لعبة القدر حكايات مايا خالد الاول

«زوجتي اتصلت بي وهي تبكي وتقول: “سامحني، لم أعد أحتمل هذا العار، ابنتنا ليست ابنتك”.. وقبل أن أنطق بكلمة، انقطع الخط وصوت ارتطام مرعب هزّ سماعة الهاتف!»
​لم يكن “طارق” رجلًا عاديًا، بل كان مهندسًا مرموقًا يُشار إليه بالبنان، وزوجته “ليلى” كانت شريكة كفاحه التي تحدت أهلها الأثرياء لتتزوجه وهو في بداية طريقه. عاشا معًا عشر سنوات من الحب والاستقرار، تُوجت بطفلتهما “فرح” ذات السنوات السبع، والتي كانت نسخة مصغرة من والدتها في كل شيء: عينيها الخضراوين، وشعرها المموج، وحتى ضحكتها.
​في ذلك اليوم المشؤوم، كان طارق في مكتبه حين تلقى ذلك الاتصال المرعب. تيبس في مكانه، وأخذ يصرخ عبر الهاتف: “ليلى! ليلى! ماذا تقولين؟”، لكن لا مجيب سوى صوت أبواق السيارات وصراخ مجمهرين في الخلفية.
​قاد سيارته كالمجنون نحو موقع الحادث الذي تتبع فيه هاتفها عبر تطبيق تحديد المواقع. هناك، وجد سيارتها مهشمة تمامًا بعد أن انحرفت عن الجسر. نُقلت ليلى وفرح إلى العناية المركزة في حالة حرجة بين الحياة والموت.
​بينما كان طارق يطحن نفسه من البكاء والقلق أمام غرفة العمليات، كانت كلمات زوجته الأخيرة تنهش عقله كالجمر: “ابنتنا ليست ابنتك”. كيف؟ ومتى؟ ليلى العفيفة، المخلصة، التي لم تغب عن عينه يومًا، كيف يمكن أن تكون قد خانته؟
​تحول الخوف على حياتهما إلى إعصار من الشك والغل. لم يحتمل الانتظار، وفي لحظة جنون، استغل خروج ممرض ببعض عينات الدم، وطلب بشكل سري وعاجل تحليل DNA له ولابنته فرح من مختبر خارجي يمتلكه أحد أصدقائه، مستغلًا وجود عينات دمها بالفعل في المستشفى.
​مرت 48 ساعة كأنها دهور. استيقظت ليلى من الغيبوبة، لكنها كانت عاجزة عن الكلام بسبب الأجهزة الطبية، وتنظر إلى طارق بعينين مليئتين بالدموع والرجاء، بينما هو ينظر إليها بنظرات تقطر حقدًا واحتقارًا، منتظرًا فقط اللحظة التي تنطق فيها ليرجمها بحقيقتها.
​في تلك اللحظة، رن هاتفه. كان صديقه من المختبر:
​”طارق.. أنا لا أعرف كيف أقول لك هذا، لكن النتيجة صاعقة. الطفلة فرح ليست ابنتك بيولوجيًا.. نسبة التطابق 0%.”
​أغلق طارق الخط، وشعر أن الجدران تدور به. التفت إلى زوجته الراقدة على السرير، واقترب منها وعيناه تشتعلان غضبًا، وهمس في أذنها بفحيح مرعب: “عرفت الحقيقة.. فرح ليست ابنتي. مَن هو أبوها؟ انطقي قبل أن أقتلكِ وأقتلها!”.
​انهمرت الدموع من عيني ليلى بغزارة، وحاولت بكل قوتها وبجسدها المنهك أن تتحدث، نزعت قناع الأكسجين بضعف شديد، وقالت بصوت متحشرج يملؤه الألم:
​”أنا… أنا لم أخنك يومًا يا طارق.. فرح ليست ابنتي أنا أيضًا!”
​تسمر طارق في مكانه، والجمت الصدمة لسانه: “ماذا تقصدين؟!”.
​تابعت ليلى وهي تلفظ أنفاسها بصعوبة:
“قبل أسبوع.. عثرت بالصدفة على تقارير قديمة في خزنة المستشفى الذي ولدتُ فيه فرح.. واكتشفت الكارثة. الممرضة قامت بتبديل ابنتنا الحقيقية بالخطأ مع عائلة أخرى يوم ولادتها.. فرح ليست ابنتنا.
​في ذلك اليوم، كنت قد عثرت على عنوان عائلتنا الحقيقية، وابنتنا البيولوجية التي تعيش معهم.. كنت في طريقي إليك وأنا أبكي لأخبرك بالعار الذي تسببت فيه المستشفى لنا.. لكن السيارة انحرفت بي.. طارق.. ابنتنا الحقيقية ما زالت حية.. عند ناس غرباء!”.
​هبطت الكلمات كالصاعقة على طارق، ليدرك في ثانية واحدة أن الشك لادين له، وأن زوجته بريئة، وأن الطفلة التي نامت في حضنه لسبع سنوات ليست ابنته.. وأن ابنته الحقيقية تعيش في مكان ما، مع غرباء، لا تعرف عن وجوده شيئًا.
انسحبت الكلمات من شفتي ليلى كأنها الرمق الأخير، لتطلق أجهزة المؤشرات الحيوية بجانبها صفيرًا حادًا متواصلًا. انخفض ضغط دمها فجأة، وهرع الأطباء والممرضون إلى الغرفة يدفعون طارق إلى الخارج ذهولًا.
​وقف طارق خلف الزجاج المصقول، يرى الأيدي تتسارع لإنقاذ زوجته، بينما كانت الصدمة تشل حواسه تمامًا. التفت بنظره إلى الغرفة المجاورة حيث ترقد “فرح”.. الطفلة التي سهر على مرضها، وضفر شعرها، وبكى يوم خطت خطواتها الأولى. لم تعد فرح مجرد طفلة في نظره، بل أصبحت “لغزًا” وضحية لخطأ بشري دمر عائلتين دون علم أحد.

​بعد ساعات مرت كالجمر، استقرت حالة ليلى لكنها غرقت في غيبوبة أعمق. لم يجد طارق مفرًا من البحث عن الحقيقة بنفسه. تذكر سيارة ليلى المحطمة في حجز الشرطة. قاد سيارته هناك والدموع تعمي عينيه.
​وسط الحطام والزجاج المتناثر، عثر على حقيبتها اليدوية ممزقة والملطخة بالدماء. فتحها بيدين ترتجفان، ليجد ملفًا بلاستيكيًا يحوي أوراقًا صفراء قديمة من المستشفى الاستثماري الذي ولدت فيه فرح قبل سبع سنوات، وبرفقتها ورقة صغيرة كُتبت بخط يد ليلى المرتعش:
​”العائلة البديلة: عائلة (يونس الهواري).. الصعيد – قنا.”
​انقبض قلب طارق. اسم “الهواري” لم يكن غريبًا؛ إنها واحدة من أكبر وأقسى عائلات الصعيد، معروفة بنفوذها وتمسكها الشديد بالنسل والدم. كيف سيواجه رجلًا صعيديًا ليقول له: “الابنة التي تربيها في بيتك وتعتز بنسبها ليست ابنتك، وابنتي الحقيقية تعيش تحت سقفك”؟

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *