عمره ما انحنى قدام مخلوق، قاعد على ركبه في الأرض قدام بنته الصغيرة. مسك وشها بإيديه الاتنين ورفع راسها بالعافية وخلاها تبص في عينيه. عينيه كانت مليانة دموع محبوسة، وصوته كان مكسور ليه يا شروق؟ ليه يا بنتي خبيتي عليا؟ أنا قصرت معاكي في إيه؟ كنت باكل اللقمة من بقي عشان أعلمك وأكبرك وتبقي أحسن بنت في الدنيا.. ليه تحطي راس أبوكي في الطين كدة؟ ليه تستخبي ورا أمك وتسمحي لواحد وسخ يهددك ويذلك؟ إنتي بنتي، لو جيتي قولتلي من أول ثانية كنت جبتلك حقه تحت رجلك وكنت حميتك من نفسي ومن الدنيا كلها!.
شروق ارتمت في حضن أبويا وانفجرت في عياط هستيري، كانت بتصرخ وهي ماسكة في هدومه كأنها غريقة بتتعلق بقشاية خوفت منك يا بابا.. خوفت تضربني أو تحبسني أو تكرهني.. خوفت تفتكر إني بنت مش كويسة.. هو قالي إنك لو عرفت هتدبحني، وأنا صدقته من غبائي!.
أبويا ضمها لصدره جامد، وبكى.. بكى بدموع حقيقية نزلت على شعرها، ومسح على راسها وقال أنا عمري ما أكرهك.. أنتي حتة من روحي، بس اللي يغلط لازم يتحمل نتيجة غلطه ويكون شجاع عشان يتعلم. تليفون مفيش، خروج لوحدك مفيش، كليتك تروحيها وترجعي مع أختك، والواد ده أمره انتهى ومش هتشوفي وشه تاني أبداً.. بس الوجع اللي جوة قلبي ده، مش عارف مين اللي هيمسحه.
أنا كنت واقفة ساندة على الحيطة ودموعي نازلة زي الشلال، حسيت إني كبرت عشرين سنة في اليوم ده بس.
بعد ساعتين، كانت أمي جهزت شنطتها، أبويا نزل معاها ركبها تاكسي يوديها لمحطة القطر عشان تسافر لأهلها في البلد، ومشي من غير ما يودعها بكلمة واحدة زيادة. البيت بقى فاضي وكئيب، مفيش فيه غير صوت الهوا اللي بيهز الشيش وصوت شهقات شروق اللي نامت من كتر البكاء والإنهاك على سريرها.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت وكان نورها باهت وتقيل على الشقة. تليفوني رن، بصيت في الشاشة لقيت اسم حماتي.
أخدت نفس طويل، وضغطت على زرار الرد وإيدي بتترعش، حطيت السماعة على ودني وقولت بصوت واطي ومحرج صباح الخير يا ماما.. حقك عليا في كل اللي حصل إمبارح، أنا مش عارفة أودي وشي منك فين.
صوت حماتي جه في التليفون، مكنش فيه غضب ولا لوم زي ما كنت متوقعة، بالعكس، كان فيه هدوء ووقار غريب صباح الخير يا بنتي.. اسمعيني كويس يا بطة، حازم حكالي على كل اللي حصل بالتفصيل، وفهمني الحكاية كلها بعد ما راح وخلص الموضوع في القسم ومسحوا كل القرف ده.
سكتت ثانية، وأنا كنت حابسة نفسي مستنية الكلمة اللي هتكسر ضهري، بس حماتي كملت بنبرة أم حنينة بجد البيوت أسرار يا بنتي، وأختك لسه صغيرة والعيال اللي من سنها بيغلطوا في الزمن المقرف ده، واللي سترها إن ربنا حط في طريقها راجل محترم زي حازم، وراجل شريف زي أبوكي. أنا مش زعلانة منك، بالعكس، إنتي بنتي برضه ومتهونيش عليا.
نزلت دمعة سخنة على خدي وقولتلها ربنا يخليكي يا ماما وميحرمنيش منك، وتسلم إيد حازم اللي وقف وقفة رجالة تشرف.
حماتي اتنهدت تنهيدة طويلة وقالت حازم عمل واجبه وأصله، وأخوه الصغير في الغربة لما عرف الحكاية كلها الصبح، قالي كلمة واحدة ريحت قلبي.
سألتها بلهفة قال إيه يا ماما؟.
حماتي ردت بابتسامة سمعتها في نبرة صوتها قالي يا أمي، البنت اللي أبوها راجل شريف بالمنظر ده، واللي اتعلمت درس عمرها وبكت دم على غلطتها، دي نشتريها بجد ونصونها ونعوضها عن كل الخوف اللي عاشته.. قالي أنا لسه شاري يا أمي، ومستني أبوها يوافق ويهدى بس، وأول ما أنزل إجازة هنكتب الكتاب رسمي وعلى سنة الله ورسوله.
قفلت المكالمة مع حماتي وأنا حاسة بتقل الدنيا كله انزاح عن كتافي، بصيت على أوضة شروق اللي كانت نايمة فيها، وعلى الصالة اللي أبويا كان قاعد فيها بيشرب قهوته السادة وسارح في الفراغ، وعرفت إن الوجع لسه هياخد وقت عشان يلم، بس ربنا لما بيكتب الستر لحد، بيبعتله ولاد الحلال ينجدوه
من وسط النار، وإن اللي اتكسر في البيت ده هيتبني من أول وجديد بس بالصدق والصراحة، ومن غير ما نخبي ورا ضهورنا أي سر يهدم أماننا تاني. يتبع




