روايه للكاتبه مني السيد الجزء الاخير

بصيت في عين أحمد، وكان الصمت في الأوضة تقيل لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي. الموبايل في إيده نور تاني، رسالة تانية من أمه: “أحمد، أنا عزمت الناس، واللحمة في الفريزر، متنساش تيجي بدري عشان تساعدني في التجهيزات.. سعاد أكيد هتكون مشغولة بشغلها، فقلت أشيل عنها!”
كلمة “أشيل عنها” دي كانت “الفخ” اللي بيحاولوا يوقعوني فيه دايماً. كأنهم بيقولوا لي: “إحنا بنرحمك من البيت، فخليكي في شغلك ومالكيش دعوة بحياتنا.”
أحمد بص لي، وبص للموبايل، وشفت في عينه صراع بين “الابن المطيع” اللي اتربى على إن أمه خط أحمر، وبين “الراجل” اللي بدأ يحس إنه عايز يحافظ على بيته اللي كان بيتهد.
أخد نفس عميق، وكتب رد قدامي، بصوت عالي وهو بيكتبه: “يا أمي، أنا وسعاد عندنا التزامات النهاردة، ومقدرش أسيبها لوحدها. العزومة دي مش مناسبة لينا، ومش هنقدر نحضر.”
قلبي دق بانتصار، بس أحمد كمل: “وكمان، البيت عندي أولى بالمجهود والوقت.. مش هينفع.”
رمى الموبايل على الكومودينو، وبص لي: “أنا رديت عليها. ومش هروح. مش هسمح لحد يفرض عليا حاجة أنا مش عايزها، ولا يفرض عليكي حاجة تضايقك.”
حسيت إن دي كانت “الطلقة الأخيرة” في المعركة. بس حماتي دي مش أي حد، دي “ست الكل” اللي كلمتها بتمشي على الكل. ما عدتش نص ساعة إلا والتليفون بيرن. أحمد ساب التليفون يرن، لحد ما فصل. رن تاني، وتالت.
أحمد بصلّي: “عايزة تردي؟”
هزيت راسي بالنفي. قمت وقفت، ورحت المطبخ عملت عصير ليمون، وجبته وقعدت جنبه. “أحمد، إحنا لازم نروح.”
بص لي باستغراب: “نروح؟ بس أنا لسه قايل لها لا!”
“نروح، بس مش عشان نخدم، ولا عشان نعمل العزومة اللي هي عايزاها. نروح عشان نقعد ضيوف. نروح عشان نحط النقط على الحروف، عشان يعرفوا إن ‘سعاد’ اتغيرت، وإن أحمد ‘شريكي’ مش ‘تابعي’.”
لبست أحسن ما عندي، وحطيت “البرفان” اللي كنت مخبياه للأوقات الصعبة. أحمد لبس بدلته، وبص لي بإعجاب: “أنا فخور بيكي يا سعاد.”
وصلنا بيت حماتي، كان البيت مليان. ريحة المحشي والبط كانت مالية المكان. أول ما دخلنا، الكل بص لنا. حماتي كانت واقفة في نص المطبخ، بتدي أوامر لبنتها، ولما شافتني، وشها اتغير.
“يا أهلاً بالمهندسة! نورتي.. إيه، شغلك خلص بدري ولا إيه؟” قالتها بسخرية.
مشيت ناحيتها، وبكل هدوء قلت: “أهلاً يا طنط. الشغل مبيخلصش، بس أنا جيت عشان أقضي وقت مع العيلة.”
أحمد مسك إيدي: “يا أمي، إحنا جايين ضيوف، زينا زي أي حد موجود. سعاد تعبانة، وأنا كمان، فإحنا جايين نرتاح ونستمتع بقعدة العيلة.”
الكلمة دي كانت زي “القنبلة” اللي انفجرت في البيت. الكل سكت. حماتي بصت لأحمد بذهول: “تستمتع؟ وتستمتع بمين؟ العزومة دي قايمة على مين؟”
“قايمة عليكي يا أمي،” رد أحمد بصوت هادي وثابت، “وعلى اللي حابب يساعدك. بس أنا وسعاد ضيوف.”
قعدنا في الصالة، بين الناس. الناس كانت بتبص لنا، وبيوشوشوا. بس أنا كنت فاردة ضهري، وببتسم. أحمد كان قاعد جنبي، بيحكي وبيهزر، ولما قامت حماتي تندهلي عشان “أقوم أشيل الأطباق”، بص لي أحمد: “اقعدي يا سعاد، أنا قايم أجيب ميه لنفسي، تحبي أجيبلك معايا؟”
حماتي اتجننت، بس ماعرفتش تعمل إيه. لأن قدام الناس، ما تقدرش تظهر بصورة “الست المفترية”.
السهرة خلصت، والناس بدأت تمشي. وأنا كنت قاعدة مكاني، ما قمتش ألم طبق، ولا حتى مسحت فتفوتة. أحمد كان بيلف في البيت، بيسلم، وبيودع، وأنا كنت ببتسم، وبقول: “سهرة جميلة يا طنط، تسلم إيدك.”
قبل ما نمشي، حماتي خدت أحمد على جنب، وقالت له بصوت عالي: “مراتك دي بوظت الدنيا! كانت ست بيت، بقت واحدة تانية خالص!”
سمعتها، قمت وقفت ورحت ناحيتهم: “فعلاً يا طنط. سعاد كانت ‘ست بيت’، ودلوقتي بقت ‘امرأة’. امرأة عارفة قيمة نفسها، وعارفة إن حياتها مش محصورة في الأطباق والمواعين. وأحمد، مش ‘ابنك الصغير’، أحمد راجل، وشريك، وقراراته نابعة من تفكيره، مش من توجيهات حد.”
أحمد مسك إيدي، وطلعنا من البيت.
في العربية، كنا ساكتين. بس كان سكوت “راحة”. وصلنا البيت، دخلنا، لقيت المطبخ نظيف زي ما سبته. أحمد بص لي: “أنا فخور بيكي يا سعاد. وفخور بنفسي.”
دخلنا أوضتنا. قعدت على السرير، وحسيت إن الحمل اللي كان على كتافي بقاله 12 سنة، نزل كله. أحمد قرب مني، وحضني: “سعاد، إحنا محتاجين نبدا من جديد. بس المرة دي، على أساس ‘الاحترام’، لا على أساس ‘الخدمة’.”
غمضت عيني، وحسيت إن ده أول يوم في حياتي بجد. مش “مهندسة”، ولا “طباخة”، ولا “زوجة مطيعة”. أنا “سعاد”، وبس.
بكره؟ بكره مش فارق معايا. المهم إن الليلة دي، أنا نمت وأنا مرتاحة. والبيت اللي كان يوم من الأيام “سجن”، بقى “ملاذ”.
خلصت حكايتي اللي بدأت بالوجع، وانتهت بالوعي. وعرفت إن “الاحترام” مش بيجي بالصبر والسكوت، الاحترام بيجي لما تعرف قيمتك، وتعرف إمتى تقول “لأ”، وتعرف إمتى تبدأ “حياتك” بجد.
ويمكن، بعد 12 سنة، أحمد وسعاد، أخيراً، عرفوا يعني إيه “جواز”… يعني إيه “شراكة”… ويعني إيه “حياة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *