لعبة القدر حكايات مايا خالد الاول
لم ينتظر طارق. ترك صديقه الطبيب ليرعى ليلى وفرح، واستقل سيارته متجهًا نحو الجنوب، وكلما اقترب من بلدتها، كان الخوف ينهش صدره، لكن الشوق لرؤية قطعة من دمه كان أقوى من أي خوف.
وصل إلى دوار “يونس الهواري” مع مغيب الشمس. كان الدوار مهيبًا، والرجال يلتفون حول رجل خمسيني ذي هيبة حادة وعينين كالصقر؛ إنه يونس. تقدم طارق بخطوات متهيبّة، وطلب الحديث معه على انفراد لأمر يمس “العرض والدم”.
في غرفة الضيافة المغلقة، وضع طارق الأوراق والتحاليل أمام يونس، وروى له القصة كاملة وصوته يتهدج.
تغيرت ملامح يونس، وتحولت بشرته القمحية إلى شحوب مرعب. قبض على عصاه الأبنوسية بقوة كادت تكسرها، وقال بفحيح يملؤه الغيظ: “أنت تجننت يا بنداري؟ جاي تتهمني في شرفي وعيالي؟ واصل.. بنات الهواري لا يختلط دمهن بدم غريب!”.
صرخ طارق بقلب أب محروق: “أنا لا أتهم أحدًا! المستشفى هو المجرم.. ابنتي الحقيقية هنا، والطفلة التي تموت في المستشفى الآن هي ابنتك أنت! خذ عينة من دمي، واعمل تحليلًا لابتك التي عندك.. إن كنت رجلًا حقًا وتريد معرفة الحقيقة، واجهني بالتحليل!”.
ساد صمت قاتل في الغرفة، قطعته خطوت صغيرة قادمة من خلف الستار. التفت طارق ليصعق تمامًا..
فتاة صغيرة في السابعة من عمرها، تقف ممسكة بطرف ثوب يونس. لم تكن بحاجة إلى تحليل DNA لتثبت نسبها؛ كانت تمتلك نفس ملامح طارق الحادة، نفس العيون البنية الواسعة، ونفس الشامة الصغيرة التي يمتلكها طارق فوق حاجبها الأيمن. سقطت دموع طارق تلقائيًا وهو يهمس: “يا الله.. ابنتي!”.
نظر يونس إلى الفتاة، ثم إلى طارق، وادرك أن الشبه لا يمكن إنكاره. تراجع خطوة إلى الوراء وكأن الأرض تهتز من تحت قدميه.
الصدمة الأخيرة (نهاية غير متوقعة لمتابعة الجزء القادم)
خرّ يونس على مقعده وهو ينفث أنفاسًا متلاحقة، ثم نظر إلى طارق وعيناه تلمعان بنظرة غريبة امتزج فيها الرعب بالانكسار. سحب يونس الورقة التي كتبتها ليلى، وقرأ اسم الممرضة التي قامت بالتبديل قبل سبع سنوات: (سعاد عبد المجيد).
انفجرت ضحكة هستيرية مخنوقة من صدر يونس، تحولت سريعًا إلى بكاء مرير، وهو يضرب كفًا بكف.
استعجب طارق من رد فعله وصاح به: “لماذا تضحك وتبكي كالمجانين؟ الأمر كارثة، لكننا نستطيع حلها والمطالبة بفتياتنا!”.
وقف يونس، واقترب من طارق، وهمس في أذنه بكلمات جمدت الدماء في عروق المهندس، وجعلته يتمنى لو أن الحادث قضى عليه قبل أن يسمعها:
”المطالبة بمن يا طارق؟.. الممرضة سعاد عبد المجيد التي كتبت زوجتك اسمها.. هي زوجتي الأولى! وقبل سبع سنوات، عندما ولدتْ زوجتي الثانية ابنةً، كانت سعاد عاقرًا وتشتعل غيرة.. لقد اعترفت لي قبل وفاتها العام الماضي أنها بدلت الفتيات عمدًا لتقهر ضرتها.. لكنها لم تبدلهن مع عائلة غريبة في المستشفى.. سعاد بدلت ابنتي من زوجتي الثانية، مع طفلة ولدتها امرأة أخرى ماتت في نفس اللحظة أثناء الولادة!.. فرح التي في المستشفى الآن ليست ابنتي أنا أيضًا يا طارق.. فرح ابنة امرأة مجهولة ماتت ودفن سرها معها.. وابنتك الحقيقية التي تراها أمامك الآن.. اشتريتها أنا بمالي من ممرضة أخرى دون أن أعلم أنها ابنتك!”.
انقطع النور في عيني طارق، ووقعت الأوراق من يده.. الخيط انقطع تمامًا، والسر أصبح مظلمًا أكثر مما يتخيل بشر!


