بنتي اتجوزت بقلم زهرة الربيع

فورًا
كلمناهم قبل كده.
وإيه اللي حصل؟
وصلوا بعد ساعتين.
سكت الجميع.
الدقات على الباب توقفت فجأة.
وده كان أخطر من الدق نفسه.
لأن الصمت اللي بعدها كان مرعب.
ثواني مرت…
ثم سمعنا صوت محرك العربية اللي بره وهو يشتغل.
أحمد تنفس براحة
شكلهم مشيوا.
لكن في نفس اللحظة…
رن موبايل مريم.
رقم مجهول.
كلنا بصينا للشاشة.
مريم كانت خايفة ترد.
قلت لها
افتحي السماعة.
ضغطت على الزر.
وجاء صوت هادئ جدًا من الطرف الآخر
مساء الخير يا مريم.
اتجمدت ملامحها.
مين؟
ضحكة قصيرة خرجت من السماعة.
ثم قال الرجل
متتعبيش نفسك… أنا شايفك دلوقتي.
كل الموجودين بصوا لبعضهم في صدمة.
الرجل أكمل
وشايف أمك وأخوكي كمان.
سقط الهاتف تقريبًا من يد مريم.
وأحمد اندفع ناحية الستائر يقفلها كلها.
لكن الصوت أكمل
خلاص… مفيش داعي تقفلوها.
احنا خلصنا اللي كنا عايزينه.
عايزين إيه؟!
صرخت مريم.
فجاء الرد البارد
كنا عايزين نتأكد إن الطفل لسه بخير.
ثم أغلق الخط.
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
لكن بعد ثوانٍ…
لاحظ أحمد شيئًا غريبًا.
فتح باب البيت بسرعة وخرج للجنينة.
جرينا وراءه.
وكان واقف يحدق في الأرض.
اقتربت منه.
فوجدت صندوقًا صغيرًا موضوعًا أمام الباب.
صندوق لم يكن موجودًا قبل دقيقة واحدة.
وعليه ورقة مكتوب عليها بخط أحمر
الرسالة الأولى.
نظر أحمد إليّ ببطء وقال
يا أمي…
نعم؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
الصندوق بيتحرك من جوه…!تراجعت سعاد وهي تصرخ، ومريم ضمت بطنها أكثر، أما أنا فثبتُّ عيني على الصندوق.
فعلاً…
كان بيتحرك.
حركة خفيفة… ثم توقف.
ثم حركة ثانية أقوى.
أحمد التقط عصا كانت بجوار الباب وقال
محدش يقرب.
لكن فضولي وخوفي على بنتي كانوا أقوى من أي شيء.
اقتربت خطوة.
ثم خطوة.
وعلى غطاء الصندوق كانت الورقة الحمراء مكتوب تحتها سطر صغير ما انتبهناش له من الأول
افتحوا قبل ما يفوت الأوان.
أحمد مد العصا بحذر ورفع الغطاء.
الكل حبس أنفاسه.
وفجأة…
قفز شيء من الداخل!
صرخت سعاد.
ومريم شهقت.
لكن الشيء الذي خرج لم يكن حيوانًا ولا قنبلة كما تخيلنا.
كان… هاتفًا محمولًا.
هاتف قديم مكسور الشاشة.
سقط على الأرض، وفي نفس اللحظة أضاءت شاشته وحدها.
وظهر مقطع فيديو يعمل تلقائيًا.
مددت يدي والتقطته.
كان الفيديو مصورًا داخل غرفة مظلمة.
الكاميرا تهتز.
وشخص يلهث وهو يصور.
ثم ظهر وجه رجل للحظة.
رجل في الأربعينات تقريبًا.
وعيناه مليئتان بالرعب.
قال بصوت متقطع
لو حد شاف الفيديو ده… يبقى أنا غالبًا مت.
شعر جسمي كله بالقشعريرة.
الرجل أكمل
اللي بيحصل أكبر من موضوع ميراث… وأكبر من الأرض كلها.
الصورة اهتزت فجأة.
وكأن أحدًا اقترب منه.
ثم همس بسرعة
في حاجة مدفونة… تحت…
وفجأة انقطع الفيديو.
تحولت الشاشة إلى السواد.
الجميع وقف مذهولًا.
أحمد قلب الهاتف بين يديه
تحت إيه؟
تحت فين؟
لكن الهاتف لم يعمل ثانية.
وفجأة سمعنا صوت سيارة أخرى تقترب من بعيد.
هذه المرة بسرعة جنونية.
ثم توقفت أمام البيت مباشرة.
وترجل منها رجل مسن.
ما إن رآه مدحت حتى اتسعت عيناه.
وقال بصوت مرتجف
مستحيل…
تعرفه؟! سألتُه.
أجاب وهو لا يكاد يصدق
أيوة…
مين ده؟
بلع ريقه بصعوبة وقال
ده الراجل اللي شوفناه حالًا في الفيديو…
الراجل اللي المفروض مات من سنتين!ساد الصمت للحظات.
الكل كان واقف مصدوم، يبص للرجل اللي نازل من العربية وكأنه شاف شبح.
لكن أول ما قرب من نور البيت، مدحت شهق وقال
لا… مش هو.
بصينا تاني كويس.
فعلاً، الراجل كان شبهه جدًا، لكن أكبر منه شوية.
الرجل رفع إيده وقال
متخافوش… أنا أخوه.
فتحنا له الباب ودخل بسرعة، وكأنه كان بيهرب من حد.
أول ما قعد، طلب كوب مية، وبعدها قال
لازم تعرفوا الحقيقة كلها.
واتضح أن أخوه الذي ظهر في الفيديو لم يمت كما كان الناس تعتقد.
قبل سنتين اكتشف أثناء حفر قديم في أرض العيلة مجموعة مستندات تثبت أن جزءًا كبيرًا من الأراضي تم الاستيلاء عليه بالتزوير من عشرات السنين.
ولما حاول يكشف الحقيقة، تعرض للتهديد واختفى.
الناس صدقت إنه مات.
لكن في الحقيقة كان مختبئًا يجمع الأدلة.
أما الفيديو فكان رسالة احتياطية لو حصل له أي مكروه.
وبالنسبة للطفل الذي في بطن مريم، لم يكن هو الهدف الحقيقي.
الهدف كان إجبار العائلة على التنازل عن الأرض والسكوت عن المستندات.
أما المكالمات الغامضة والتهديدات فكانت مجرد وسيلة لإرهابهم.
في الصباح، وبعد ساعات طويلة من الكلام، تم تسليم كل الأدلة للجهات المختصة.
وخلال أسابيع قليلة انكشفت شبكة التزوير كاملة، وتم القبض على المتورطين.
أما مريم…
فلأول مرة منذ شهور، نامت وهي مطمئنة.
وأما أنا، فجلست بجوارها أمسح على شعرها كما كنت أفعل وهي صغيرة.
بكيت وقتها.
ليس خوفًا…
بل ندمًا لأنني صدقت يومًا أن المسافة يمكن أن تمنع الأم من الإحساس بابنتها.
بعد عدة أشهر، رزقت مريم بطفل جميل.
وفي يوم ولادته، حمله أحمد بين ذراعيه وظل يضحك ويقول
أهو أخيرًا بقيت خال رسمي!
وانفجر البيت كله بالضحك.
أما كلمة رأس البر فلم نحتج إليها مرة أخرى أبدًا.
لأن مريم عادت تعيش بالقرب منا، وقالت يومها
البيت اللي فيه أمي… هو المكان الوحيد اللي عمري ما أخاف فيه.
تمت.
متابعة القراءة

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *