روايه للكاتبه مني السيد 1

— مش هتروحي في حتة.
— بالله عليك سيبني أشوفها! حتى آخر مرة!
شدني في الممر وأنا بصرخ.
وكانت حماتي ونيروز ماشيين ورانا وهما بيضحكوا.
في آخر الفيلا كان فيه أوضة قديمة مليانة كراكيب وصناديق وتراب….فتح الباب وزقني جوه بعنف لدرجة إني وقعت على الأرض….
— اقعدي هنا وعيطي على أمك براحتك.
قمت أخبط على الباب بجنون.
— محمود! حرام عليك! افتح الباب!
سمعت صوت المفتاح وهو بيقفل من بره.
وبعدين سمعت صوت نيروز وهي بتضحك:
— يلا بينا بقى على الكافيه. لازم نحتفل إننا خلصنا منها أخيرًا..
وردت أمينة:
— حاجزة ترابيزة في مطعم على النيل. ولما نرجع نبقى نشوف الست الهانم عملت إيه.
وبعدها سمعت ضحكاتهم وهم بيبعدوا.
فضلت قاعدة على الأرض في الضلمة.
خدي لازق في السيراميك البارد.
وبسمع صوت نفسي المكسور.
لكن في اللحظة دي حاجة جوايا اتغيرت.
ماكانتش دموع.
وماكانش خوف.
كانت نار.
غضب ساكت.
غضب نضيف.
في الليلة دي فهمت إن مروة اللي كانت ساكتة ومستحملة كل الإهانات علشان تحافظ على البيت… ماتت.
أما الست اللي قامت من على الأرض بعدها…
فماكانتش ناوية تطلب الإذن من حد تاني أبدًا.
لكن اللي اكتشفته بعدها كان أخطر بكتير مما كنت أتخيل ووو…!!!! #حكايات_مني_السيد
قمتُ بمسح دموعي بطرف يدي، لم تعد دموع انكسار، بل كانت وقوداً لنارٍ بدأت تشتعل في صدري. نظرتُ حولي في تلك الغرفة المظلمة؛ كانت رائحة العفن والغبار تخنقني، لكن صوت قلبي كان أعلى: “لازم أخرج.. لازم أشوف أمي”.
بدأتُ أتحسس الحوائط في الظلام، كانت يداي ترتجفان لكن عقلي كان يعمل كآلة حادة. تذكرت أن هذه الغرفة كانت في الأصل “غرفة خزين” قديمة، ولها نافذة صغيرة تطل على حديقة الفيلا الخلفية، نافذة كانت مغطاة بألواح خشبية منذ سنوات.
تسلقتُ الصناديق القديمة، وبكل ما أوتيت من قوة -قوة الغضب ووجع القلب- بدأتُ أدفع اللوح الخشبي. كان مسماراً صدئاً يغرس في جلدي، لم أشعر بالألم، كل ما شعرت به هو وجه أمي وهي تمسك بيدي في المستشفى. انخلع اللوح أخيراً، وتسللتُ من النافذة بصعوبة، سقطتُ على العشب في الخارج، حافية القدمين، وعباءة البيت التي كنت أرتديها ممزقة.
لم أهتم. ركضتُ نحو الطريق العام، أوقفني تاكسي عشوائي، كنت كالطيف، شعري مبعثر وعيناي تقدحان شرراً.
— دار الفؤاد بسرعة، أرجوك!
طوال الطريق، كان شريط حياتي يمر أمام عيني. خمس سنوات من الخداع. محمود، الذي كان يمثل دور الزوج العاشق، كان يخطط لسرقتي منذ اليوم الأول. و”نيروز”، تلك الأفعى التي كانت تتظاهر بحبي، كانت تنتظر اللحظة التي تنتهي فيها صلاحية “خزنتهم البشرية”.
وصلتُ المستشفى وأنا ألهث. كانت الأنوار البيضاء الساطعة تعمي بصري. جريت نحو مكتب الاستقبال.
— فاطمة السيد.. الحاجة فاطمة.. فين؟!
نظرت الممرضة لي بشفقة:
— يا مدام، البقاء لله. الحاجة فاطمة انتقلت لرحمة الله من ساعة تقريباً.
كلمة “البقاء لله” كانت بمثابة طعنة في قلبي، لكنها لم تكسرني كما توقعوا. وقفتُ للحظة صامتة، ثم مسحتُ وجهي ببرود مرعب. دخلتُ الغرفة، كانت أمي هناك، نائمة بسلام، كأنها أخيراً ارتاحت من هموم الدنيا ومن ابنة غبية مثلي لم تدرك خديعتهم إلا بعد فوات الأوان.
قبلتُ يدها الباردة وهمست:
— حقك في رقبتي يا أمي. مش هسيبهم يتهنوا بقرش واحد من تعبك.
خرجتُ من المستشفى، ولم أعد “مروة” التي تبكي. بدأتُ أتصل بمحامي أمي، الأستاذ “عادل”، الرجل الذي كانت أمي تثق فيه ثقة عمياء، والذي كان دائماً يحذرني من محمود، لكني كنت أظنه حاقداً.
— أستاذ عادل، أنا مروة. محمود استولى على الفيلا وكل حاجة بتمضية مزورة أو بخدعة قانونية، أنا محتاجة أتحرك دلوقتي.
أجابني بصوته الهادئ الواثق:
— كنت مستني المكالمة دي يا مروة. من يوم ما محمود بدأ يسألني عن التوكيلات، وأنا عارف إن اليوم ده هييجي. أنا مجهز كل العقود الأصلية، ومسجل كل محاولاتهم للضغط عليكي. محمود مفكر نفسه ذكي، بس هو وقع في غلطة كبيرة.. هو فاكر إنك لوحدك، بس هو نسي إن “الخزنة” اللي بيحاول يفتحها فيها مفتاح سري هو ما يعرفوش.
— مفتاح إيه؟
— أمك يا بنتي، قبل ما تموت بشهر، كانت حاسة بشيء مش مريح. عملت “نقل ملكية مشروط” لشركاتها وأملاكها لاسمك أنتِ فقط، بشرط إن محمود لو حاول يمس شعرة منك أو يطردك من بيتك، كل الورق اللي مضيتي عليه “يتحرق” قانونياً ويرجع كل شيء لأصل الوضع. هو فاكر إنه ملك كل حاجة، وهو فعلاً ما يملكش غير “ورق” ملوش قيمة.
شعرتُ بابتسامة نصر باردة ترتسم على وجهي. محمود وأهله، في هذه اللحظة، يحتفلون في مطعم على النيل، يتخيلون أنهم سيعودون ليجدوني مكسورة، محبوسة، أو ربما منهارة. لا يعرفون أنني خرجت من الغرفة، ومن القبر الذي أرادوا دفني فيه، لأصبح أنا القبر الذي سيضم أحلامهم بالثراء.
عدتُ إلى الفيلا. كانت الأنوار مطفأة. دخلتُ بهدوء. وجدتُ محمود ونيروز وأمينة يدخلون من باب الفيلا وهم يضحكون بصخب، رائحة الخمر والشماتة تفوح منهم.
توقفت نيروز عندما رأتني واقفة في الصالة، بملابسي التي تحمل آثار التراب، لكن بوقفة ملكة.
— إنتِ.. إنتِ إزاي خرجتِ؟!
لم أنطق. تقدمتُ بخطوات ثابتة نحوهم. محمود، الذي كان يترنح قليلاً، حاول أن يستعيد سطوته:
— مروة؟ إنتِ فاكرة نفسك راجعة تعملي إيه؟ دي بيتي دلوقتي، والبوليس ممكن يخرجك في ثانية.
ضحكتُ، ضحكة صافية جعلتهم يتجمدون في أماكنهم.
— لا يا محمود.. ده مش بيتك. ده بيت أمي، وبموجب القانون، أنا اللي ليا الحق أطردكم منه دلوقتي حالا.
استشاط محمود غضباً، ورفع يده ليضربني كما فعل قبل ساعات، لكنني كنت أسرع. أخرجتُ هاتفي وسجلتُ كل حركة، وفي اللحظة التي اقترب فيها، دخل رجال الشرطة -الذين كنت قد استدعيتهم مسبقاً بناءً على نصيحة المحامي- من باب الفيلا الذي كان لا يزال مفتوحاً.
نظرتُ في أعين محمود المذعورة وقلت بصوت هادئ:
— كنت بتقولي “البيت ده مابقاش بيلف حواليكي”.. عندك حق. البيت ده من النهاردة هيلف حوالين المحاكم، وأنت وأهلك.. هتعرفوا قيمة الـ “ضهر” لما يتكسر فعلاً.
لم تكن هذه سوى البداية. في الأيام القادمة، اكتشفتُ أن محمود لم يكن يسرقني فقط، بل كان يدير شبكة غسيل أموال صغيرة، وأن “نيروز” كانت متورطة في تزوير مستندات لشركات أخرى. كنت قد حفرتُ لهم حفرة، لكنهم في الواقع كانوا يحفرون قبورهم بأيديهم، وأنا كنت فقط أحمل لهم المجرفة.
جلستُ على أريكتي في الفيلا التي استعدتها، أنظر إلى صورتي أنا وأمي، وأقسمت أنني سأحول “مروة” الضعيفة إلى إمبراطورة لا يجرؤ أحد على مس كرامتها. ولكن، وسط هذه الأوراق والوثائق التي كنت أراجعها مع المحامي عادل، وجدتُ وثيقة غريبة.. وثيقة تخص “والدي” الذي قيل لي إنه توفي قبل ولادتي.. وثيقة تفتح باباً لأسرار قد تجعل قصة محمود ونيروز تبدو مجرد نزهة عابرة في طريق طويل من الانتقام.
يتبع..

