روايه للكاتبه مني السيد 1

## الفصل الثاني: جحيم الممر الغربي
الكلمة طلعت من بوقي زي الرصاص، رنت في الممر الضيق المخنوق بتاع العمليات القديمة وهزت الحيطان المقشرة. “ردوا عليا يا مجرمين!”. الأوضة اللي كانت من ثانية واحدة تحت رحمة السكوت المفاجئ، اتقلبت لساحة حرب باردة، الكل فيها واقف متثبت في مكانه كأن على رؤوسهم الطير.
طارق وقف مكانه، خطوته اللي كانت داخلة بثقة وإجرام متداري ورا قناع الوداعة اتهزت. عينيه زاغت بيني وبين الأساور اللي برقت في إيدي تحت نور اللمبة النيون المرعشة، وبعدين رمت عينه على مريم اللي كانت ورايا على السرير، نايمة بين الحياة والموت، الخرطوم في مناخيرها وصدرها بيعلو ويهبط ببطء، كأنها بتكدب كل حرف نطق بيه من ساعة ما كلمني في التليفون.
الدكتور اللي معاه —الراجل أبو بالطو أسود اللي عرفت بعد كده إنه الدكتور رفعت، مدير القسم الطبي الخاص في المستشفى— وشه اتقلب ألوان، ملامحه اللي كانت باردة وزي الخشب انكمشت، وبص لطارق ببرود مرعب، بصة لوم وعتاب، كأن لسان حاله بيقوله: “وديتنا في داهية بغبائك”.
“طنط كريمة.. أرجوكي وطي صوتك، إحنا في مستشفى محترم ومفيش داعي للشوشرة دي”، طارق قالها وهو بيحاول يرمم وشه اللي اتهد، خطى خطوة ناحيتي وهو مادد إيديه الإتنين زي اللي بيحاول يهدّي حيوان هائج، صوته كان ناعم زيادة عن اللزوم، النعومة اللي بتسبق الغدر علطول. “أنتي فاهمة غلط.. والله فاهمة غلط، الموضوع فيه لبس طبي كبير والدكاترة هيفهموكي”.
“يفهموني إيه يا ابن الهواري؟” صرخت فيه، والصوت المرة دي طلع من حنجرتي مخنوق بالغل والوجع، عيني كانت بتطق شرار، والتليفون اللي في جيب عبايتي مفتوح مع أبلة ماجدة، كنت حاسة بحرارته في جيب الصدر كأنه جمرة نار بتسند قلبي. “يفهموني إن المخدات اللي كانت تحت الملاية في أوضة 212 هي بنتي؟ يفهموني إن الأسورة دي اللي مكتوب عليها (ابن مريم طارق الهواري) والوقت الساعة 4:15 العصر دي كانت لعيّل مات في بطن أمه؟ أنت كلمتني كام الساعة؟ كلمتني 4:38.. يعني الولد اتولد وعاش واتعملت له أسورة، وبنتك كانت لسه طالعة من العمليات، وأنت واقف برا بتمثل عليا دور الجوز المكسور وتقولي بنتك ماتت وهي بتولد!”.
الأمن اللي كان واقف ورا طارق —اتنين رجالة بج*ثث عريضة ولابسين لبس أمن أزرق غامق— بصوا لبعض بتردد. الأمن في المستشفيات الاستثمارية الكبيرة متعود على خناقات الأهالي، على العياط، على الصريخ من الصدمة، بس مش متعودين على أم داخلة بقلب ميت، معاها أدلة، وبتواجه جوز الست والدكتور الكبير بتهمة خط*ف وق*تل. واحد منهم قرب خطوة وهتف بتردد: “يا فندم.. طارق بيه.. إحنا ممكن ننقل الست الكبيرة لـ…”.
“أقعد مكانك أنت وهو!”، الصوت المرة دي مكنش صوتي أنا. الصوت كان طالع من سماعة التليفون اللي كنت حطاه على الإسباكر من غير ما حد ياخد باله في وسط الدوشة. صوت أبلة ماجدة، المستشارة اللي قضت نص عمرها في المحاكم بتزلزل رجالة بشنبات. الصوت طلع حاد، قاطع، وزي الس*كينة: “أنا المستشارة ماجدة السيوفي، رئيسة جنايات الجيزة السابقة. المكالمة دي مسجلة، والشرطة وقوة من مباحث قسم الدقي في طريقها للمستشفى حالاً بناءً على بلاغ رسمي بخطف واحتجاز أنثى وإخفاء طفل حديث الولادة. أي فرد أمن، أو دكتور، أو عامل هيلمس الحاجة كريمة نصار أو هيحاول ينقل المريضة مريم نصار من مكانها، هيتحبس بتهمة التواطؤ في جناية خطف وتزوير أوراق رسمية. الزموا أماكنكم!”.
الكلمات نزلت عليهم زي المية الساقعة في عز كشكاش الصيف. رجال الأمن رجعوا خطوتين لورا تلقائياً، إيديهم اللي كانت ممدودة نزلت جنبهم، وبصوا للأرض. الدكتور رفعت رجع خطوة هو كمان لورا، وبدأ يمسح عرق ظهر فجأة على قورته رغم إن التكييف في الممر كان عالي وتلج.
طارق بس هو اللي عينيه لفت، وفي لحظة، القناع سقط بالكامل. الوش الشيك، المؤدب، اللي بيبوس الإيد ويقول “يا ماما كريمة”، اختفى. ظهر مكانه وش تاني خالص، وش ابن عائلة الهواري اللي متعود إن الفلوس بتشتري له كل حاجة، الوش الأناني اللي مستعد يدوس على أي حد عشان يوصل للي هو عايزه.
بصلي ونظرة عينه بقت حادة وزي الموس، قرب مني لحد ما بقى بيني وبينه شبر واحد، وقال بصوت واطي ومسموم، صوت مش عايز الميكروفون بتاع التليفون يلقطه: “ماشي يا كريمة.. لعبتيها صح وجبتي ماجدة السيوفي في ضهرك. بس وحياة رحمة أبويا، لو مخرِجتيش من هنا بالذوق، ونسيتي موضوع الواد ده خالص، بنتك مش هتشوف نور الصبح. الدكاترة هنا دكاترتي، والمستشفى ده بفلوسنا، وبنتك محتاجة حقنة واحدة غلط من أي ممرضة تعدي بالصدفة عشان تلحق اللي قولتلك إنها لحقتهم. فكري في بنتك يا حماتي العزيزة.. الواد غار، حافظي بقى على اللي فاضلة”.
جسمي كله اترعش، مش من الخوف، من القرف والذهول. بني آدم بالبشاعة دي؟ ده اللي بنتي حبته؟ ده اللي كانت بتدافع عنه لما كنت بقولها طارق غامض وبيحب المظاهر زيادة عن اللزوم؟
قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت حركة من ورايا على السرير. أنين واطي وموجوع، صوت مريم وهي بتحاول تجمع شتات نفسها من وسط البنج اللي كان متقل دماغها. التفتّ ليها بسرعة، سبت طارق ورميت نفسي جنب السرير. مريم كانت بتفتح عينيها بالعافية، بتبص حواليها بتوهان، عينها جت في عيني، شفايفها الباهتة المشققة اتململت وقالت بصوت مكسور: “ماما… طارق… طارق أخد الولد.. سألت الممرضة قالت لي مات.. بس أنا سمعته.. أنا سمعته بيصرخ يا ماما.. صرخته لسه في ودني.. طارق أخده ووداه…”.
مريم ملحقتش تكمل الكلمة، دماغها ريحت تاني على المخدة وعينيها قفلت، البنج كان تقيل ومفعوله لسه مسيطر على أعصابها وجسمها الضعيف من أثر الولادة القيصرية الصعبة.
“مريم! مريم رد عليا يا بنتي! وداه فين؟” صرخت وأنا بهز كتفها براحة، دموعي اللي حبستها طول الليلة نزلت غصب عني، غسلت وشي المجهد. بصيت لطارق اللي كان واقف بيبتسم ابتسامة تشفي باردة.
“مش هتقولك حاجة يا طنط”، طارق قالها وهو بيعدل ياقة قميصه ببرود مستفز. “لأنها متعرفش. ومحدش هنا يعرف. فريحي نفسك واقعدي جنبها لحد ما الحكومة بتاعتك تيجي، وخلينا نشوف المستشارة بتاعتك هتعمل إيه مع ورق رسمي طالع من المستشفى بيقول إن الطفل اتولد ميت وتم نقل الج*ثة لثلاجة المستشفى تمهيداً للدفن”.
الدكتور رفعت، مدير القسم، أول ما سمع طارق بيقول كده، شجاعته رجعت له شوية، اتنحنح وقرب خطوتين وقال بنبرة رسمية مصطنعة: “فعلاً يا فندم.. الحاج طارق بيتكلم صح. حالة المريضة مريم كانت حرجة جداً، والطفل نزل عنده ضمور في الرئتين ومات بعد الولادة بدقايق. الأساور دي إجراء روتيني بيتعمل أول ما الطفل بينزل وقبل الوفاة. إحنا مفيش عندنا أي مخالفات طبية، وتقدري تتفضلي مع الأمن لمكتب الإدارة عشان تستلمي تصريح الدفن، وبلاش إثارة ذعر في المستشفى”.
بصيت لهم هما الاثنين، الكدب متفصل وجاهز، والورق مترتب، والسيستم كله متقفل عشان يغطي على الج*ريمة دي. بس هما نسوا حاجة واحدة.. نسوا الممرضة.
التفتّ بعيني في الأوضة بدور على الممرضة الكبيرة اللي دلتني على الأوضة، الست اللي قالت لي “أنا حكيمة مش مجرمة”. مكنتش موجودة في الأوضة، بصيت برا في الممر، لمحها واقفة بعيد، ورا رجال الأمن، وشها كان أبيض كأنها ج*ثة، وإيديها بتترعش وهي ماسكة سبحة خشب صغيّرة. طارق والدكتور رفعت كانوا ملهيين فيا ومنتبهين للتليفون ومخدوش بالهم إن الممرضة لسه واقفة وشهادتها ممكن تهد المعبد على اللي فيه.
في اللحظة دي، سمعنا صوت دوشة جاية من أول الممر الغربي. صوت خطوات جزم ميري تقيلة بتخبط في الأرض الإيبوكسي بتاعة المستشفى، ومعاها صوت زعاق ونبرات حاسمة.
“أيوة يا فندم.. الممر ده.. غرف العمليات القديمة المعزولة”، ده كان صوت حد من موظفين الاستقبال بالمستشفى وهو بيتكلم برعب.
وبعدها بـ ثواني، ظهروا في أول الممر. تلات رجالة بلبس مدني بس هيبتهم وس*لاحهم الميري اللي باين من تحت الجواكت كان بيقول كل حاجة، ووراهم ظابط صغير برتبة ملازم أول بلبس ميري، ومعاهم أبلة ماجدة بشعرها الفضي القصير، ونظارتها النظر الرفيعة، ووشها الصارم اللي مفيش فيه ذرة تهاون.
طارق أول ما شاف أبلة ماجدة والظابط، ابتسامته الباردة اتمسحت. الدكتور رفعت خطى خطوتين لورا وحط إيده في جيوب البالطو بتاعه وهو بيحاول يبان طبيعي.
الظابط قرب بسرعة، عينه لفت في المكان، لقط المريضة اللي على السرير، ولقط الأساور البلاستيك اللي في إيدي، وبعدين بص لطارق وللدكتور رفعت. “مساء الخير يا فندم. أنا النقيب حازم الشناوي، معاون مباحث قسم الدقي. جالنا بلاغ رسمي من سيادة المستشارة ماجدة السيوفي بوجود شبهة جنائية خطيرة واحتجاز مواطنة وإخفاء طفل”.
الدكتور رفعت تقدم بسرعة وهو بيرسم ابتسامة ترحيب صفرا: “يا فندم مرحباً بيك.. المستشفى مستشفى الصفا التخصصي وتحت أمر القانون دايماً. بس الموضوع كله سوء تفاهم من الحاجة كريمة، والدة المريضة. صدمة الوفاة بتاعة الجنين أثرت عليها، والطفل هنا حالته مثبتة في الدفاتر إنه اتولد بتقرير طبي وفاة طبيعية نتيجة توقف عضلة القلب، والج*ثة حالياً في الثلاجة”.
أبلة ماجدة قربت مني، حطت إيدها على كتفي بتطمني، وبصت للدكتور رفعت بعينين زي الصقر: “دفاتر إيه يا دكتور رفعت؟ الدفاتر اللي بتتكتب بعد ما الج*ريمة تتم؟ طارق بيه كلم الحاجة كريمة الساعة 4:38 وقالها بنتك ماتت.. وبنتها أهي عايشة وبتتنفس ورايا. لما جوز الست يكدب في موت مراته، يبقى كل ورق بيطلع من تحت إيدكم فيه شبهة تزوير وجناية”.
الظابط حازم بص لطارق: “طارق بيه الهواري؟ ممكن تفهمني ليه قولت لوالدة مراتك إنها ماتت وهي صاحية؟”.
طارق بلع ريقه، بس ثبت نفسه، ورجع لنبرة الهدوء الماكرة: “يا فندم.. أنا مأقلوتش إنها ماتت.. أنا قولت (عاشت وماتت وهي بتولد) كنت أقصد على الحالة الطبية الصعبة وإنها كانت بين الحياة والموت، والحاجة كريمة من خضتها سمعت الغلط وجت جري. أنا هكدب ليه؟ دي مراتي وحبيبتي وأم ابني اللي ملحقتش أفرح بيه”.
“كداب! كداب يا سيادة الظابط!”، الصوت المرة دي جه من ورا الكل. الصوت كان حاد ومبحوح ومخلوق بالدموع.
الكل التفت. الممرضة الكبيرة كانت واقفة، عينيها مليانة دموع، وجسمها كله بيترعش، بس رجليها شالتها وتقدمت لحد ما بقت وسط الدائرة، قدام الظابط علطول.
الدكتور رفعت بص لها بنظرة تهديد صريحة برقت في عينه، وطارق ضغط على سنانه لدرجة إن عروق رقبته ظهرت. “سعاد! ادخلي على شغلك وبلاش كلام فارغ”، الدكتور رفعت قالها بزجر.
لكن الممرضة سعاد متهزتش، بصت للظابط وقالت وصوتها بيرن في الممر: “مش هسكت يا فندم.. أنا بقالي ثلاثين سنة بشتغل في المستشفى دي ومستحيل أضيع آخرتي عشان فلوس طارق بيه ولا تهديدات الدكتور رفعت. الولد ماتولدش ميت.. الولد نزل سليم وزي الفل وصوته كان مالي أوضة العمليات. طارق بيه اتفق مع الدكتور رفعت يكتبوا تقرير وفاة ويطلعوا إخطار دفن مزور، والولد اتسلم لست تانية برة المستشفى من حوالي ساعة!”.
الكلمة نزلت كأنها قنبلة انفجرت في وسطنا. طارق اندفع ناحية الممرضة وهو بيزعق: “أنتي اتجننتي يا ست أنتي؟ أنتي بتخرفي بتقولي إيه؟”.
الظابط حازم حط إيده في صدر طارق وزقه لورا بقوة: “الزم مكانك يا طارق بيه! ومسمعش صوتك”. التفت للممرضة وعينه بقت حاسمة: “الولد اتسلم لمين يا مدام سعاد؟ وفين؟”.
الست بكت وقالت: “معرفش اسمها يا فندم.. بس شفتها.. ست شيك جداً، كانت مستنية في عربية مرسيدس سودا ورا المبنى الطبي الخلفي للمستشفى. الدكتور رفعت بنفسه أخد الولد في بطانية وخرج سلمه ليها، وطارق بيه كان واقف معاه. أنا سمعتهم وهم بيقولوا (كده الورق اتقفل والواد ده ملوش وجود في الدنيا خلاص)”.
بصيت لطارق.. وشه بقى زي الرماد، عينيه بقت تدور في المكان كأنه فار محبوس في مصيدة ويدور على أي جحر يهرب منه. الدكتور رفعت حط إيده على راسه وقعد على كرسي خشب في الممر كأنه جاله هبوط مفاجئ.
“يا ملازم حازم”، الظابط كلم العسكري اللي معاه بسرعة: “اتحفظ على الدكتور رفعت وطارق الهواري حالا. واطلب قوة إضافية تقفل مخارج المستشفى بالكامل وتتحفظ على كاميرات المراقبة بتاعة المبنى الخلفي وبوابات الخروج من الساعة 4 العصر لحد دلوقتي!”.
“حاضر يا فندم!” الملازم أخد طارق والدكتور رفعت على جنب، ورجال الأمن بتوع المستشفى وقفوا يتفرجوا ومحدش فيهم تجرأ ينطق بكلمة.
أنا سبتهم وروحت جري على الأوضة تاني، قعدت جنب مريم، مسكت إيدها الساقعة وبقيت أبوسها وأنا بعيط. بنتي عايشة.. بس حفيدي، حتة من قلبي، ضاع في شوارع القاهرة في وسط الضلمة دي. مع مين؟ وليه؟ طارق يعمل كده في ابنه ليه؟ إيه السر اللي يخلي أب يسرق ابنه من حضن أمه ويزور شهادة وفاته ويبيعه أو يديه لست غريبة؟
أبلة ماجدة دخلت ورايا الأوضة، حطت إيدها على كتفي وقالت بصوت هادي بس مليان قلق: “كريمة.. إحنا مسكنا أول الخيط.. بس الحكاية دي أكبر بكتير من مجرد جوز بيخون مراته أو بيسرق ابنها. عائلة الهواري وراها بلاوي، وطارق مكنش بيتحرك لوحده. لازم نفوق مريم، لازم نعرف منها كل حاجة حصلت قبل ما تدخل العمليات. هي المفتاح الوحيد اللي هيقولنا الواد ده راح فين”.
في اللحظة دي، تليفون طارق اللي كان محطوط على الترابيزة جنب السرير —الظابط كان حطه هناك بعد ما فتّشه— بدأ يرن. الشاشة نورت، ومكنش في اسم مكتوب، كان مجرد رقم غير مسجل.
الظابط حازم دخل الأوضة بسرعة لما سمع الرنة، بص للشاشة، وبصلي، وبعدين فتح الخط وفتح الإسباكر من غير ما ينطق ولا حرف.
صوت ست.. صوت ناعم، ارستقراطي، بس فيه نبرة فزع وتوتر قت*لت السكون اللي في الأوضة، جه من السماعة:
“طارق؟ أنت فين؟ الدكتور رفعت ميردش ليه؟ العربية اتحركت والولد معايا.. بس في حركة مش طبيعية على أول الشارع، وفي بوكس شرطة واقف عند البوابة الخلفية. طارق.. اتصرف، لو اتكشفنا، عيلتك كلها هتروح في داهية، وأنت أولهم!”.
الظابط حازم شاور للعسكري بسرعة يسجل المكالمة ويتتبع الخط، وأنا قفلت كف إيدي على ملاية السرير بقوة لدرجة إن ضوافري كانت هتقطع القماش.. الصوت ده مش غريب عليا. الصوت ده أنا سمعته قبل كده..
حكايات مني السيد
## الفصل الخامس والأخير: حريق في بيت الهواري
التاكسي مشي وسابني واقفه بطولي في وسط الشارع. الهوا بتاع العصر في الدقي كان محمل بتراب ناعم بيلسع العين، بس أنا مكنتش حاسة بحاجة. عيني كانت متثبتة على البوابة الحديد الضخمة بتاعة قصر الهواري. قصر قديم، مبني من أيام الملكية، حيطانه عالية ورمادية كأنها سجن، ومحاط بشجر كافور عالي ومغطي على الشبابيك. كان باين عليه العز، بس العز اللي ريحته موهوبة للظلم والدم.
لمحت من بين الفتحات بتاعة البوابة عربية الإسعاف السودا اللي أخدوا فيها مريم وهي واقفة جوة الجراج، وموتورها لسه بيطلع صهد كأنها لسه واصلة من دقيقين.
مستنتش، ومفكرتش. خطوت رجلي كانت أسرع من الخوف. روحت على البوابة الحديد وخبطت عليها بـ كفوف إيدي الإتنين بكل قوتي. الحديد رن في الشارع الفاضي الهادي: “افتحوا الباب! افتحوا يا حرامية يا مجرمين! هاتوا بنتي! هاتوا حفيدي!”.
ظهر من ورا الباب فرد أمن ج*ثته عريضة، لابس قميص أسود، وبصلي بنظرة استهزاء من ورا السلك: “أمشي من هنا يا ست أنتي.. ده قصر الهواري هانم، مش تكية! أمشي بدل ما أطلبلك النجدة”.
“اطلب النجدة يا روح أمك!”، صرخت فيه وأنا بتعلق في الحديد وبحاول أهز البوابة: “أنا كريمة نصار.. أم مريم اللي خطفتوها من المستشفى! قول للشيطانة الكبيرة شريفة الهواري إن أم مريم واقفة برة، ومش هتمشي من هنا غير وضناها في حضنها.. افتح الباب!”.
الراجل وشه اتقلب لما سمع الاسامي، ولف بسرعة ودخل الأوضة الصغير بتاعة الأمن ورفع سماعة تليفون داخلي. دقيقة واحدة، وخرج وبابه انفتح تكة صغيرة. “ادخلي.. الهانم مستنياكي جوة.. بس لوحدك”.
دخلت. الساحة جوة كانت واسعة، في نجيل الأخضر والورد المرصوص، بس أنا كنت شايفة الدم والكدب مغطي على كل ورقة شجر. مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وصلت للسلالم الرخام الكبيرة اللي بتودي لباب القصر الرئيسي. الباب كان مفتوح، وجوة الصالون الكبير، اللي مليان نجف كريستال وسجاجيد عجمي غالية، كانت قاعدة شريفة هانم الهواري.
كانت قاعدة على كرسي مذهب، مغيرتش هدمتها المبهدلة بتاعة المستشفى، بس كانت حاطة رجل على رجل وبكل برود الدنيا ماسكة فنجان قهوة صيني وبتشرب منه. وعلى الكنبة اللي جنبها، كانت محطوطة البطانية الصوف البيضا.. وفيها الولد!
حفيدي كان نايم، هادي، كأنه حاسس إن الحيطان دي غريبة عنه ومستسلم للقدر.
“مريم فين؟” ده كان أول سؤال نطق بيه بوقي وأنا واقفة في وسط الصالون، متهزتش من الفخامة ولا النور اللي مالي المكان.
شريفة حطت فنجان القهوة على الترابيزة ببطء، وبصتلي بابتسامة صفرا مليانة شماتة وتكبر: “أهلاً يا كريمة.. كنت عارفة إنك هتيجي جري. الأمومة برضه بتعمل عمايلها. بس أنتي داخلة بيت الهواري من غير إذن، وده في حد ذاته جنحة اقتحام”.
“اِخرسي يا حرباية!”، صرخت فيها وتقدمت خطوة، بس فرد الأمن وقف في وشي ومنعني أقرب من الكنبة: “بنتي فين يا شريفة؟ والولد ده بيعمل عندك إيه؟ الورق المزور بتاعكم مش هيمشي عليا.. الشرطة جاية في سكتي وأبلة ماجدة مش ه تسيبكم!”.
شريفة ضحكت ضحكة عالية، رنت في سقف الصالون العالي: “ماجدة السيوفي؟ المحضر بتاع صاحبك الظابط حازم اتقفل يا حبيبتي في القسم خلاص. الدكتور رفعت اعترف إن الموضوع كله خطأ غير مقصود في دفاتر المواليد نتيجة ضغط الشغل، والمستشفى غرمته وفصلته. وطارق جوز بنتك خرج بكفالة من النيابة الجزئية من ساعة، وحالياً بيخلص أوراق نقل الولد لـ مكتب الصحة الرئيسي باسم والدته الشرعية.. (شهيرة الهواري) بنت عمه اللي في دبي. يعني الولد ده بالقانون والسيستم والدفاتر المعتمدة.. ملوش أي صلة بيكي ولا ببنتك مريم!”.
“وبنتي؟” سألتها وصوتي بدأ يشرخ من كثر الوجع: “مريم فين؟ عملتوا فيها إيه؟”.
شريفة لفت وشها وبصت لـ ممر ضيق في آخر الصالون: “مريم في مكانها الطبيعي.. في الرعاية الطبية الخاصة بتاعة القصر هنا. طارق بيه جاب لها أكبر دكاترة في مصر عشان يعالجوها من الصدمة العصبية اللي جاتلها بعد ما عرفت إن ابنها نزل ميت! مريم هتقعد هنا تحت عينا، لحد ما تمضي على باقي تنازلات الشركات، وتوافق بالذوق على الطلاق وتخرج من حياتنا.. وزي ما دخلت بشنطة هدمها، هتخرج بشنطة هدمها”.
“أنتم مش بني آدمين.. أنتم شياطين!”، دموعي نزلت، دموع قهر وعجز. المحامين بتوعهم قفلوا كل حاجة، والقانون واقف يتفرج على الورق المزور المكتوب بـ مية الذهب والفلوس.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات جاية من ورايا. التفت ولقيت طارق الهواري داخل من باب القصر. كان لابس بدلة جديدة، وشه كان راجع له فيه الدم والكبر، وباصص لي بنظرة تشفي ووقاحة مكنتش شفتها في حياتي.
“منورة يا حماتي العزيزة”، طارق قالها وهو بيقرب من شريفة ويبوس إيدها: “قسماً بالله أنتي ست ممتازة يا طنط كريمة، تعبتينا الليلة دي وخلتينا ندفع مبالغ طائلة للمحامين والدكاترة عشان نقفل الحكاية، بس في الآخر.. الهواري دايماً بيكسبوا. قولتلك الليل مخلصش.. والولد ده شايل ورث عيلة كاملة، تفتكري هسيبه لست من حارة شعبية زيك عشان تكبري بيه؟ الواد ده هو اللي هيخليني أدير شركات العاصم كلها”.
قربت من طارق، وبصيت في عينيه القذرة: “أنت بعت ابنك يا طارق؟ بعت ابنك ومرتك اللي كانت بتموت فيك عشان الفلوس؟”.
طارق تف ع السيجارة اللي في إيده وقال ببرود: “الفلوس هي اللي بتعمل البني آدم يا طنط.. ومريم هتاخد قرشين حلوين لما تطلق وتخرج، بس بعد ما نخلص موضوع الورث. ف ريحي نفسك، واخرجي من هنا بالذوق بدل ما الأمن يرميكي برة في الشارع ويرملك معاكي ق*ضية بلاغ كاذب توديكي ورا الشمس في السن ده”.
وقفت في وسط الصالون. بصيت لـ شريفة، وبصيت لـ طارق، وبصيت لفرد الأمن اللي واقف زي الحيطة. حسيت إن الدنيا كلها قفلت في وشي، المحاكم هتاخد شهور وسنين، وبنتي هتموت جوة الأوض المقفولة دي بالبطيء، وحفيدي هيتسجل باسم ست تانية ويسافر دبي والاسم والنسب هيتغيروا للأبد.
في اللحظة دي.. افتكرت جوزي. افتكرت “نصار” الله يرحمه لما كان بيقولي: *”يا كريمة.. الحق مبيحتاجش ورق عشان يبان.. الحق بيحتاج قلب ميموتش”*.
إيدي دخلت جوة جيب العباية.. صوابعي لمست الأسورة البلاستيك الصغير، ولمحت حاجة تانية كانت جوة الجيب من الصبح.. الولاعة البلاستيك الصغير اللي كنت بولع بيها البوتاجاز وأنا بعمل الرز بلبن لمريم.
أنا مكنتش في وعيي.. أو يمكن ده كان أوعى وقت في حياتي.
لفت عيني في الصالون.. الستائر الشيفون الغالية الكبيرة اللي نازلة من السقف لحد الأرض ورا الكنبة المذهبة.. السجاد العجمي التقيل.. الخشب الأرو بتاع الباب.
خطيت خطوة سريعة ناحية الستارة، طارق وافتكرني هقع أو هبكي.. بس أنا طلعت الولاعة من جيبي، وولعتها في ثانية، وحطيت النار في طرف الستارة الشيفون!
الشيفون لقط النار في لمح البصر.. النار شرزت وطلعت لفوق كأنها تعبان من نار، ومشت في القماش بسرعة مرعبة.
“أنتي بتعملي إيه يا مجنونة!”، طارق صرخ واندفع ناحيتي، بس أنا زقيته بكل قوتي وبقيت أصرخ زي الأسد الجريح: “هحرقكم! هحرق البيت ده باللي فيه لو مخرجتش ببنتي وحفيدي! الموت علينا وعليكم يا ولاد الهواري!”.
النار لقطت في الخشب بتاع الكنبة، والدخان الأبيض التقيل بدأ يملأ الصالون العالي. شريفة هانم وقفت وتصرخ وهي بتلم فستانها الشيك: “يا غفير! يا أمن! اطّفوا النار! الست دي اتهبلت!”.
الأمن ساب السكة وجري يدور على طفايات الحريق، وطارق كان بيحاول يشد الستارة المشتعلة بإيده والنار لقطت في كم بدلتها، فبقى يجري ويصرخ من الوجع والخوف.
في وسط الهرج والمرج والدخان اللي بدأ يخنق الأنفاس، أنا جريت على الكنبة. شلت البطانية الصوف البيضا اللي فيها الولد.. حفيدي صحي وبدأ يعيط بـ صرخة قوية هزت قلبي. حطيته في حضني وقفلّت عليه بجسمي، وجريت ناحية الممر الضيق اللي شريفة شاورت عليه من دقيقة.
الممر كان ضلمة ومخلوق بالدخان اللي بدأ يسحب من الصالون. بقيت أجري وأنا بكح وبنادي: “مريم! مريم أنت فين يا بنتي؟!”.
عديت على أول أوضة.. قفل.. تاني أوضة.. قفل. لحد ما وصلت لآخر الممر، باب خشب أرو كبير، وكان في مفتاح محطوط فيه من برة. لفيت المفتاح بسرعة وفتحت الباب.
جوة الأوضة.. كانت مريم نايمة على سرير طبي، إيديها ورجليها مربوطة بشاش أبيض في حرف السرير عشان م تتحركش، وفي محاليل متعلقة في دراعها. عينيها كانت مفتوحة وبتعيط بتعب من الدخان اللي بدأ يدخل من تحت عقب الباب.
“ماما!” مريم صرخت بصوت مبحوح لما شافتني داخلة والدخان ورايا.
“أنا جنبك يا مريم.. جنبك يا قلب ماما”، حطيت الولد على السرير بسرعة، ومديت إيدي على الشاش اللي مربوط في إيديها وبقيت أقطعه بـ سناني وأ ضافري لحد ما دمي سال على الملاية البيضا. قطعت الشاش بتاع إيديها ورجليها، وشديت خرطوم المحلول من دراعها.
“خدي الولد يا مريم! خدي ابنك في حضنك واِجري ورايا!”، صرخت فيها وأنا بشيلها من على السرير. مريم شالت ابنها، وضمتّه لـ صدرها وهي بتبكي، وجسمها كان لسه ضعيف ومهمد، بس غريزة الأمومة وقفتها على رجليها زي الحديد.
خرجنا للممر.. الدخان كان بقى أسود وتقيل، ومبقاش في ركوب نفس. الصالون برة كان عبارة عن كتلة نار شاعلة، والنجف الكريستال بدأ يقع ويتكسر على الأرض الرخام بصوت زي المدافع. طارق وشريفة والأمن كانوا خرجوا للجنينة برة وبيدوروا على خراطيم مية، ومحدش فيهم كان قادر يدخل وسط الجحيم ده تاني.
“ماما.. السكة مقفولة بالنار من برة! هنخرج إزاي؟” مريم صرخت وهي بتكتم بوق ابنها بـ طرف البطانية عشان الدخان م يخنقوش.
“من المطبخ يا مريم! أكيد في باب خلفي للمطبخ بيودي على الجنينة الورانية!”، مسكت إيد مريم وجرينا في ممر جانبي لحد ما وصلنا للمطبخ الكبير بتاع القصر. الباب الإستيل بتاعه كان مقفول بـ ترباس حديد. زقيت الترباس بكل قوتي وفتحت الباب.
الهوا النظيف خبط في وشنا.. عدينا السلم الصغير ونزلنا للجنينة الخلفية المظلمة المهجورة. السور الشجري هنا مكنش عالي، وكان في بوابة حديد صغيرة بتاعة خدمات.
جرينا ناحيتها.. وأول ما فتحنا الباب وخرجنا للشارع الجانبي.. لقيت الدنا مقلوبة برة.
صوت سرينات إسعاف ومطافئ وشرطة مالي المكان. وفي أول الشارع الجانبي، كانت واقفة عربية أبلة ماجدة السيوفي، ومعاها عربية بوكس شرطة تانية.
أبلة ماجدة أول ما شافتني خارجة من ورا السور والدخان مغطي وشي وهدمتي ومريم شايلا الولد في حضنها، جِريت علينا وهي بتعيط وتصرخ: “كريمة! مريم! أنتم دايسين في النار دي إزاي؟!”.
الظابط حازم الشناوي نزل من عربية الشرطة وجري علينا هو كمان، وشاف المنظر.. القصر من ورا كان الدخان الأسود طالع منه والسحاب مغطي الشمس. “إيه اللي حصل جوة يا فندم؟!”.
“حصل الحق يا سيادة الظابط”، قلتها وأنا بققع على الرصيف من التعب، نفسي كان بيطلع بالعافية وصدر بيزيق من الكلور والدخان: “جبت بنتي وجبت حفيدي من وسط جحيم الهواري.. والورق المزور بتاعهم أهو بيتحرق جوة مع كدبهم!”.
أبلة ماجدة أخدت مريم والولد وقعدتهم في عربيتها بسرعة، ودكتور الإسعاف جيه جري وحط ماسك الأكسجين لـ مريم وللواد الصغير عشان يطمن على نفسهم.
في الوقت ده، كانت عربيات المطافئ لفت وراحت للبوابة الرئيسية عشان تطفي الحريق اللي لقط في الدور الأول بالكامل من القصر. والظابط حازم أخد رجّالته ودخل الجنينة الرئيسية عشان يتحفظ على طارق وشريفة الهواري اللي كانوا واقفين برة بيموتوا من الغيظ والقهر، وهدومهم متبهدلة بالهباب الأسود، والمحامين بتوعهم واقفين حواليهم ومش عارفين يعملوا إيه بعد ما الج*ريمة اتكشفت بالمنظر ده.. مريم والولد خرجوا من القصر والكل شافهم، ومبقاش ينفع يتقال إنهم ماتوا أو مش موجودين.
أبلة ماجدة قعدت جنبي على الرصيف، مسحت وشي بـ منديل مبلل وقالت وصوتها بيرتعش من الذهول: “أنتي اتجننتي يا كريمة؟ أنتي حركتي قصر الهواري؟ أنتي عارفة العقوبة القانونية للحريق العمد إيه؟”.
بصيت لـ ماجدة.. وابتسمت، ابتسمت بقلب صافي ورايق لأول مرة من تلات سنين: “القانون بتاعكم يا ماجدة كان هيسيب بنتي تموت بالبطيء جوة، وكان هيسيب حفيدي يتسرق نسبه ويتسجل باسم ست تانية. النار دي هي اللي طهرت الدنيا من ورقهم المزور، وهي اللي خرجت بنتي للنور. خلّيهم يحبسوني.. خلّيهم يعملوا اللي يعملوه.. المهم إن مريم وابنها في حضني دلوقتي.. ومفيش قوة في الأرض تقدر تاخدهم مني تاني”.
الظابط حازم رجع ومعه محضر صغير في إيده، بصلي بنظرة فيها إعجاب وتقدير وداراها بـ نبرة رسمية: “حاجة كريمة.. إحنا سجلنا في التقرير المبدئي إن الحريق ناتج عن ماس كهربائي في التكييف بتاع الصفا الكبير نتيجة الإجهاد، وطارق بيه وشريفة هانم م اِتهموكيش بحاجة جوة لإنهم لو اتكلموا.. هيتفتح عليهم محضر الخطف والاحتجاز الرسمي اللي ثبت بوجود مدام مريم والطفل جوة القصر بدون إذن طبي. هما دلوقتي في البوكس ورايحين النيابة العامة بـ تهمة تزوير أوراق المواليد واحتجاز أنثى.. والمرة دي المحامي العام بنفسه هو اللي ماسك القض*ية بناءً على البلاغ اللي قدمته سيادة المستشارة ماجدة”.
قمت وقف على رجلي.. روحت على عربية أبلة ماجدة، فتحت الباب وبصيت جوة.
مريم كانت قاعدة، حاطة ماسك الأكسجين، بس عينيها كانت بتلمع بالنور. والولد الصغير كان نايم في حضنها، لافف صوابعه الصغننة حوالين صباع مريم الكبير، وبيتنفس بهدوء.
مديت إيدي.. طلعت الأسورة البلاستيك الزرقا الصغير من جيب عبايتي المحروقة.. الأسورة اللي مكتوب عليها (ابن مريم طارق الهواري.. 4:15 العصر). حطيتها في إيد مريم وقفت عليها صوابعها.
“دي الحقيقة يا بنتي”، قلتها وأنا ببوس قورتها: “دي الحقيقة اللي هتعيشي بيها وتكبري ابنك عليها. عيلة الهواري راحت.. والفلوس بتاعتهم ولعت.. وبقيتي أنتي وابنك وبس في الدنيا دي.. وأنا في ضهركم لحد آخر يوم في عمري”.
مريم مسكت إيدي وبستها وهي بتبكي.. وصوت صرخة الولد الصغير طلعت تاني، بس المرة دي مكنتش صرخة وجع ولا خوف.. كانت صرخة حياة جديدة بتبدأ من وسط الرماد.
شوارع الدقي كانت بدأت تضلم تاني، والليل كان بيقرب، بس المرة دي مكنش ليل مخيف.. كان ليل هادي، ليل بيعلن إن الحرب خلصت.. وإن الأم كسبت برصاصتها الأخيرة.. رصاصة القلب اللي ميموتش.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *