اخواتي البنات

بعد يوم.. من أول يوم شافها فيه في الأتيليه، وأكرم كان معجب بيها جداً، معجب بطيبتها وقوتها وصبرها وذكائها، وكان حاسس إنها البنت اللي كانت بيدور عليها طول عمره، البنت اللي مش بتشوف الفلوس ولا النفوذ، البنت اللي عندها قلب طيب وروح نقية. وهو كمان كان كل حاجة ليها، كان الأب والأخ والصديق والحبيب، كان اللي أخرجها من الظلمة للنور، كان اللي آمن بيها لحد ما آمنت هي بنفسها.
وفي يوم، بعد ما حققت منة كل أحلامها، وبقت في القمة، وقف أكرم معاها في نفس الشرفة اللي كانوا واقفين فيها في فندق الماسة من شهور طويلة، وبص لها وقال لها بصوت مليان حب ودفء يا منة.. من أول يوم شفتك فيه، وأنا عارف إنك مش عادية، وإنك مميزة، وإنك هتبقي حاجة كبيرة قوي.. وكل اللي عملته معاكِ، مكنش عشان حاجة غير إنك تستاهلي كل خير.. واليوم، أنا عايز أسألك سؤال واحد، ومستني إجابتك من أول يوم توافقي تتجوزيني؟.
منة بصت له، والدموع نزلت من عينها، بس دموع فرح وسعادة، وقالت له بكل قلبها أنا موافقة يا أكرم.. أنت اللي غيرت حياتي كلها، أنت اللي أخرجتني من الچحيم اللي كنت عايشة فيه، أنت اللي علمتني أعرف قيمة نفسي، وأنت اللي حبيتني بكل تفاصيلي، بكل وزني، بكل شكلي، بكل ماضيي.. وأنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
الفرح كان فرح أسطوري، فرح بيتكلم عنه الناس لسنوات طويلة، أقيم في قصر أكرم الكبير، وحضره كل نجوم المجتمع والسياسة والأعمال، وكانت منة واقفة في وسط الحضور، لابسة الفستان الأبيض اللي كانوا كلهم بيتريقوا عليه، بس المرة دي، كانت واقفة كالملكة، الكل بيبصلها بإعجاب واحترام، الكل بيقول عليها أجمل عروسة شافوها في حياتهم، الكل بيصفق لها ويبارك لها.
وأخواتها اللي كانوا في السچن، سمعوا بالخبر، وسمعوا بكل نجاحاتها، وسمعوا بكل المكانة العالية اللي وصلت ليها، وكل يوم كانوا پيتعذبوا بالندم والحسړة، وبيقولوا لأنفسهم ليه عملنا كده؟ ليه خسرناها؟ ليه ضيعنا كل حاجة عشان جشعنا وكرهنا؟. وكل ما كانوا يتذكروا كلامهم وسخريتهم، كانوا يحسوا بكسرة ومهانة أكتر من أي عقاپ أخدوه.
الجزء الرابع النهاية.. العدالة والانتصار
بعد كده، عاشت منة حياة سعيدة ومليانة بالنجاح والحب والاستقرار، وأنجبت من أكرم أطفال جميلين، وربتهم على القيم والطيبة والقوة، وعلمتهم إنهم لازم يحبوا الناس ويحترموهم، ومحدش ليه الحق يقلل من قيمة حد مهما كان.
وأسست منة جمعية خيرية كبيرة، ساعدت من خلالها كل الستات اللي اتعرضوا للإيذاء أو الغدر أو الإساءة، وكل اللي كانوا في وضعها زمان، وكانت بتقول لهم دايماً متخافوش ومتستسلموش.. مهما كان الألم كبير، ومهما كان الناس قاسيين، ربنا معاكم، والحق بيرجع لصاحبه، واللي بيأذي غيره، ربنا بيجعل له نهاية زي ما يستاهلها.. وأنتوا جميلين، وأنتوا قويين، ومحدش يقدر يغير من حقيقتكم ولا يصغركم أبداً.
ومرت السنين، وبقت منة واحدة من أهم وأغنى وأقوى الستات في مصر والشرق الأوسط، واسمها بقي رمزاً للنجاح والصمود والعدالة، وكل الناس كانت بتحترمها وتحبها، وكل الناس كانت بتعرف قصتها، وبتحكيها لأولادهم، عشان يتعلموا منها إن الطيبة مش ضعف، وإن الحق منتصر دايماً، وإن اللي بيبنى على الغدر والجشع بيهدم في لحظة.
وفي يوم، كانت منة ماشية في شارع من شوارع القاهرة، وشافت بنت صغيرة واقفة قدام محل فساتين، بتلبس فستان أبيض، وأخواتها واقفين بيتريقوا عليها ويضحكوا، وبيقولوا لها نفس الكلام اللي قيل لها زمان دي تخينة قوي على الأبيض.. بلاش فضايح ونقي حاجة تداري القرف ده!.
وقفت منة مكانها، وتذكرت كل حاجة، تذكرت الألم والكسرة والخۏف، وتذكرت اللحظة اللي دخل فيها أكرم غير حياتها كلها.. قربت من البنت، وبصت لها بابتسامة دافية، وقالت لها بصوت عالي ومسموع قدام أخواتها الفستان ده قوي ومميز، وجميل جداً عليكي، ويناسبك أكتر من أي حد.. ومحدش ليه الحق يقول لكي حاجة تضايقك، لأنك جميلة وقوية وتستاهلي كل خير.
واخدتها من إيدها، ودخلت معاها المحل، واشترت لها الفستان، وقالت لها متسمحيش لحد أبداً يقلل منكِ يا حبيبتي، واعرفي إن الجمال مش في الشكل ولا الوزن، الجمال في القلب والروح والقوة.. وكل اللي بيتريقوا عليكي، دول ناس ضعاف ومش عارفين قيمتك، ومستقبلك هيكون أحسن وأكبر من كل خيالهم.
البنت بصت لها بعين مليانة بالفرح والأمل، وابتسمت، وابتسامتها كانت نفس ابتسامتها زمان، اللي كانت محتاجة حد يقول لها الكلام ده.
ومن اللحظة دي، عرفت منة إن رحلتها مخلصتش، وإن رسالتها مستمرة، وإنها لازم تفضل تساعد كل بنت مکسورة أو مظلومة أو مهانة، عشان تثبت للكل إن الحق بيعلو ولا يعلى عليه، وإن المظلوم مهما طال به الزمن، ربنا بيجعل له مخرج، وبيجعل له مكانة عالية، وبيجعل الظالم يدفع التمن غالي جداً.
وهكذا كانت نهاية الحكاية.. نهاية بدأت بكسرة وإهانة وغدر، وانتهت بانتصار ونجاح وسعادة وعدالة، وثبتت إن الطيبة والصبر والقوة هي اللي بتبقى، وإن الغدر والجشع والقسۏة هم اللي بيضيعوا صاحبهم.
والفستان الأبيض، اللي كان سبب كل الألم والتريق، بقي رمز للانتصار والجمال والقوة، وكل ما حد كان يشوف فستان أبيض، كان يتذكر قصة منة، البنت اللي كانت مجرد ضحېة، وبقت ملكة، واللي أثبتت للدنيا كلها إنك مهما كنتِ صغيرة أو ضعيفة أو مکسورة، ربنا قادر يرفعك لفوق، ويجعل كل اللي كانوا بيضحكوا عليكِ يندموا طول عمرهم.
وظلت قصة منة وأكرم، قصة الحب والعدالة والانتصار، محفورة في قلوب الناس كلهم، كنموذج للحب الحقيقي اللي بيخرج الإنسان من الظلمة للنور، وكنموذج للعدالة الإلهية اللي بتقول إن ربنا فوق كل ظالم، وإن الحق لا ېموت أبداً.


