خيانة الجده بقلم زهرة الربيع

بنتي كل ما تروح عند عيلة ابوها ترجع هتموـ,ـت من بطنها وتتقئ بصوره مش طبيعيه ولما سألت حماتي اتهمتني اني بقول كده علشان احرمهم من شوفتها وان البنت مفيهاش حاجه… فقررت اعرف بنفسي وحطيت كاميرا صغيره في فستان بنتي واللي اظهرته دمر الباقي من حياتي المؤلمه.
أنا اسمي سمر، وعندي ٢٨ سنة. من سنتين بس، كنت حاسة إن الدنيا ضاحكالي ومفيش أسعد مني في الكون. كنت متجوزة أحمد، حبيب عمري، الراجل اللي اختارته واختارني رغم كل الظروف. أحمد كان ضابط في القوات المسلحة، كان راجل بمعنى الكلمة، حنين، شهم، وبيحبني لدرجة مكنتش عارفاها غير من نظرة عينيه. لما خلفت “نور”، دنيتنا اتملت فرحة، كان شايفها حتة من الجنة. بس الفرحة مابتدمش… في ليلة مش قادرة أنساها، جالي خبر وفـ,ـاة احمد. الدنيا اسودت في عيني، حسيته أخد روحي معاه وسابلي جسم عايش بس عشان بنتنا الوحيدة، النبض الفاضل من ريحته.
​طبعاً، عيلة أحمد مكنش ليهم سيرة بعد الوفـ,ـاة غير “نور”. دي ريحة الغالي، دي الحاجة الوحيدة اللي باقية من ابننا البطل. حماتي وحمايا بقوا مصرين إن البنت تروح تقعد معاهم يومين من كل أسبوع. كنت بوافق برغم ناري وشوقي ليها، بس بقول لنفسي: “دول أهل أبوها، ومن حقهم يشوفوا ابنهم فيها، وأنا مش هبقى قاسية وأحرمهم منها”.
​بس الحكاية بدأت من حوالي شهرين. نور عندها تلات سنين، يعني مابتنطقش الكلمات كاملة ولا بتعرف تحكي تفاصيل. كل ما تروح عندهم وترجعلي، تبدأ المأساة. البنت ترجع وشها أصفر زي الليمونة، دبلانة، وتفضل تصرخ وتعيط من بطنها. ومفيش نص ساعة، وتبدأ تتقيأ بصورة مش طبيعية، لدرجة إنها بتجيب عصارة معدتها وتترمي في حضني زي الفرخة المذبوحة، جسمها كله بيتنفض.
​جرى إيه يا نور؟ مالك يا قلب ماما؟ كلتي إيه هناك؟ البنت مابتنطقش غير كلمات متقطعة: “بطني يا ماما.. وجع.. نونة تعبانة”.
​أول وتاني مرة قلت يمكن لغبطة أكل، يمكن تقلت في الحلويات. بس الموضوع بقى متكرر بـ “المسطرة”. كل أسبوع ترجع بنفس الحالة، كأن في حد بيسممها بالبطيء! كلمت حماتي في التليفون بنبرة كلها رجاء وقلق:
​”ماما، أرجوكي، نور بترجعلي كل مرة تعبانة جداً وبتتقيأ بشكل غريب، إنتوا بتأكلوها إيه؟ أو بتعمل إيه هناك؟”
لقيت صوتها اتقلب في ثانية، ونبرتها بقت حادة وناشفة:
​”جرى إيه يا سمر؟ إنتِ هتتبلي علينا؟ البنت بتبقى معانا زي الفل وبتلعب وتضحك، ولا بترجع ولا بتشتكي! إنتِ شكل بتألفي الحكايات دي عشان تحرمينا من شوفة بنت ابننا! أحمد مات بس بنته مش هتمـ,ـوتيها وهي عايشة، البنت مفيهاش حاجة واقسم بالله لو منعتيها عننا ليكون لينا تصرف تاني!”
​الكلام نزل عليا زي السكاكين. اتهام باطل وجارح، وأنا اللي بحرق قلبي عشان أوديها ليهم. قفلت السكة وأنا بدمع، بس قلبي مكنش مطمن. غريزة الأمومة جوايا كانت بتصرخ وتقولي في حاجة غلط، في سر ورا جدران البيت ده. دموع بنتي ونشيجها بالليل وهي ضامة بطنها مكنش كدب، مفيش طفل بيمثل الوجع ده كله.
​فكرت كتير.. هعمل إيه؟ لو منعت البنت، هيعملوا مشاكل وقضايا، وأنا مش حمل محاكم، غير إني أصلاً عايزة أفهم إيه اللي بيحصل لبنتي وهي معاهم. الشيطان وزني بفكره، بس مكنتش شيطانية، كنت أم خايفة على حتة من قلبها. دخلت على الإنترنت، وفضلت أدور لحد ما اشتريت كاميرا تتبع ومراقبة صغيرة جداً، بحجم زرار الفستان، بتتوصل بالإنترنت وبتنقل الصوت والصورة مباشرة على التليفون.
​يوم الخميس جه، الميعاد الاسبوعي اللي حمايا بييجي فيه ياخد نور. قعدت البنت على السرير، ولبستها فستان منفوش هي بتحبه، وجيت عند الوردة الكبيرة اللي في الصدر، وثبت الكاميرا بدبوس سحري من جوة، بحيث تكون العدسة الصغيرة اوي هي مركز الوردة، مفيش مخلوق يلمحها ولا يشك فيها.
​كنت برعش وأنا بظبط الإشارة على موبايلي. اتأكدت إن الصوت واضح والصورة كاشفة كل اللي قدام البنت. لبستها جزمتها، وبستها وهي بتضحك، ودموعي كانت محبوسة في عيني. أنا مش بسيبها عند أغراب، دول جدها وجدتها، بس الخوف كان أكل قلبي.
​الباب خبط، وكان حمايا. راجل وقور، ملامحه هادية، دايماً يفتكر أحمد ويعيط.
سلمت عليه، وأنا بحاول أبان طبيعية جداً، وقلتله: “خلي بالكم منها يا عمي، أرجوك بلاش حلويات كتير عشان بطنها”.
هز رأسه بحنان وقال: “دي في عنينا يا سمر، دي الغالية بنت الغالي”.
​واول ما سلمتها لجدها زي العاده رجعت بسرعه فتحت التليفون وشغلت الكاميرا وبدأت اشوف كل حاجه بتحصل
كل شئ بان طبيعي في البدايه لحد ما حصل شئ عمري ما اتخيلته في اسوء كوابيسي خلى التليفون وقع من ايدي من الصدمه !!!!!
……..
الشاشة متثبتة في إيدي، ضـ,ـربات قلبي مسموعة في وداني كأنها طبل حرب. في الأول، الكاميرا جايبة سقف العربية، وبعدين النور فتح وبان صالون بيت حماتي. البنت جريت على جدتها، والست أخدتها في حضنها وقعدت تبوس فيها، كل حاجة ماشية طبيعي، مفيش أي مؤشر لخطر. لحد ما حمايا نزل يصلي العصر، وهنا الحية بدأت تطل براسها.
​لقيت حماتي قامت وقفت، ملامح وشها الدافية اتبدلت في ثانية لبرود مخيف. راحت ناحية المطبخ ونادت بصوت واطي: “بت يا سمر.. تعالي يا مقصوفة الرقبة”. طلعت بنت شابّة، دي “سمر” بنت سلفي المتوفي، عندها حوالي ١٩ سنة، عايشة معاهم في البيت. الست الكبيرة بصت لها وعينيها بتطق شرار وقالت: “حطيتي الأمانة في العصير؟”. البنت وشها جاب ألوان وجسمها اترعش: “يا ستي حرام عليكي.. البنت هتمـ,ـوت في إيدينا، دي لسه لحم دم، والجرعة دي تقتـ,ـل جمل”. حماتي برقت لها ولطمتها على وشها قلم رن في وداني من خلال سماعة التليفون: “اخرسي يا بت، أمها الحرباية لازم تتربى، لازم تكره اليوم اللي اتولدت فيه وتفتكر إن بنتها منحوسة ومريضة، وتجيلنا زاحفة تبوس رجلينا عشان نعالجها ونمشيها في مستشفيات.. العصير يتدلق في بطنها كله، وإياكِ تنطقي بكلمة لأخرب بيتك وبيتنا”.
​أنا هنا نفسي اتكتم، الموبايل بدأ يتهز في إيدي، دموعي نزلت حارقة. شفت البنت وهي بتجيب كوباية عصير مانجة، لونها غامق ومطفي. حماتي مسكت نور من دراعها بعنف، قعدتها على حجرها، البنت بدأت تعيط وتفرك: “مش عايزه نونة.. مش عايزه عصير يا تيتة”. حماتي كتمت بوق نور بإيدها التانية، وبقت تصب العصير بالعافية في بوقها والبنت بتشرق وتكح، والست بتدلق وبتقول بغل: “اشربي.. اشربي عشان أمك الساحرة المكيادة تعرف إن الله حق”. نور بدأت تصرخ صراخ مكتوم، صراخ قطع شرايين قلبي، وهي بتشاور على بطنها وبتقول “آه.. بطني يا تيتة.. نار”. الست زقتها من على حجرها ورمت لها لمتين على الأرض وقالت لها ببرود: “اتخمدي هنا لحد ما جدك ييجي، ومتفتحيش بوقك بكلمة وإلا هوديكي للبعبع”.
​التليفون وقع من إيدي على السجادة، الشاشة اتشرخت، بس الصوت كان لسه طالع.. صوت أنين بنتي، حتة من روحي، وهي بتنزف وجع في أرضية الصالون لوحدها، والست اللي من دمها بتبص لها بابتسامة تشفي مريضة. قمت وقفت على رجلي زي المجنونة، مكنتش شايفة قدامي، الدنيا كلها اسودت وعقلي طار، ومفيش في بالي غير فكرة واحدة: أنا هروح أشرب من دمهم.
……..
جريت على الباب كأن في مئة عفريت بيطاردوني. نزلت السلم جرى، مكنتش حاسة بالدرجات تحت رجلي، والشارع كان بيتحرك قدامي بسرعة مرعبة. ركبت أول تاكسي قابلني، والدموع كانت مغمية عيني، وصوت صراخ نور وأنينها لسه بيرن في وداني، كأن الكاميرا مزروعة في نفوخي مش في فستانها. سواق التاكسي بصلي في المراية بخوف وقال: “مالك يا مدام؟ فيكِ إيه؟ أوديكِ مستشفى؟” زعقت فيه بهستيريا: “سوق بأقصى سرعة عندك.. سوق وإلا هرمي نفسي من العربية!”.
​الرحلة اللي بتاخد تلت ساعة حسيتها مئة سنة. أول ما العربية وقفت قبل حتى ما تقف خالص، رميت له الفلوس ونزلت جرى. دخلت عمارة عيلة أحمد، وطلعت الدور الثالث وأنا بنهج وروحي بتنسحب مني. فضلت أرزع على الباب بإيديا الاثنين ورجلي، بكل غل وعجز وكسرة الدنيا اللي حسيت بيها.
​الباب انفتح، وكان حمايا اللي لسه راجع من الصلاة وبيلبس نظارته. بصلي بذهول وهو بيقول: “في إيه يا سمر؟ مالك يا بنتي بتخبطي كدة ليه؟” زقيته بكل قوتي ودخلت الصالون زي الإعصار.
​المنظر اللي شفته هد اللي باقي من طيولي. نور كانت مرمية على الكنبة، ضامة ركبها لبطنها، ووشها أزرق وبتطلع صوت حشرجة، وجنبها حماتي ماسكة فوطة وبتمسح بوق البنت ببرود، وعصير المانجة مدلوق على السجادة والفستان. أول ما حماتي شافتني، ملامحها اتهزت لحظة، بس بسرعة رسمت الوش الخبيث وقالت: ” جرى إيه يا خطافة الرجالة؟ داخلة كدة ليه؟ والبنت أهو، لسه بنقول يا هادي ولقيناها بتتعب لوحدها، شفتي بقى إنك دايماً تتبلي علينا وهي مريضة من عندك؟”
​مستنتش تكمل الكلمة. هجمت عليها زي السبع الجعان، مسكتها من طرحتها وجرجرتها في الأرض وأنا بصرخ بأعلى صوت عندي: “يا مجرمة! يا قاتلة! بتسمي بنتي؟ بتسمي حتة من ريحة ابنك عشان تكسريني؟” حمايا جرى عليا يحاول يشل حركتي ويفك مراته من إيدي وهو مذهول ومش فاهم حاجة ويقول: “أنتِ اتجننتي يا سمر؟ سيبها هتمـ,ـوت في إيدك!”
​طلعت الموبايل المكسور من جيبي ورميته في وشه وأنا بصرخ وعيوني بتطق شرار: “شوف! شوف الست الواعظة الشريفة وهي بتحط السم لبنتي في العصير! شوفها وهي بتكتم نفسها وبتدلق المـ,ـوت في بطنها عشان تذلني! كله متسجل صوت وصورة بكاميرا في فستان البنت يا قاصدين قتـ,ـلها!”
​حمايا مسك الموبايل، وشاف الفيديو اللي كان لسه شغال وبيسجل لايف. الصدمة شلت حركته، عينه وسعت، وبص لمراته اللي كانت في الأرض بتعدل طرحتها ووشها اتقلب أصفر زي المـ,ـوتى لما عرفت إن سرها اتمسح بيه الأرض. حمايا ساب الموبايل وبص لها وبأعلى صوت عنده ضرـ,ـبها قلم وقعها تاني وهو بيقول: “يا فاجرة! بتقتـ,ـلي بنت أحمد؟ بتقتـ,ـلي الغالية؟”
​مضيعتش ثانية معاهم. جريت على نور، شلتها في حضني، البنت كانت زي اللقمة الطرية، دبلانة ومفيش فيها نفس، ودموعها ناشفة على خدها. أخذتها وجريت بيها على السلم وحمايا بيجري ورايا ودموعه مغرقة وشه وبيقول: “أنا معاكي يا بنتي.. ودين الله لأسجنها بإيدي، بس حقي برقبتي البنت تلحقوها!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *