روايه روماني مكرم الجزء الاخير

رائحة حريق واضحة!

تلاها مباشرة أصوات صراخ قادمة من الأسفل:

“حريقة! الحقوا.. المخزن بتاع أبو محمود بيولع!”

نزلت الكلمات كالصاعقة. مخزن الخشب الصغير المملوك لعمي ومحمود، والذي يعد مصدر رزقهم الوحيد في مدخل الحارة، كانت ألسنة اللهب تلتهمه بسرعة فائقة في عتمة الليل.

نزلت الحارة كلها، وخرج أبي وأمي مسرعين. ومن شباك غرفتي، رأيت محمود يجري كالمجنون يحاول إطفاء النيران بجرادل المياه وسط صراخ النساء وعجز الرجال. كانت النيران تلتهم كل شيء، وكأنها تعلن أن الحرب العائلية قد انتقلت من الكلمات والنظرات إلى الانتقام الفعلي وإحراق البيوت والرزق.

وقفت في مكاني، وعقلي يكاد يتوقف من الصدمة. أدركت في تلك اللحظة أن وجودي في هذه المعادلة لم يعد مجرد قصة حب أو ستر لمطلقة، بل أصبح فتيلًا يحرق عائلة بأكملها، وأن القادم لن يرحم أحدًا.

الجزء السادس: رماد الحقيقة

انطفأت النيران بعد ساعات من الرعب والجهد، لكنها خلّفت وراءها مخزناً متفحماً وركاماً من الخشب الذي تحول إلى رماد. وقف محمود في وسط الحارة والوجوم يكسو وجهه، وجسده مغطى بسواد الدخان. التهم الحريق مصدر رزقه الوحيد، وكان الجميع يهمسون في الخفاء بأن أهل سهام هم من أشعلوا النار انتقاماً لابنتهم، برغم عدم وجود دليل ملموس.

في صباح اليوم التالي، هبط هدوء كئيب على الحارة. جلس عمي أمام باب بيته يبكي رزقه وعمره الذي ضاع في لحظة، بينما انزوى محمود داخل بيته المغلق لا يكلم أحداً. كان الحريق بمثابة صفعة قوية أفاقت الجميع من سكرة التحدي والعناد.دخلت أمي غرفتي وجلست بجواري، وعيناها ممتلئتان بالدموع وقالت بصوت خافت:

“المركب بتغرق يا بنتي.. وعمك وأولاده بيتخرب بيتهم. الجوازة دي لو تمت، الحارة مش هتهدى، والد,,م ه يسيل ومحدش هيعيش في أمان. أبوكي تعب من الضغط، وضغطه عليّ الصبح ونقلناه للمستشفى ورجعنا.”

نزلت كلماتها كالسكين في قلبي. نظرت إلى ابنتي الصغيرة وهي تلعب بالعروسة القماشية في ركن الغرفة، بريئة لا تدري شيئاً عن العاصفة التي تدور حولها. سألت نفسي: “هل هذا هو الأمان الذي كنت أبحث عنه؟ هل أستطيع أن أبني بيتاً فوق أنقاض بيت عمي ورزقه وصحة أبي؟”

### المواجهة الحاسمة

في المساء، حزمت أمري واتخذت قراري الذي لا رجعة فيه. صعدت إلى السطح، حيث كنت أعلم أن محمود سيصعد ليتنفس بعيداً عن نظرات الشماتة والحزن في الأسفل.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *