لعبة القدر حكايات مايا خالد الاول
تسمر طارق في مكانه، وشعر بالأنفاس تنسحب من صدره. الكلمات التي نطق بها يونس الهواري لم تكن مجرد صدمة، بل كانت بمثابة حكم بالإعدام على كل ما يعرفه عن حياته وعائلته.
نظر طارق إلى الطفلة الواقفة أمامهما—ابنته الحقيقية التي تحمل ملامحه—ثم نظر إلى يونس وصاح بصوت مبحوح يملؤه الجنون:
“أنت تقول ماذا؟! فرح.. فرح التي ربيتها سبع سنوات، والتي تموت الآن في العناية المركزة.. من تكون؟! ومن أين أتيت بهذه الفتاة إن كنت قد اشتريتها؟!”
أشار يونس للطفلة لتخرج، وبمجرد أن أُغلق الباب، التفت إلى طارق وعيناه تقطران أسى وغموضًا:
“اجلس يا بشمهندس.. اجلس وافهم الكارثة التي وقعنا فيها جميعًا. زوجتي الأولى سعاد ماتت وأخذت معها نصف الحقيقة، لكني بحثت وراءها وعرفت الباقي. يوم ولادة ابنتك في المستشفى الاستثماري، كانت هناك ثلاث ولادات في نفس اللحظة: زوجتي الثانية، وزوجتك ليلى، وامرأة غريبة مقطوعة من شجرة جاءت في حالة وضع حرجة وماتت أثناء الولادة.”
تابع يونس وهو يفرك وجهه بقلة حيلة:
“سعاد أرادت حرق قلب ضرتها، فأخذت ابنتها (التي هي فرح) وبدلتها بطفلة المرأة الميتة.. لكنها قبل أن تكمل لعبتها، ارتبكت بسبب دخول الأطباء، فوضعت ابنة المرأة الميتة في حضن زوجتك ليلى! أما ابنتك أنت الحقيقية.. فقد ظنت سعاد أنها ابنة المرأة الميتة، وقررت أن تبيعها لممرضة أخرى تتاجر بالأطفال في القاهرة لتتخلص منها تمامًا! وأنا.. أنا الذي اشتريت هذه الطفلة عن طريق وسيط دون أن أعلم أنها ابنتك أنت، فقط لأعوض زوجتي الثانية عن ابنتها التي أخبرتها سعاد أنها ماتت يوم ولادتها!”
خيوط الدم والموت
هبطت الحقيقة على رأس طارق كالمطرقة. إذن، فرح التي تعاني سكرات الموت في المستشفى هي ابنة يونس الهواري الحقيقية! والطفلة التي تربى في بيت يونس هي ابنة طارق الحقيقية! وطفلة المرأة الميتة… هي التي دُفنت في مقابر الصدقة باسم آخر!
لم يستوعب طارق هذا التشابك الشيطاني. رن هاتفه فجأة.. كان المتصل هو صديقه الطبيب من المستشفى في القاهرة.
أجاب طارق بآلية وجسده يرتجف: “أهلاً يا أحمد.. ماذا هناك؟”
جاء صوت الطبيب باكيًا ومتهدجًا:
”طارق.. شد حيلك يا صاحبي. ليلى تجاوزت مرحلة الخطر واستيقظت، لكن.. الطفلة فرح.. فرح نبضها ضعيف جدًا، وتحتاج فورًا إلى نقل نخاع عظمي أو تبرع عاجل بالدم من فصيلة نادرة جدًا لا يملكها إلا والدها البيولوجي.. طارق، تحليل الـ DNA قال إنك لست والدها، إذا لم نجد والدها الحقيقي خلال 24 ساعة.. فرح ستموت!”
سباق مع الموت وفوق العادات
التقط طارق أنفاسه بصعوبة، ونظر إلى يونس الهواري الذي كان يتابع المكالمة بوجل. وقف طارق وقال بصرامة:
“يونس بيه.. فرح تموت في القاهرة. فرح ليست ابنتي.. فرح ابنتك أنت من زوجتك الثانية! الدم الذي يجري في عروقها هو دمك، والنخاع الذي ينقذها هو نخاعك! وابنتي أنا.. تقف الآن خارج هذا الباب.”
اهتزت لحية يونس الصعيدي، وتصارعت في داخله قيم العصبية والقبلية مع غريزة الأبوة المفاجئة. ابنة دمه التي ظنها ماتت قبل سبع سنوات، حية وتنازع الموت في مستشفى بالقاهرة!
وقف يونس بقامته الطويلة وقال بصوت زلزل أركان الدوار:
“يا رجال الهواري! جهزوا السيارات.. نحن مسافرون إلى البندر (القاهرة) الآن!”
النهاية الصادمة (لمتابعة الجزء الأخير)
تحرك الرتل من الصعيد إلى القاهرة كأنه ملحمة حربية. دخل يونس وطارق إلى المستشفى، تتبعهما الطفلة الصغيرة (ابنة طارق الحقيقية).
هرع يونس إلى غرفة العناية المركزة، وبمجرد أن رأى فرح وهي شاحبة كالملاك تحت الأجهزة، انفجر قلبه بالبكاء. تم تجهيزه فورًا لعملية نقل الدم والنخاع لإنقاذها.
في هذه الأثناء، أفاقت ليلى تمامًا. دخل عليها طارق ممسكًا بيد الطفلة الصغيرة ذات العيون البنية والشامة المميزة. نظرت ليلى إلى الطفلة، ثم إلى طارق، وصرخت بدموع الفرح: “ابنتي! طارق.. هذه ابنتنا الحقيقية، صح؟ أنا عثرت على صورها وعرفتها!”
هز طارق رأسه وعيناه تلمعان بالدموع: “نعم يا ليلى.. هذه ابنتنا”.
مرت الساعات، وخرج الطبيب من غرفة العمليات يمسح جبينه، وقال لطارق ويونس: “الحمد لله، المتبرع أنقذ الطفلة فرح، والعملية نجحت بنسبة 100%.. فرح ستعيش”.
تنفس الجميع الصعداء، وظن طارق أن الكابوس انتهى، وأنهم سيتبادلون الفتيات أو يربونهما معًا. لكن القدر كان يخفي الـ “مفاجأة” الأخيرة التي لم يحسب لها أحد أي حساب.
بينما كانوا مجتمعين في الممر، وصلت زوجة يونس الهواري الثانية (والدة فرح الحقيقية) من الصعيد بعد أن علمت بالخبر. دخلت الممر مسرعة، وبمجرد أن رأت ليلى راقدة على السرير، وتطلعت في وجه طارق… تيبست في مكانها، واتسعت عيناها برعب قاتل، وسقطت حقيبتها من يدها.
نظرت ليلى إلى زوجة يونس، وشحب وجهها تمامًا، وهسّت برعب: “أنتِ؟!”
التفت طارق إلى زوجته ليلى مستغربًا: “ليلى.. هل تعرفينها؟”
قالت زوجة يونس بصوت يرتجف وهي تشير إلى ليلى وطارق:
“يونس.. طارق.. ليلى ليست غريبة عنا.. ليلى هي أختي الصغرى من أبي التي هربت وقاطعتنا قبل أحد عشر عامًا لتتزوج هذا المهندس رغماً عن أهلنا! ليلى.. أنتِ كنتِ معي في نفس المستشفى ونفس غرفة الولادة ونحن لا نعلم بوجود بعضنا البعض؟!”
وقع الخبر كالصاعقة على طارق الذي التفت ببطء إلى ابنتيه: “فرح” و”الطفلة الأخرى”.
إذن.. لم يكن هناك تبديل عشوائي بين غرباء! الفتاتان لم تكونا غريبتين، بل هما بنات خالات! الدم الذي ظنوا أنه اختلط بالغرباء، كان يدور في نفس الدائرة العائلية المغلقة التي فروا منها قبل سنوات!
والآن.. كيف ستعيش عائلتان فرّقتهما الأحقاد والسنوات، وصهرتهما ليلة واحدة في مستشفى مجرم، ليجدا نفسيهما مجبرين على اقتسام بنتين، وحياتين، وماضٍ مليء بالدم والدموع؟!
يتبع حكايات مايا خالد

